سمير لوبه - عشة أم صابر...

طريق ترعة المحمودية، عربات النقل الكاميون تمر عليه ليل نهار، تلتحم بذاكرة الإسكندرية، على جانب الطريق، وبالتحديد عند سور حديقة النزهة الصامت نبتت عِشّة أم صابر من الطين، لا يعرف أحد متى ظهرت أم صابر، كما لا أحد يعرف متى وُلِد صابر، ذلك الفتى الأسمر النحيف الذي يناديها باسمها، وتُناديه كما يُنادي الباعة في السوق زبائنهم دون مودةٍ زائدةٍ ولا جفاء ظاهر:
- ولَّا يا صابر هات البراد، وصب للمعلم شاي، وجوزة هناك للأسطى سيد .
عِشَّة أم صابر ليست قهوة بالمعنى المعروف، أربعة أعمدةٍ خشبيةٍ، وجدرانٌ من خوصٍ مجدولٍ بالحبال، وسقفٌ منخفضٌ من صفيحٍ صدئ، تغني كل مساءٍ مع ريح المحمودية أنغامًا من راديو صغيرٍ مربوطٍ بحبلٍ في مسمارٍ على أحد الأعمدة، الدكك الخشبية على الجانبين، بعضها مائلٌ، وبعضها يغوص في الأرض الترابية إذا جلس عليه أحد السائقين الضخام، الموقد الحجري يلتهم الفحم ببطءٍ ويملأ المكان برائحة الشاي الحِبر، بينما ينبعث من الجوزة دخانٌ أزرق، السحر الحقيقي ليس في الخوص أو الدكك أو الجوزة إنما في أم صابر، امرأةٌ أربعينيةٌ، فارعة القوام، تغطي شعرها بإيشاربٍ مزركشٍ، ترتدي دومًا جلابيةً داكنةً تضج برائحة الدخان ، عيناها حادتان، تجذب الرجال تحرك غرائزهم، عشتها محطة كل سائقي النقل القادمين من الأرياف في طريقهم بالفاكهة إلى الوكالة "سوق الجملة"، يشربون الشاي الثقيل من يدها، يدخنون الجوزة، يلتقون بسماسرة الوكالة ، وتتم صفقات البيع، ولأم صابر الحلاوة، كان لوكالة الحضرة كواليس لا تُعرف إلا من خلال أم صابر، تزدحم عشة أم صابر برجالٍ يظهرون يومًا واحدًا في الشهر، يتبعون عمال الشركات ساعة خروجهم؛ يركبون خلفهم تورماي النزهة، وكل من فقد من العمال محفظته في ذاك اليوم يأتي لأم صابر، وفي اليوم التالي يسترد محفظته لكن بنصف الراتب، يشكرون لها صنيعها مرغمين، بدلالٍ وعينٍ حادة:
- فين حلاوتي؟
صابر، صبي في الخامسة عشرة، دائم الانحناء، يهرول حافي القدمين بين الزبائن، صامتٌ معظم الوقت، لم يره أحدٌ يضحك، ولا رآه حتى يبكي، وذات صباحٍ، مرَّت سيارات النقل، تباطأت أمام العشة، ولم تظهر أم صابر، العشة خاليةٌ صامتةٌ، إلا من رمادٍ باردٍ في الموقد، ولأيامٍ طويلةٍ بعدها، ظلَّ سائقو الكاميون يمرون، يبطئون عند العشة، ينظرون إلى بقاياها المتهدمة، ثم يواصلون السير، أمَّا صابر، فقد رآه أحد السائقين بعد شهورٍ في إشارة شارع بورسعيد، يمسح واجهات السيارات بفوطةٍ صفراءٍ رثة، لا يعرفه أحد، أو يعرف إلى أين مضت أمه، إن كانت حقًا أمّه، في المدينة تختفي الأماكن كما تختفي الأشخاص، وعشة أم صابر تلك البقعة الصغيرة من الدخان والأسرار، لم تكن سوى سطرٍ محاه الزمن كما يمحو الموج أثرًا خُطَّ على الرمال.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى