لا نجيدُ المراثي كما يجبُ،
وحينَ نحاولُ تقليدَ آباءنا السومريين
يجفلُ فينا الرثاءُ
ويكبرُ في أوراقنا النَصبُ.
أوَ نحنُ الذين وُلدنا من الماءِ والطينِ
ثمّ ابتعدنا عن الجرفِ خمسينَ عاماً؟
الذين نمدّدُ أرجلَنا أكثرَ مما يطيقُ غطاءُ الوطن؟
لماذا نعودُ الى بلدةٍ أجهشت بالغبارِ
وما زالَ فيها قوانينُ...
أيها البحرُ يا صاحبي
يحاصركُ المدُّ والجَزرُ
ولا تستطيعُ الخلاص من القمرِ الأجنبيّ.
فكن مرّةً هائجاً
وكن مرّةً هادئاً.
أيها البحرُ لا نريدُ سوى أن تكونَ مجالاً لاتساعِ الرؤى،
فالسماءُ لها لونها الخاص
والشوارعُ فيها حدائقُ مسحورةٌ ..
ومتسعٌ للخلاص.
ونحنُ على أولِ الصيفِ
مثلَ فَراشٍ يمزّقُ فستانَ...
أكتبُ ما أريدُ.
فلستُ شاعراً يخافُ أن يطالَهُ القانون
ولا نبيّاً طاهراً يخافُ أن يُقالَ أنهُ مجنون،
لأنني أريدُ أن أكتبَ ما أريدُ،
أكتبُ ما أريدُ.
لا ما يريدهُ الأستاذُ في محاضراتِ بعدَ الظهرِ …
والسيدُ المديرْ.
ولا يهمني رأيّ صديقي الشاعرِ القديرْ،
وهيئة التحريرْ.
ولا يخيفني صوتُ إمامِ الجامعِ...
تمّهلْ إذا صادفتكَ الحياةُ
وأنتَ على جسرِها تفكّر بالاحتمالاتِ.
بعضُ ما تشتَهي ممكنٌ
ولكنهُ لا يكونَ سوى قطرةً ساقَها طائرٌ نزقٌ،
تأتي مبكرةً أو بعد جيلينِ من وقتِها.
وبعضٌ يدّقُ على بابِ روحكَ،
يُزعجهُ الانتظارُ فيمضي
ويتركُ عطراً ..
يُذّكرَ حتى هزيع الوجودِ الأخيرِ
بأنكَ كنتَ تنامُ على ساعدِ...
السماءُ التي نزلتْ لترتاحَ بين ذراعايَّ
أهيَّ ذاتَ السماءِ التي أرسلتْ وحيَّها للنبيينَ؟
إذنْ كنتُ سأوقظُ بعضاً من الأنبياءِ
وأخبرُهم أنّ التوّسطَ بين السماءِ وبين البشرْ
لم يعدْ مُمكناً،
وأني احتكرتُ طريقَ الصعودِ الى قابَ قوسينِ
وشربتُ من الفجرِ سُورتَهُ
ومن آل عمرانَ باقي السُوَرْ.
السماءُ...
لو كنتِ تُنصتينَ لي ..
لما تأخّرَ الربيعُ عن مَوعدهِ
وغابت النجومُ في لقائِنا المُؤجلِ
وما أنتهى حبٌّ بَسيطٌ رائعٌ
وما ذَوى تحتَ غُصونِ التينِ والسفرجلِ.
لو كنتِ تُنصتينَ يا صَديقتي
لهاجرتْ طيورُ عينيكِ الى حَديقتي
وغيّرَ الزمانُ من فُصولهِ
ورتَّبَ الدُنيا على طريقَتي.
لو كنتِ تُنصتينَ يا...
أمامَ المرايا وقارورةُ العطرِ تسألني:
- تأخرّتْ اليوم،
ألم تتصّل بعدُ؟
أما كتبتْ إنّها اليومَ مشغولةٌ؟
أو أنّ الزحامَ يؤخرها؟
أو ربما نزلتْ من بيتِها والتقتْ – مثلًا – بصديقتِها
ودارت عليها فصولُ الحكاياتِ والذكرياتِ
ولم تنتبّه لقطارِ المساءِ الذي فاتَها؟
ليس عادتها أن تؤجلَ موعدَها - فجأةً -...
بغتةً يفتحُ الشهداءُ توابيتهم..
يفلتون من الغيبِ بعد انتهاءِ الطريقِ.
يطلبون قليلاً من الماءِ.. سيجارةً..
حبة الأسبرينِ التي ستداوي صداع الهدوء العميق.
* * *
سنيناً وليس لهم غير صمت النهاياتِ في زحمةِ الأرض،
ثمّ لا يذكرون سوى آخرَ الطعناتِ.. آخر الصفعات
آخر الطلقات.
يعيشونها كلّ يومٍ على وقعِ...
(الى شهداء ثورة تشرين 2019 العراقية .. غابة الورد التي أزهرت بأرواحكم مازالت نديّة)
كان على الشهداء الذين رحلوا أن يمرّوا من البوابة التي تؤدي الى الأسبوع التالي من ثورتهم.
لكنهم – دونما قصد – تجمعوّا واحداً بعد الآخر في ملفٍ لا يتسّع إلا لعشرين ميغابايت.
تنقلوا من صفحات تتزين بصورهم وأسماءهم،...
لو كنتُ أذكى منَ اللهِ
لاكتفيتُ ببُعدينِ إثنينِ:
أنتِ وأنِت التي ستكونينَ بعد دقائقْ.
لو كنتِ أذكى منَ اللهِ
لأخترتِ وقتَ المساءِ
لكي تخلقيني - على مَهلٍ - كما ترغبين.
لو كانَ هذا الزمانُ النهائيُّ أذكى منَ اللهِ
كان تحوّلَ في لحظةٍ لا نهائيةٍ
الى صخرةٍ تَعبنا ونُمنا عليها
ولا نفترقْ الى أبدِ...