مجيدة محمدي

هذا المساء أيضًا، لا أشبهني. كأنّني نسخةٌ مؤجَّلة ، من ذاتي، لم تُستكمل طباعتها بعد. القلق يمدّ قدميه في رأسي، يجلس بلا استئذان، يقلب ذكرياتي كما تُقلب رسائل لم نعد نجرؤ على قراءتها. شيءٌ خفيّ ، يخنق يضغط ، على روحي ... قلبي مغلقٌ للصيانة، وعقلي ، يعمل بنظام الطوارئ، يطفئ الأسئلة الكبيرة...
فنجانُ قهوةٍ يقاومُ ارتعاشَ الصباح، دفءٌ داكن يتسلّلُ إلى الأصابع ويُقنعُ القلبَ أنّ العالمَ لم ينتهِ بعد. أغنيةٌ قديمة تخرجُ من شرخِ الزمن، و تستوطن قلوبنا دون أن تسألَ عن أسمائنا، تعرفُ وجعَنا وتكتفي بأن تُربّتَ على الصمت. نستعيدُ معها أصواتًا كنّاها، ووجوهًا عبرت كغمامةٍ خفيفة ولم تعُد...
تندرج رواية «صرخة الرفض» للكاتب الجزائري مختار سعيدي ضمن المتن السردي العربي الذي جعل من التجربة الإنسانية المأزومة محورًا بنيويًا وجماليًا، حيث لا تُقرأ الرواية بوصفها حكايةً عن فردٍ معزول فحسب، بل بوصفها تشريحًا دقيقًا لآليات الرفض التي ينتجها المجتمع ويعيد ضخّها في وعي الفرد حتى تتحوّل إلى...
إحتمالٌ، أنْ يكونَ العالمُ مسودةً أُهمِلَتْ على طاولةِ الغيب، وأننا هوامشُها المرتعشة نحاولُ إقناعَ المعنى بالبقاء. إحتمالٌ، أنْ تستيقظَ الأشياءُ قبلنا، أنْ تفهمَ الكراسي ثِقَلَ الانتظار، وأنْ تحفظَ الجدرانُ أسماءَ الذين مرّوا ولم يعودوا. إحتمالٌ، أنْ يكونَ القلبُ خطأً جميلاً في الحساب، وأنَّ...
يا من تُقَلِّمون ظلَّ السيّاب بمقصّ السخرية، وتحسبون الشعرَ أُذُنًا تُقاس، ألا تعلمون أن الحرفَ ولد و ترعرع في فمه؟ وأن الكلمةَ تعلّمتْ كيف تصغي للعالم من اتّساعِ روحه؟ " في انشودة المطر " تعيبون خلقةً نَفَخَ اللهُ فيها من سرِّه، وتنسون أن الجمال ليس مرآةً مصقولة، بالطول و العرض بل ارتجافُ...
الذّاتُ الهاربةُ إلى الأمام… أيَّ وجعٍ تحمل؟ تحملُ ثِقَلَ البداياتِ التي لم تُمنَحْ وقتَها، وجعَ القراراتِ التي وُلِدَتْ قبل أن تنضجَ الشجاعة، وصدى خطواتٍ عادتْ من منتصفِ الحلم خائبةً. تحملُ ذاكرةً تعضُّ من الداخل، تفتحُ دفاترَها فجأةً في أماكنَ لا تسمحُ بالبكاءِ، وتُجيدُ اختيارَ أكثرِ...
ملخّص البحث تتناول هذه الدراسة رواية «أسطورة سنجابي» للكاتبة تركية لوصيف بوصفها نصًا سرديًا يتجاوز تصنيفه الظاهري ضمن أدب الأطفال واليافعين، ليؤسّس خطابًا رمزيًا مركّبًا يستند إلى البنية الأسطورية العالمية، وبخاصة نموذج «رحلة البطل» كما نظّر له جوزيف كامبل، مع إعادة صياغته داخل أفق ثقافي عربي...
لي عادةٌ تشبهُ صلاةً سرّيةً أؤدّيها حين يثقلُ الليلُ على نوافذِ الروح. أجمعُ بقايا الشموع ، التي بكتْ حتى القاع، أصابعَها المبتورة، أعمارَها القصيرةَ التي انطفأتْ قبل أن تُكملَ معنى الضوء أضعُها في إناءٍ زجاجي ساخن ، أتركُها تذوبُ كما تذوبُ القناعاتُ القديمة حين نكفّ عن الدفاعِ عنها. أصبُّ...
اليومَ ، سأمارس حقي في الكسل، كاستعادةٍ بطيئةٍ لملكيّة الروح ، سأجلسُ حيثُ لا ساعةَ تُحدِّق في معصمي ، ولا قائمةَ واجباتٍ تجرّني من ياقة الصباح. سأدعُ الوقتَ يتثاءبُ مثلي ، ويُسقِطُ عن كتفيه معطفَ الاستعجال . سأمارسُ الكسلَ كمن يُصلّي بلا كلمات ، كمن يُصغي لنبضه ، وهو يتراقص من جديد . سأتركُ...
أتتذكّرونها؟ كانت إذا مرّت الريحُ بين ضفيرتَيها انفتحَ الطريقُ لضحكةٍ خفيفةٍ ، تُشبهُ ترنيمةَ غيمةٍ صغيرة ، هاربةٍ من عناءِ السماء. كانت تركضُ… لتعلّم الفراشات طريق النجاة ، وتطارد العصافير، لتتأكد أن في الكونِ قلبًا آخرَ ، يستطيع أن يطير ... وإذا سَقطت ، تنصت للدرسَ الأول ، من التراب ، أن...
في جوفِ الأرضِ ثمةُ مملكةٌ تُخطِّطُ لِمَا فوقها، نملٌ صغيرٌ يخبّئُ أسرارَ الطين ويُرمّمُ فوضى الحقول بحكمةٍ لا يفهمها إلّا من جَرَّبَ أن يُنصِتَ إلى خشخشةِ الوجود حين يَحْتَكُّ بجلدِهِ. أفكّر ، هل نحنُ مثلهم ، نحملُ أثقالَ أرواحِنا إلى جُحورٍ ضيّقةٍ صنعناها بأيدينا؟ هل نمشي في السطرِ نفسه الذي...
في حقل أخضر فسيح، كنتُ أركض كأن الأرض تُفتح لي طريقًا من ضوء. جدائلي الشقراء تتطاير خلفي مثل أثرٍ من موسيقى، وذراعاي تمتدان كجناحين طليقين، يصافحان الهواء ويستدرجان النسيم إلى لعبة سرّية. كان فستاني الصغير، المُزهر كحديقةٍ مصغّرة، يرتفع بخفّة كلما قفزتُ، كأنه هو الآخر يريد أن يطير. لم أكن أعرف...
لا أدري كيف صعدت "لُوبانيّةُ" الطفولة من قاع النسيان... حلوى مطاطيّةٌ بيضاءُ كانت تتدلّى من أصابع البائع المتجوّل مثل خيطٍ من نورٍ يُساقط على أفواهنا ابتسامةَ الكون الأولى. كنتُ أقفُ أمام المدرسة وأرى العالمَ يُطوى في تلك القطعة الناعمة، قطعةٍ تلمعُ كروحٍ لم تُمسّ بعدُ بخدوش الحياة. واليوم،...
يستيقظُ الظلُّ قبلي، يمتدُّ على الجدارِ كما لو كانَ يبحثُ عن وجه جديدٍ. يلمسُني ببرودةِ مَنْ تَعلَّمَ الفقدَ باكرًا، ثمّ يسألُني ، هل أنتَ أنا؟ أم أنا الحقيقةُ التي سقطتْ منك؟ يمشي في الأزقّةِ، يحملُ اسمي، متجاهلا الجميع ، يرتدي ملامحي كعباءةٍ ضاقتْ عليه، ويتركني أُعيدُ تعريفَ نفسي كلَّ صباح...
اللغةُ تهتزُّ بين أصابعي، كما لو أنّها طفل عنيد ، تتشظّى في فمي قبل أن أتمكّنَ من جمعها، تتعثرُ في مساماتي، تسقطُ في أزقّة الروح، تحاول أن تُغطّيَ صخبَ العدمِ، لكنَّها لا تفي، لا تفي بمقدارِ صراخِ الزمن. أمزقُ الحروفَ كأوراقٍ قديمةٍ، أجمعُها على شكلِ قميصٍ لم يعد يدفئ، يغدو قلبي عارياً أمامَ...

هذا الملف

نصوص
104
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى