سمير لوبه

في قلب حي قديم، تضج فيه الأزقة بروح الزمن الراحل، تتمايل الظلال في ساعات الغروب، تجلس أمل ذات السبعة أعوام على الرصيف المبلل، تعتصر بين يديها حذاءً ممزقاً، الحذاء ذو لون أزرق باهت، قديم ممزق من هنا وهناك، دخلت إلى دكان الإسكافي، يملأ المكان عبق الجلد ممزوج برائحة التعب، وقفت أمل أمام الإسكافي،...
طريق ترعة المحمودية، عربات النقل الكاميون تمر عليه ليل نهار، تلتحم بذاكرة الإسكندرية، على جانب الطريق، وبالتحديد عند سور حديقة النزهة الصامت نبتت عِشّة أم صابر من الطين، لا يعرف أحد متى ظهرت أم صابر، كما لا أحد يعرف متى وُلِد صابر، ذلك الفتى الأسمر النحيف الذي يناديها باسمها، وتُناديه كما يُنادي...
لم يكن شارع الجواهر بحي الحضرة في الإسكندرية، قرب كوبري الإبراهيمية، بحاجة إلى لوحة إعلانية كي تدل المارين على قهوة الدمرداش التي تتوسطه، يكفي أن يتسلل إلى أنفك عبق الشاي المغلي على مهل فوق كانون الفحم، فينقاد إليها قلبك قبل قدميك، الدمرداش لم تكن مقهى إنما مرسى الأرواح المتعبة، وواحة شعبية...
يطلق الشتاء زفيره على الإسكندرية، ترتجف الأرصفة، تنكمش الشرفات في معاطفها الحديدية، وتتكوّر القطط قرب عتبات البيوت. صباحٌ ملبدٌ بسحبٍ رماديةٍ ، يخرج "عزيز" إلى البحر كعادته كلما ضاقت به الأرض، يرتدى معطف أبيه القديم، ذي الأزرار الخشبية الداكنة، يدير ياقته الصوف إلى الأعلى، رصيف الشاطئ خالٍ إلا...
في صباحٍ من صباحات إسكندرية مطلع القرن العشرين، والشمس تُطل بخجل من فوق البحر وتنسكب على الواجهات الإيطالية بشُرفاتها الحديدية المزخرفة، حي العطارين يعزف سيمفونية كتبها قلب المدينة. في الطابق الثاني من بيت عتيق، متآكل الأطراف، عظيم الجوهر، اجتمعت الحكاية. في هذا البيت، يسكن سليم أفندي المصري،...
طريق ترعة المحمودية، عربات النقل الكاميون تمر عليه ليل نهار، تلتحم بذاكرة الإسكندرية، على جانب الطريق، وبالتحديد عند سور حديقة النزهة الصامت نبتت عِشّة أم صابر من الطين، لا يعرف أحد متى ظهرت أم صابر، كما لا أحد يعرف متى وُلِد صابر، ذلك الفتى الأسمر النحيف الذي يناديها باسمها، وتُناديه كما يُنادي...
مع أمواج تتكسر على الصخور الكبيرة التي تحيط بالشاطئ، تأتي رياح محملة برائحة البحر تدفعها إلى أنفاس السائرين على الرمال، على شاطئ ذلك البحر يسكن جدي الصياد ، في مدينة تحتضن البحر بين ذراعيها، تحتفل بقدومه وتودعه في كل يوم ، جدي ذلك الصياد العتيق واحد من الصيادين الذين يجلسون في المساء على رمال...
في ظلمة تمحو ملامح المكان ، كتلة بشرية سوداء قابعة في كرسي ، تحاول العينان منها فك شفرة العتمة فيزول العمى ، في مكتبه بين كتبه الموسومة بعناوين شتى ، لم ينس سعيد هنداوي أول شعور بالغرور العذب يسري في دمه ؛ إذ يرى اسمه مطبوعا على غلاف ورقي بائس ، بالنسبة إليه كانت المرة الأولى في يوم بعيد...
في صباح مثل تلك الأصباح التي يستبدل فضاؤها بنباح الليل شقشقة النهار، من نومه ينهض خميس ، لم نكن في حاجة الآن لذكر اسمه لكن على كل حال كان على خميس بسيوني أن يغادر ضيق شقته المبعثرة سريعا، في الحارة الناعسة تسابق خطاه المسافات فبلوغه الشارع الرئيس يستغرق ربع الساعة سيرا على الأقدام عبر الحارات...
بينما أسعى بحثا عن ضالتي تغمرني تلك الذكرى تسيطر علي سيطرة تامة لا تتوقف عن ملاحقتي ، تحاصرني في صحوي وفي منامي ، شيء ما يزج بها في رأسي فتبدأ في الدوران حولي ، لا أعرف أهي ذكرى جديدة أم قديمة ، يبدو أنها جديدة وقديمة في آن واحد ، صارت أقرب من الواقع ولا يمكنني تجاوزها ، علي أن أجاريها ربما...
مع نهايات الخريف تعيث الرياح في الآفاق ؛ تلقي بأوراقها الأشجار ، تبلل دموع الغيم الطرقات في مدينته الساحلية التي كانت مثل اللوحات الفنية كلما نظر إليها تزداد جمالا في كل مرة فتحمل لوجدانه سيمفونية عشق ، على شطآن الذكريات لا يخط سوى اسمها على الرمال فتمحوه الأمواج وما بيديه حيلة ، كلما...
(1) بعد أن التهم الزمن فصول عمره الأربعة في سفره الطويل بين موانئ العالم ، يقرر البحار العجوز للمرة الأولى أن يغادر السفينة ينظر إلى البحر يستنشق هواءه بقوة كان اليوم شديد البرودة ، فلا يُسمع سوى دوي الرياح ، مع الغروب يخرج من الميناء يبحث في الجوار عن حانة قريبة يسهل منها الرجوع للميناء ، ها...
جاءه الموعد السنوي المعتاد فالورقة تحمل ذات الرقم السنوي مع اختلاف السنة فاليوم الرابع عشر من مايو، يتكئ " عدنان " على وحدته شاردا في لا أحد ، على كتفه الحطة الفلسطينية في إحدى يديه العقال ، يسير بخياله على جانب سكة حديد ممتدة على قضبان شامخة تتحدى الزمن لتقول للجميع : - كنا هنا ذات يوم...
في البيتِ الحزينِ . يجلسُ على الأرضِ واضعًا راحتيه على فخذيه. يطوحُ رأسَه يمنة ويسرة مبتسمًا . تعلو ضحكتُه عاليةً كلَّما سمع صوتَ القطارِ الذي يمرُّ من المحطةِ التي يطلُّ عليها بيتُهم . تنظرُ إليه أمُه في أسى ؛ فلمْ يعدْ الآنَ ذلك الجسدُ الصغيرُ الذي كانت تحملُه . صار اليومَ رجلاً لكن لا تتعدى...
ما أن عثر الجندي بوشار على حجر جديد حتى أسرع به ليفك شامبليون رموزه ، حجر آخر وُسِمَ بنقوشٍ لم تمحها نيران الزمن ، يعكف عليه شامبليون يسجل في أوراقه ما نطق به الحجر : فزع الصغير من نومه على صراخ أمه وهي تلتقفه وتحضنه وتجري به مسرعة في الحقول بين نساء وأطفال ، الكل يعدو بعيدا ، ورجال...

هذا الملف

نصوص
34
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى