سألتني سُرى، حالما انتهيتُ من كتابة قصتها:
ما الذي تريدينه من القارئ: أن يقرأ قصصكِ أم يعيشها؟
كان سؤالها مستفزًا، واستشعرتُ غايةً أخرى تكمن خلفه، فسألتها:
ما الذي ترمين إليه؟
قالتْ مندهشة:
ألم تشعري بألمي وأنا أسرد لكِ ما جرى لي مع زوجي، بعدما طلقني وهرب بالأطفال؟
وفي نبرة تهكّم، أضافت بعد أن نفثت نفسًا من سيجارتها في الهواء:
ظننتكِ ستذرفين الدمع حالما تنتهين من الكتابة!
ردّت نوال، بطلة قصة عنوانها «لم يزل الثلج أبيض»:
قبلكِ سردتُ لها معاناتي مع أمي وزوجها المتحرش، وبدل مواساتي رمت النص في حضن القارئ وذهبت لتنام قريرة العين. الحجر يسمح للماء بالسير فوقه دون اختراقه، هذه هي كاتبتنا!
راقني وصفها، فدوّنته على ورقة أمامي.
نحن بالنسبة لها مجرد أسماء على سطور، عناوين على ورق!
هذا صوت مديحة، بطلة قصة «إشارات المرور السوداء»، التي تركت الدراسة لتبيع المناديل الورقية.
تقدمت هند، بطلة قصة درامية مثيرة أسميتها «بين محطتين» لأنها عثرت على الحب داخل قطار، وقالت:
لقد نالت عن قصة «فتاة لليل.. فتاة للنهار» التي كتبتها عني جائزة، ومع ذلك لم تفكر في إدانة الرجل الذي سرق شرفي وهرب، بل حولتني إلى غانية لا همّ لها سوى الإيقاع بالرجال. يا لها من قاسية!
أنتِ بلا قلب. جلستِ تكتبين مشهد قتلي، وتتبعين مجرى الدم وهو يسيل من رقبتي إلى نهاية الرصيف بكل برود. كم أنتِ جافة المشاعر!
هذه محاسن المغنية؛ اغتيلت على يد شقيقها بحضور والدها ومباركته. عنوان قصتها «الشرف في جيب أخي».
وددتُ إخبارها أن لي قلبًا جميلًا متفردًا.
لكن صيحات عالية، وصلت حدّ التشويش، غطّت على رغبتي تلك.
أيقنتُ أن ثمة ثورة نسوية على وشك الوقوع فوق سطح المكتب، تحديدًا بين منفضة السجائر وفنجان القهوة. صدق حدسي؛ إذ تعالت الأصوات الناعمة تطالب بمحاكمتي بتهمة برود المشاعر.
إحداهن وصفتني بالكاتبة الفاشلة!
صوت رقيق طالب الحشود الغاضبة بمنحي فرصة الدفاع عن نفسي وفقًا للقوانين الأدبية. إنها لقاء؛ انتهت قصتها نهاية سعيدة، لذلك أسميتها «نهايات فوق ضفاف القلب».
أغمضت عينيّ، وتنفسّت بعمق؛ فالانحناء وقت الزوبعة يُعدّ حكمة. قلت، وأنا متأكدة أن تبريراتي لن تروق لبعضهن:
عزيزاتي، أعرف أن قصصكن تحمل في ثناياها مآسي عظيمة، لكن...
ثم نظرت من وراء النظارة لأرى تأثير حديثي عليهن.
لكن على الكاتب أن يظل شاهدًا على الحدث، رقيبًا على الأفكار و...
قاطعتني سندس، بطلة قصة «رحلة نحو القمر»:
ما الذي تقصدينه؟
وكأن صوتها كان الحافز لأصوات أخرى انطلقت تطالب بالفهم. فاستأنفت:
الكاتب مهمته وصف مشاعر أبطاله دون الانغماس فيها. يصف الأحاسيس ولا يتورط معها، يعرض الحدث ولا يطلق الأحكام.
واصلت حديثي وأنا أرى العيون مصوّبة نحوي، متلهفة لسماع المزيد:
ظهور الكاتب مع أبطاله على السطور يعني احتضاره، يعني...
قاطعتني سعاد، التي عاشت قصة حب بعد الخمسين واخترت لها عنوان «الحب في عقده المنقطع»، وقالت وفي صوتها رنّة أسف:
كنتُ بأمسّ الحاجة لتعاطفكِ بعد الأزمة!
تجاهلت مداخلتها لأواصل حديثي:
أنا كسائق قطار يوصل المسافرين إلى وجهاتهم، بينما يده ممسكة بالمقود.
عادت بطلاتي إلى السطور ثانية، واستلقين فوقها، لكن هذه المرة بصمت.
تركتُهن في حيرة بعد إغلاق ملف العناوين، وذهبتُ إلى هناء، بطلة قصتي الجديدة، لأتناقش معها حول العنوان:
هل أختار «عشيق في الطابق الرابع»، أم «الطابق الرابع فيه عشيقة»؟
.......
ما الذي تريدينه من القارئ: أن يقرأ قصصكِ أم يعيشها؟
كان سؤالها مستفزًا، واستشعرتُ غايةً أخرى تكمن خلفه، فسألتها:
ما الذي ترمين إليه؟
قالتْ مندهشة:
ألم تشعري بألمي وأنا أسرد لكِ ما جرى لي مع زوجي، بعدما طلقني وهرب بالأطفال؟
وفي نبرة تهكّم، أضافت بعد أن نفثت نفسًا من سيجارتها في الهواء:
ظننتكِ ستذرفين الدمع حالما تنتهين من الكتابة!
ردّت نوال، بطلة قصة عنوانها «لم يزل الثلج أبيض»:
قبلكِ سردتُ لها معاناتي مع أمي وزوجها المتحرش، وبدل مواساتي رمت النص في حضن القارئ وذهبت لتنام قريرة العين. الحجر يسمح للماء بالسير فوقه دون اختراقه، هذه هي كاتبتنا!
راقني وصفها، فدوّنته على ورقة أمامي.
نحن بالنسبة لها مجرد أسماء على سطور، عناوين على ورق!
هذا صوت مديحة، بطلة قصة «إشارات المرور السوداء»، التي تركت الدراسة لتبيع المناديل الورقية.
تقدمت هند، بطلة قصة درامية مثيرة أسميتها «بين محطتين» لأنها عثرت على الحب داخل قطار، وقالت:
لقد نالت عن قصة «فتاة لليل.. فتاة للنهار» التي كتبتها عني جائزة، ومع ذلك لم تفكر في إدانة الرجل الذي سرق شرفي وهرب، بل حولتني إلى غانية لا همّ لها سوى الإيقاع بالرجال. يا لها من قاسية!
أنتِ بلا قلب. جلستِ تكتبين مشهد قتلي، وتتبعين مجرى الدم وهو يسيل من رقبتي إلى نهاية الرصيف بكل برود. كم أنتِ جافة المشاعر!
هذه محاسن المغنية؛ اغتيلت على يد شقيقها بحضور والدها ومباركته. عنوان قصتها «الشرف في جيب أخي».
وددتُ إخبارها أن لي قلبًا جميلًا متفردًا.
لكن صيحات عالية، وصلت حدّ التشويش، غطّت على رغبتي تلك.
أيقنتُ أن ثمة ثورة نسوية على وشك الوقوع فوق سطح المكتب، تحديدًا بين منفضة السجائر وفنجان القهوة. صدق حدسي؛ إذ تعالت الأصوات الناعمة تطالب بمحاكمتي بتهمة برود المشاعر.
إحداهن وصفتني بالكاتبة الفاشلة!
صوت رقيق طالب الحشود الغاضبة بمنحي فرصة الدفاع عن نفسي وفقًا للقوانين الأدبية. إنها لقاء؛ انتهت قصتها نهاية سعيدة، لذلك أسميتها «نهايات فوق ضفاف القلب».
أغمضت عينيّ، وتنفسّت بعمق؛ فالانحناء وقت الزوبعة يُعدّ حكمة. قلت، وأنا متأكدة أن تبريراتي لن تروق لبعضهن:
عزيزاتي، أعرف أن قصصكن تحمل في ثناياها مآسي عظيمة، لكن...
ثم نظرت من وراء النظارة لأرى تأثير حديثي عليهن.
لكن على الكاتب أن يظل شاهدًا على الحدث، رقيبًا على الأفكار و...
قاطعتني سندس، بطلة قصة «رحلة نحو القمر»:
ما الذي تقصدينه؟
وكأن صوتها كان الحافز لأصوات أخرى انطلقت تطالب بالفهم. فاستأنفت:
الكاتب مهمته وصف مشاعر أبطاله دون الانغماس فيها. يصف الأحاسيس ولا يتورط معها، يعرض الحدث ولا يطلق الأحكام.
واصلت حديثي وأنا أرى العيون مصوّبة نحوي، متلهفة لسماع المزيد:
ظهور الكاتب مع أبطاله على السطور يعني احتضاره، يعني...
قاطعتني سعاد، التي عاشت قصة حب بعد الخمسين واخترت لها عنوان «الحب في عقده المنقطع»، وقالت وفي صوتها رنّة أسف:
كنتُ بأمسّ الحاجة لتعاطفكِ بعد الأزمة!
تجاهلت مداخلتها لأواصل حديثي:
أنا كسائق قطار يوصل المسافرين إلى وجهاتهم، بينما يده ممسكة بالمقود.
عادت بطلاتي إلى السطور ثانية، واستلقين فوقها، لكن هذه المرة بصمت.
تركتُهن في حيرة بعد إغلاق ملف العناوين، وذهبتُ إلى هناء، بطلة قصتي الجديدة، لأتناقش معها حول العنوان:
هل أختار «عشيق في الطابق الرابع»، أم «الطابق الرابع فيه عشيقة»؟
.......