دعكَ جدّو عينيه، بظاهر كفّيه الصغيرتين، ثمّ في العتمة الخفيفة، بحث عن أمه التي كانت راقدة رقدتها الجنينية، تلك التي تعوّدت عليها منذ اختفاء زوجها.. وكانت تحتضن شقيقه الرضيع، الذي كان حينذاك يبتسم لعصافير ملوّنة كانت تناغيه. وبمحاذاة الجدار حبا قليلاً، حتى إطار السرير المعدني، تسلّقه، ثم نزل إلى الأرضية..
على الأرضية الدافئة، حبا جدّو قليلاً رغم سنواته الأربع، ريثما ينجلي له طريقه، ثم نهض.. شقّ طريقه حافياً نحو الحمّام… يعرف جدّو طريقه جيداً، ويعرف طقسه اليومي… إذ يصل، سيصعد إلى الكرسي، ويتلمّس بيده الجدار حتى يدرك الزر، سينتشر الضوء في المكان.. سيغسل وجهه أولاً، ثمّ سيتناول مسواك أبيه.. سيتذكّر في كل مرّة، ما قالته له أمه لمّا رأت إصراره على ألا ينظف أسنانه إلاّ بمسواك أبيه الغائب..
-" جدّو يا حبيبي.. هذا الجزء لك، والآخر لأبيك، حين.. حين يعود"
سوف لن ينسى طيلة حياته، دموع أمه التي تقاطرت بعد أن قالت له ذلك، وسوف لن يعرف لماذا بكت حينذاك، إلاّ بعد أعوام عجاف طويلة، عاشها كاليتيم، وسوف يبكي حينها، في كهولته، كما لم يبكِ من قبل. سيغسل يديه، ورجليه، وشعره، كيفما اتفق، في محاكاة للوضوء .. سيقصد مشجب الملابس، الذي ما تزال تُعلّق عليه بعضاً من ثياب أبيه، في الرواق الممتد على طول الشرفة، حيث كان يصلّي عادة. سيصعد بتؤدّة إلى المصطبة.. مستنداً إلى الأعمدة الخشبية التي تتخلل الشبك المعدني.. سيبلغ أعلى المشجب الذي أشبه بشجرة وحيدة تعصف بها الريح، ثم سيسحب بهدوء جلباب أبيه. سينزل، ويشرع مباشرة في ارتدائه، واقفاً على سجادة أبيه، التي كان رفضَ رفضاً قاطعاً كل محاولات أمه، وجدّته، وخاله، على تحريكها من مكانها، ووضعها في الغرفة الخلفية. سيصلّي:
-" اللاااه أبّر!.. اللااااه أبّر!"
يكمل صلاته.. يجلس على السجادة.. ينظر في الفراغ في انتظار أن يسمع صوت أبيه الجهور، أن يشمّ رائحته.. ينتظر قليلاً.. لا شيء سوى الصمت الذي يتخلله طنين البعوض في الخارج، على نحوٍ متواتر. يجذبُ الجزء العلوي من الجلباب الذي يرتديه.. يشمه، ها هي ذي رائحة أبيه.. يرفع الجزء الأمامي من السجادة يشمها.. ثم يبكي بحرقة:
-" يُبا!.. يُبا!! .. يُبا!!!!!..!" (1)
تهرع أمه نحوه حافية.. ترفعه، تضمه إلى صدرها.. تطبطب عليه، وتقرأ المعوذتين، وتتبعها بآية الكرسي، وشيئاً من سورة يس.. يهدأ جدو. يأتي مهرولاً خاله ذي العشرين ربيعاً، يأخذ الطفل الرضيع، الذي ما يزال يبتسم برفقة عصافيره الملوّنة، يحتضنه، ويستلقيان على الأريكة، كي يتسنّى لأمّه هدهدة جدّو حتى يغفو.
في الخامسة من عمره، صار جدو أكثر إلحاحاً في السؤال عن أبيه:
-" ولَيدي!.. سيعود إلينا أبوك.. قريباً.. سيعود"
تجيبه أمه في كل مرّة، والأسى ينخر روحها. يلحّ في السؤال الذي تتناسل عنه أسئلة.. لا يفهم جدو، لماذا يعود آباء أترابه من سفرهم، ولا يعود أباه!.. ولا يفهم لماذا تنتحب أمه وحيدة في ركن قصيّ من الغرفة. ولماذا قاطع خاله دراسته لكي يعمل في مطعم، يخرج مع شروق الشمس، ولا يعود إلاّ بعد الغروب، تائهاً وحزيناً يتآكله القلق.
في السادسة من عمره، اختفى خاله .. أكثرَ من التردد على مركز الشرطة في المدينة، ضاقوا به ذرعاً… قال الشرطيُّ للشرطيّ، وكان يقف بينهما، في الظلّ، صفّ طويلٌ من الوشاة، والمخبرين:
-" إنه يسأل عن صهره!"
فابتسم الشرطيّ الآخر في خبث، ثم قال شيئاً كعواء ذئب جائع، وصدرت عن الوشاة وشوشة، أخذت تتعالى تدريجياً حتى صارت كالنباح. وتقدّم الضابط نحوه، في الشمس، كما لو كان يدور حول نفسه كرصاصة، ثم رفع يده عاليةً كي يلطمه، لكن خال جدو اعتزى كما يفعل قومه، هاتفاً:
-" أنا! حِگي طَرُّو!!" (2)
أمسك بقوةٍ باليد من معصمها، قبيل ارتطامها بوجهه، وقام بفتل ذراعه خلف ظهره، ضاغطاً في ذات اللحظة، بيده الاخرى على عنقه. الشرطيان، اللذان باغتتهما المفاجأة، كما قائدهم، شهرا سلاحيهما نحوه، تبخّر صلفهم الذي كان، لوهلة، وحلت محله حيرةٌ شائكة. بصوتٍ مخنوق، خافت، كمن يحتضر، أخذ الضابط يستغيث. الخال الذي أحكم قبضته على الجسد الرخو، انبثقت في عقله، من فرجةٍ في ذروة غضبه، صورة أخته، وطفليها وجدّتهما.. فآثر التراجع، ظنّا منه كذلك، إنّ الأمر برمته لا يعدو كونه مجرد تهديد، لجعله يتوقف عن زياراته المتكررة، وعن تلك الأسئلة، لكنه كان مخطئاً؛ إذ حالما أفلته، صاح الضابط، موجهاً كلامه إلى الشرطيين، على نحوٍ احتفالي، مخادع، متناسياً إهانته:
-" يريد أن يعرف أين صهره، وأنتما تعلمان أين صهره، فلماذا لا تأخذانه إلى صهره اللعين؟!!"
أخذ جدّو يسأل عن أبيه، وعن خاله.. وتجيبه أمه، وهي تتلظّى كمداً:
-" ذهب خالك لكي يعيد أبانا .. سيعودان سوياً يا وليدي.. سيعودان سوياً.. سيعودان"
تدهورت صحته، عافَ الطعام، وانتكست مقدراته في اللغة، صار يتلعثم، ويتبوّل لا إرادياً. أخذ يبحث عن خاله داخل الغرف في الدار، وفي المطبخ، خلف بابه الخشبي الذي تراخت مفاصله، وفي جميع الأماكن التي كان يختبئ فيها إذ يلعبان الغميضة؛ خلف شجرة السرو، خلف صهريج الماء الذي صار خاوياً وماتت طحالبه، وخلف قنّ الدجاج. صار قبل الأصيل بنحو ساعة، يسير نحو شجرة السرو، التي اصفرّت أوراقها.. يلصق وجهه على جذعها، قريباً من فوج نملٍ صاعد، يغطّي عينيه، ثم يعدّ: " واحد.. اثنين.. ثلاث.. أربع".. ثمّ يتراكض بحثاً عن خاله الغائب، في كل الاتجاهات، وعلى نحوٍ نزق، مثل زنبورٍ ضلّ مسكنه، الذي عبثت به آلة هدم متوحشة.. مردداً:
-" خالي!.. خالي!؟.. أين تختبئ؟.. أين أنت يا خال؟!.. سأجدك!.. سأجدك يا خال!"
وترى جدته المشهد، وهي تقرأ أورادها جالسة على سجادتها.. يتحلزن الحزن في دواخلها، يتلوّى ويمورُ.. وترى أمه المشهد من نافذة المطبخ وهي تعدّ العشاء من القليل الذي تبقّى لهم من المؤونة؛ وتنشج.. تبكي.. تتخالط دموعها مع مخاطٍ شفّاف يرشح عن أنفها، ومع العرق الذي ينزّ عنها.. وإذ ترى ابنها يتجه نحو المطبخ، تمسح وجهها بكمّ بيجامتها.. تبتسم في وجهه، داعية الله ألاّ يخذلها تماسكها في تخاصره والإنهيار!
-" لطفك يا رب!"
تقول. ويبكي الصغير ذي العامين ونصف، إذ يحسّ صوت أخيه صوتاً كالبكاء.
في يومه الدراسي الأول، عرف جدّو الحقيقة!.. وبينما كان الحارس يغلق البوابة، التي كانت فُتحت في فسحة الفطور، انصلتَ جدو مندفعاً خارج أسوار المدرسة، راكضاً كما تركض صغار العجول نحو أمهاتها، وحين ولج من باب الدار، منادياً أمه بأعلى ما تستطيع عقيرته، خرجت إليه في منتصف الفناء. وقف قبالتها، رفع رأسه نحوها، ثم خرج صوته واضحاً وناصلاً كسوطٍ في يد جلادٍ زنيم، عميقاً عميقاً كالجرح في دواخل الضحايا التي كبّلها العجز، وغادرتها صباحاتها المطمئنّة..
-" أبويا في السجن؟؟!"
جلست على ركبتيها،على الأرض، تحت الشمس الساطعة، في مواجهته، نظرت إلى وجهه الذي احتقن:
-" أنت رجلٌ الآن.. لا تبكِ يا ولدي؛ فالرجال لا يبكون!"
قالت له أمومتها من حالقٍ في خبايا المصير. عندئذٍ مسح جدو دموعه بكم قميصه المدرسي. ثم نهض متوجهاً نحو الشرفة. قام بطيّ ملابس أبيه المعلّقة كانت على المشجب، بعد أن تشمّمها وقبّلها، ثم وضعها في الدولاب في الغرفة الخلفية. عاد، تناول السجادة، ثم قام بوضعها على الأرض في الغرفة الخلفية، في اتجاه القبلة.
خرج إلى الفناء، متوجهاً نحو ممر ضيق خلف قنّ الدجاج، جلب من هناك معولاً، وتوجه نحو شجرة السرو.. أخذ يقوم بتقليب التربة في حوضها المهمل منذ غياب أبيه .. ثم توجه بالكلام نحو الشجرة:
-" لقد كان أبي يحبك أيتها الشجرة!.. كان يعتني بكِ.. يسقيكِ ويطعمك"
إبتعد خطوات قليلة عن الحوض، ونظر إليها، كما لو كان ينتظر أن تجيبه..كانت كتمثال قديمٍ تعبر فوقه الطيور منذ آمادٍ سحيقة، تاركةً عليه زقّها. كان ينتظر أن تجيبه.. اقترب منها، هزّها.. فتح التمثال عيناً واحدة وأغلقها، ثم ذرف عليه بعضاً من وريقاته الذابلة.
كالگاري 11 أبريل 2026
هوامش:
1/ يُبَّا : أبي بلغة تگريت
2/ حِگي طَرُّو: اعتزاء، وهو نداء أو صيحة فخر يذكر فيها الشخص إسم جدّه أو أحد أسلافه، والعبارة هنا بلغة تگرَيِتْ، وهي لغة سامية تنتشر في إرتريا والسودان، ومعناها يتضمّن معنى مضمر وهو: أنني لا أحتاج إلى غيري في الزود عن نفسي، ومعنى صريح هو: أنني أحمي الآخرين؛ والعبارة هنا/ الاعتزاء خاص ببطنٍ من بطون قبيلة الماريا.
على الأرضية الدافئة، حبا جدّو قليلاً رغم سنواته الأربع، ريثما ينجلي له طريقه، ثم نهض.. شقّ طريقه حافياً نحو الحمّام… يعرف جدّو طريقه جيداً، ويعرف طقسه اليومي… إذ يصل، سيصعد إلى الكرسي، ويتلمّس بيده الجدار حتى يدرك الزر، سينتشر الضوء في المكان.. سيغسل وجهه أولاً، ثمّ سيتناول مسواك أبيه.. سيتذكّر في كل مرّة، ما قالته له أمه لمّا رأت إصراره على ألا ينظف أسنانه إلاّ بمسواك أبيه الغائب..
-" جدّو يا حبيبي.. هذا الجزء لك، والآخر لأبيك، حين.. حين يعود"
سوف لن ينسى طيلة حياته، دموع أمه التي تقاطرت بعد أن قالت له ذلك، وسوف لن يعرف لماذا بكت حينذاك، إلاّ بعد أعوام عجاف طويلة، عاشها كاليتيم، وسوف يبكي حينها، في كهولته، كما لم يبكِ من قبل. سيغسل يديه، ورجليه، وشعره، كيفما اتفق، في محاكاة للوضوء .. سيقصد مشجب الملابس، الذي ما تزال تُعلّق عليه بعضاً من ثياب أبيه، في الرواق الممتد على طول الشرفة، حيث كان يصلّي عادة. سيصعد بتؤدّة إلى المصطبة.. مستنداً إلى الأعمدة الخشبية التي تتخلل الشبك المعدني.. سيبلغ أعلى المشجب الذي أشبه بشجرة وحيدة تعصف بها الريح، ثم سيسحب بهدوء جلباب أبيه. سينزل، ويشرع مباشرة في ارتدائه، واقفاً على سجادة أبيه، التي كان رفضَ رفضاً قاطعاً كل محاولات أمه، وجدّته، وخاله، على تحريكها من مكانها، ووضعها في الغرفة الخلفية. سيصلّي:
-" اللاااه أبّر!.. اللااااه أبّر!"
يكمل صلاته.. يجلس على السجادة.. ينظر في الفراغ في انتظار أن يسمع صوت أبيه الجهور، أن يشمّ رائحته.. ينتظر قليلاً.. لا شيء سوى الصمت الذي يتخلله طنين البعوض في الخارج، على نحوٍ متواتر. يجذبُ الجزء العلوي من الجلباب الذي يرتديه.. يشمه، ها هي ذي رائحة أبيه.. يرفع الجزء الأمامي من السجادة يشمها.. ثم يبكي بحرقة:
-" يُبا!.. يُبا!! .. يُبا!!!!!..!" (1)
تهرع أمه نحوه حافية.. ترفعه، تضمه إلى صدرها.. تطبطب عليه، وتقرأ المعوذتين، وتتبعها بآية الكرسي، وشيئاً من سورة يس.. يهدأ جدو. يأتي مهرولاً خاله ذي العشرين ربيعاً، يأخذ الطفل الرضيع، الذي ما يزال يبتسم برفقة عصافيره الملوّنة، يحتضنه، ويستلقيان على الأريكة، كي يتسنّى لأمّه هدهدة جدّو حتى يغفو.
في الخامسة من عمره، صار جدو أكثر إلحاحاً في السؤال عن أبيه:
-" ولَيدي!.. سيعود إلينا أبوك.. قريباً.. سيعود"
تجيبه أمه في كل مرّة، والأسى ينخر روحها. يلحّ في السؤال الذي تتناسل عنه أسئلة.. لا يفهم جدو، لماذا يعود آباء أترابه من سفرهم، ولا يعود أباه!.. ولا يفهم لماذا تنتحب أمه وحيدة في ركن قصيّ من الغرفة. ولماذا قاطع خاله دراسته لكي يعمل في مطعم، يخرج مع شروق الشمس، ولا يعود إلاّ بعد الغروب، تائهاً وحزيناً يتآكله القلق.
في السادسة من عمره، اختفى خاله .. أكثرَ من التردد على مركز الشرطة في المدينة، ضاقوا به ذرعاً… قال الشرطيُّ للشرطيّ، وكان يقف بينهما، في الظلّ، صفّ طويلٌ من الوشاة، والمخبرين:
-" إنه يسأل عن صهره!"
فابتسم الشرطيّ الآخر في خبث، ثم قال شيئاً كعواء ذئب جائع، وصدرت عن الوشاة وشوشة، أخذت تتعالى تدريجياً حتى صارت كالنباح. وتقدّم الضابط نحوه، في الشمس، كما لو كان يدور حول نفسه كرصاصة، ثم رفع يده عاليةً كي يلطمه، لكن خال جدو اعتزى كما يفعل قومه، هاتفاً:
-" أنا! حِگي طَرُّو!!" (2)
أمسك بقوةٍ باليد من معصمها، قبيل ارتطامها بوجهه، وقام بفتل ذراعه خلف ظهره، ضاغطاً في ذات اللحظة، بيده الاخرى على عنقه. الشرطيان، اللذان باغتتهما المفاجأة، كما قائدهم، شهرا سلاحيهما نحوه، تبخّر صلفهم الذي كان، لوهلة، وحلت محله حيرةٌ شائكة. بصوتٍ مخنوق، خافت، كمن يحتضر، أخذ الضابط يستغيث. الخال الذي أحكم قبضته على الجسد الرخو، انبثقت في عقله، من فرجةٍ في ذروة غضبه، صورة أخته، وطفليها وجدّتهما.. فآثر التراجع، ظنّا منه كذلك، إنّ الأمر برمته لا يعدو كونه مجرد تهديد، لجعله يتوقف عن زياراته المتكررة، وعن تلك الأسئلة، لكنه كان مخطئاً؛ إذ حالما أفلته، صاح الضابط، موجهاً كلامه إلى الشرطيين، على نحوٍ احتفالي، مخادع، متناسياً إهانته:
-" يريد أن يعرف أين صهره، وأنتما تعلمان أين صهره، فلماذا لا تأخذانه إلى صهره اللعين؟!!"
أخذ جدّو يسأل عن أبيه، وعن خاله.. وتجيبه أمه، وهي تتلظّى كمداً:
-" ذهب خالك لكي يعيد أبانا .. سيعودان سوياً يا وليدي.. سيعودان سوياً.. سيعودان"
تدهورت صحته، عافَ الطعام، وانتكست مقدراته في اللغة، صار يتلعثم، ويتبوّل لا إرادياً. أخذ يبحث عن خاله داخل الغرف في الدار، وفي المطبخ، خلف بابه الخشبي الذي تراخت مفاصله، وفي جميع الأماكن التي كان يختبئ فيها إذ يلعبان الغميضة؛ خلف شجرة السرو، خلف صهريج الماء الذي صار خاوياً وماتت طحالبه، وخلف قنّ الدجاج. صار قبل الأصيل بنحو ساعة، يسير نحو شجرة السرو، التي اصفرّت أوراقها.. يلصق وجهه على جذعها، قريباً من فوج نملٍ صاعد، يغطّي عينيه، ثم يعدّ: " واحد.. اثنين.. ثلاث.. أربع".. ثمّ يتراكض بحثاً عن خاله الغائب، في كل الاتجاهات، وعلى نحوٍ نزق، مثل زنبورٍ ضلّ مسكنه، الذي عبثت به آلة هدم متوحشة.. مردداً:
-" خالي!.. خالي!؟.. أين تختبئ؟.. أين أنت يا خال؟!.. سأجدك!.. سأجدك يا خال!"
وترى جدته المشهد، وهي تقرأ أورادها جالسة على سجادتها.. يتحلزن الحزن في دواخلها، يتلوّى ويمورُ.. وترى أمه المشهد من نافذة المطبخ وهي تعدّ العشاء من القليل الذي تبقّى لهم من المؤونة؛ وتنشج.. تبكي.. تتخالط دموعها مع مخاطٍ شفّاف يرشح عن أنفها، ومع العرق الذي ينزّ عنها.. وإذ ترى ابنها يتجه نحو المطبخ، تمسح وجهها بكمّ بيجامتها.. تبتسم في وجهه، داعية الله ألاّ يخذلها تماسكها في تخاصره والإنهيار!
-" لطفك يا رب!"
تقول. ويبكي الصغير ذي العامين ونصف، إذ يحسّ صوت أخيه صوتاً كالبكاء.
في يومه الدراسي الأول، عرف جدّو الحقيقة!.. وبينما كان الحارس يغلق البوابة، التي كانت فُتحت في فسحة الفطور، انصلتَ جدو مندفعاً خارج أسوار المدرسة، راكضاً كما تركض صغار العجول نحو أمهاتها، وحين ولج من باب الدار، منادياً أمه بأعلى ما تستطيع عقيرته، خرجت إليه في منتصف الفناء. وقف قبالتها، رفع رأسه نحوها، ثم خرج صوته واضحاً وناصلاً كسوطٍ في يد جلادٍ زنيم، عميقاً عميقاً كالجرح في دواخل الضحايا التي كبّلها العجز، وغادرتها صباحاتها المطمئنّة..
-" أبويا في السجن؟؟!"
جلست على ركبتيها،على الأرض، تحت الشمس الساطعة، في مواجهته، نظرت إلى وجهه الذي احتقن:
-" أنت رجلٌ الآن.. لا تبكِ يا ولدي؛ فالرجال لا يبكون!"
قالت له أمومتها من حالقٍ في خبايا المصير. عندئذٍ مسح جدو دموعه بكم قميصه المدرسي. ثم نهض متوجهاً نحو الشرفة. قام بطيّ ملابس أبيه المعلّقة كانت على المشجب، بعد أن تشمّمها وقبّلها، ثم وضعها في الدولاب في الغرفة الخلفية. عاد، تناول السجادة، ثم قام بوضعها على الأرض في الغرفة الخلفية، في اتجاه القبلة.
خرج إلى الفناء، متوجهاً نحو ممر ضيق خلف قنّ الدجاج، جلب من هناك معولاً، وتوجه نحو شجرة السرو.. أخذ يقوم بتقليب التربة في حوضها المهمل منذ غياب أبيه .. ثم توجه بالكلام نحو الشجرة:
-" لقد كان أبي يحبك أيتها الشجرة!.. كان يعتني بكِ.. يسقيكِ ويطعمك"
إبتعد خطوات قليلة عن الحوض، ونظر إليها، كما لو كان ينتظر أن تجيبه..كانت كتمثال قديمٍ تعبر فوقه الطيور منذ آمادٍ سحيقة، تاركةً عليه زقّها. كان ينتظر أن تجيبه.. اقترب منها، هزّها.. فتح التمثال عيناً واحدة وأغلقها، ثم ذرف عليه بعضاً من وريقاته الذابلة.
كالگاري 11 أبريل 2026
هوامش:
1/ يُبَّا : أبي بلغة تگريت
2/ حِگي طَرُّو: اعتزاء، وهو نداء أو صيحة فخر يذكر فيها الشخص إسم جدّه أو أحد أسلافه، والعبارة هنا بلغة تگرَيِتْ، وهي لغة سامية تنتشر في إرتريا والسودان، ومعناها يتضمّن معنى مضمر وهو: أنني لا أحتاج إلى غيري في الزود عن نفسي، ومعنى صريح هو: أنني أحمي الآخرين؛ والعبارة هنا/ الاعتزاء خاص ببطنٍ من بطون قبيلة الماريا.