سمير لوبه - نوارس العاشقين...

يطلق الشتاء زفيره على الإسكندرية، ترتجف الأرصفة، تنكمش الشرفات في معاطفها الحديدية، وتتكوّر القطط قرب عتبات البيوت.
صباحٌ ملبدٌ بسحبٍ رماديةٍ ، يخرج "عزيز" إلى البحر كعادته كلما ضاقت به الأرض، يرتدى معطف أبيه القديم، ذي الأزرار الخشبية الداكنة، يدير ياقته الصوف إلى الأعلى، رصيف الشاطئ خالٍ إلا من عجائزَ لا يهابون البرد، وامرأةٍ تجلس على مقعدٍ خشبي مبللٍ، تنظر إلى الأمواج بعينين جامدتين.
عزيز لا يرى أحدًا، ينظر إلى النوارس تخرج من أحشاء السماء الرمادية، تنقض على الماء بأجنحةٍ حادةٍ، لترتفع بخفة من يعرف وجهته، عشرات، بل مئات منها، تصرخ، تحوم، تتمايل في الهواء كأوراق بيضاء تبحث عن قصة تليق بها، يتأملها عزيز، يعود إلى تلك الليلة منذ ثلاث سنواتٍ، حين تركته "إلهام" عند الميناء، ورحلت في سفينة لا يعرف وجهتها، قالت وهي تبتسم رغم دموعها:
- حين ترى النوارس تطير في دوائر، اعلم أنني أقترب.
سخر يومها وضحك من كلماتها، لكنه ظل يرددها كل شتاءٍ وهو يقف عند كورنيش البحر ينتظر دوائر النوارس التي لا تظهر، فالنوارس تصرُّ على أن تأخذ خطًا مستقيمًا، تسخر من انتظاره، أما اليوم بدت مختلفة؛ ترقص كلها حول نقطةٍ خفيةٍ في الأفق؛ اقترب، تعصف الرياح بمعطفه حتى كاد ينخلع، الموج يصفع الصخور، يرشُّ وجهه بردًا وملحًا، لم يتحرك له ساكن، وعند أول نقطة التقاء بين السماء والماء ظهرت سفينةٌ داكنةٌ انسلَّت من عدم، اقتربت، تزداد النوارس صخبًا، تحيط بها لا يعرف أترحب بها أم تحذرها.
قلبه يدق بقوةٍ، بدأ يتقدم، يتخطى الحاجز، ويهبط إلى الصخور، يشعر أن شيئًا هناك عليه أن يراه.
على أحد الصخور وجدها، امرأةٌ بثوب طويلٍ، وشالٍ أبيضَ يرفرف خلفها كجناحي نورس، التفتت إليه فجأةً، تجمد في مكانه، إنها إلهام، نطقها قلبه لا لسانه.
وجهها شاحبٌ، تقدمت نحوه وقفت قبالته، مدَّت يدها همست:
- هل فعلا ما زلت تنتظرني؟!
لم يجب، يريد أن يصرخ، اختنق صوته بشيءٍ أعمقَ من الغصة.
قالت بدموعٍ باردةٍ:
- أردت أن أعود، والنوارس لم ترشدني إلا اليوم.
استدارت، وعلى حافة الماء، دارت فوقها النوارس في جنونٍ، وارتفعت، ثم اندفعت حتى اختفت في قلب السماء.
أما إلهام، ذابت في الضباب.
لم يغادر عزيز الشاطئ، جلس على ذات الصخرة، ينظر إلى البعيد، لا يسمع سوى عواء الريح، وصوت الموج يتكسر على الصخور، في الصباح وجدته فرق الإنقاذ، وابتسامة على وجهه، ويده ممدودةٌ إلى البحر.
مرت السنوات، والحكاية ترددها العجائز، فالنوارس تبحث عن عاشقٍ تحمله معها.
وفي كل شتاءٍ، حين تهب النوة، تحلق النوارس في دوائر، يهمس الصيادون عند البحر:
- جاءت تبحث عن عاشقٍ.
يضحكون بصوتٍ خافتٍ، بينما يحمل البحر حكايةً أخرى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى