أتتذكّرونها؟
كانت إذا مرّت الريحُ بين ضفيرتَيها
انفتحَ الطريقُ لضحكةٍ خفيفةٍ ،
تُشبهُ ترنيمةَ غيمةٍ صغيرة ،
هاربةٍ من عناءِ السماء.
كانت تركضُ…
لتعلّم الفراشات طريق النجاة ،
وتطارد العصافير، لتتأكد
أن في الكونِ قلبًا آخرَ ،
يستطيع أن يطير ...
وإذا سَقطت ،
تنصت للدرسَ الأول ، من التراب ،
أن...
في جوفِ الأرضِ
ثمةُ مملكةٌ تُخطِّطُ لِمَا فوقها،
نملٌ صغيرٌ
يخبّئُ أسرارَ الطين
ويُرمّمُ فوضى الحقول
بحكمةٍ لا يفهمها
إلّا من جَرَّبَ أن يُنصِتَ
إلى خشخشةِ الوجود
حين يَحْتَكُّ بجلدِهِ.
أفكّر ،
هل نحنُ مثلهم ،
نحملُ أثقالَ أرواحِنا
إلى جُحورٍ ضيّقةٍ
صنعناها بأيدينا؟
هل نمشي في السطرِ نفسه
الذي...
في حقل أخضر فسيح، كنتُ أركض كأن الأرض تُفتح لي طريقًا من ضوء. جدائلي الشقراء تتطاير خلفي مثل أثرٍ من موسيقى، وذراعاي تمتدان كجناحين طليقين، يصافحان الهواء ويستدرجان النسيم إلى لعبة سرّية. كان فستاني الصغير، المُزهر كحديقةٍ مصغّرة، يرتفع بخفّة كلما قفزتُ، كأنه هو الآخر يريد أن يطير.
لم أكن أعرف...
لا أدري كيف صعدت "لُوبانيّةُ" الطفولة
من قاع النسيان...
حلوى مطاطيّةٌ بيضاءُ
كانت تتدلّى من أصابع البائع المتجوّل
مثل خيطٍ من نورٍ
يُساقط على أفواهنا
ابتسامةَ الكون الأولى.
كنتُ أقفُ أمام المدرسة
وأرى العالمَ يُطوى
في تلك القطعة الناعمة،
قطعةٍ تلمعُ كروحٍ
لم تُمسّ بعدُ
بخدوش الحياة.
واليوم،...
يستيقظُ الظلُّ قبلي،
يمتدُّ على الجدارِ
كما لو كانَ يبحثُ عن وجه جديدٍ.
يلمسُني ببرودةِ مَنْ تَعلَّمَ الفقدَ باكرًا،
ثمّ يسألُني ،
هل أنتَ أنا؟
أم أنا الحقيقةُ التي سقطتْ منك؟
يمشي في الأزقّةِ،
يحملُ اسمي،
متجاهلا الجميع ،
يرتدي ملامحي كعباءةٍ ضاقتْ عليه،
ويتركني أُعيدُ تعريفَ نفسي كلَّ صباح...
اللغةُ تهتزُّ بين أصابعي،
كما لو أنّها طفل عنيد ،
تتشظّى في فمي قبل أن أتمكّنَ من جمعها،
تتعثرُ في مساماتي،
تسقطُ في أزقّة الروح،
تحاول أن تُغطّيَ صخبَ العدمِ،
لكنَّها لا تفي،
لا تفي بمقدارِ صراخِ الزمن.
أمزقُ الحروفَ كأوراقٍ قديمةٍ،
أجمعُها على شكلِ قميصٍ لم يعد يدفئ،
يغدو قلبي عارياً أمامَ...
نظرية العصب والدم: نحو نقد إنسانيّ جديد للأدب...
بحث في الإنسان بين البنية الدلالة
تطبيق عملي على مفهوم الشعرية المعاصرة،
هرطقة | للشاعرة التونسية مجيدة محمدي
-------------------------------------------------------
توطئة
القيمة الأدبية، مثلها مثل القيمة المادية، ليست مطلقة بل مقرونة بالسياق...
- عن الأرواح التي تلتقي كل مساء لتشرب قهوتها دون أن تتذكر من تكون —
| مجيدة محمدي
أنا لا أذهبُ إلى المقهى لأشربَ القهوة،
بل لأنتظرَ وجهي يعودُ من الغياب.
في مقهى النسيان رقمَ ثلاثةَ عشر،
تجلسُ الأرواحُ حولَ الموائدِ مثلَ جملٍ ناقصةٍ،
تبحثُ عن فعلٍ مفقودٍ،
عن معنى مؤجَّلٍ منذ آخرِ حياة...
أنا موهوبةٌ جدًا في رسمِ الحدود… لأنّي أُدرك أنّ الجمالَ لا يُقيمُ إلّا في مساحةِ الاحترام.
أضعُ بيني وبينك وردةً،لا لِتُغريكَ بعبيرها، بل لتقول لك بلُطفٍ خفيّ ،
هنا تنتهي خُطاك، وهنا تبدأ نَبضاتي.
وربّما أضعُ كلمةً مهذّبة، دافئةً، أنيقةَ الوقع، تُشبهُ السلام حين يمرُّ على القلب بلا ضجيج.
أو...
خَطَرَتْ ببالي فكرةٌ مجنونة،
تسلّلت من خيوط المصلِ ... المتشابكة
لِمَ لا تتخلّى عن هذا الجسدِ المتخشّبِ كجدارِ صمتٍ قديم،
وتنضمّ إلى السّربِ؟
سِربُ الفراشاتِ لا يشيخُ،
ولا يُوقِظُهُ وجعُ المفاصلِ،
ولا يسألهُ أحدٌ عن بطاقةِ الصِّحّةِ،
و لا اوراق التأمين ..
لِمَ لا تَتَخارج من لحمِكَ المريضِ،...
يُعَدّ العصر الجاهلي من أبرز الحقب التي يتأسس عليها الوعي الأدبي العربي، إذ شكّل الشعر فيه المرآة الأصدق لحياة العرب، قيمهم، حروبهم، وعلاقاتهم الاجتماعية. وفي خضم هذه البنية الأبوية التي يسيطر عليها الرجال، برز صوت المرأة الشاعرة ليكشف عن حضورٍ لا يُستهان به، على الرغم من العوائق التي أحاطت به...
هيَ الأرضُ... مِهبٌّ للرُّكودِ،
تدورُ كما يدورُ الحَجَرُ في فمِ النّهرِ،
تتآكلُ أطرافُها
من شدّةِ ما تُعيدُ ذاتَها إلى ذاتِها.
كيفَ تجذبُ وقتَكَ إذًا،
من بين أنيابِ الغياب؟
كيفَ تُحرّكُ واقعًا
تحجّرَ من فرطِ الحذر؟
الجبالُ تتهامسُ ساخرَةً ، من رامَ القمّةَ،
يُصلبُ على سلّمٍ من هباء .
ثمّةَ في...
عُدتُّ يا غزّة،
وفي يدي مفاتيحي العتيقة ،
وفي صدري أنينُ بيتٍ لم يبقَ له باب.
عُدتُ كما يعودُ الطّيفُ إلى ملامحِ المرايا،
فلم أجد سوى رُكامٍ يُحدّقُ بي ،
كأرملةٍ فقدت وجهَ الحبيب.
أجلسُ على أطلالِ الذّاكرة،
أشمُّ ما تبقّى من خبزِ أمّي،
ومن عرقِ أبي،
ومن ضحكةِ إخوتي التي كانت تتقافزُ بينَ...
تتبدّلُ الأشياءُ كما لو أنَّها تجرِّبُ وجوهَها على مهلٍ،
تستبدلُ ألوانَها كما تستبدلُ الغيومُ رغبتَها في المطر.
كأنَّها لا تثقُ بالثباتِ،
ولا بالإنسانِ الذي يُراودُها عن أسرارِها.
الأكوابُ التي شربتَ فيها نسيانَك،
صارتْ تنظرُ إليكَ بشكٍّ،
كأنّها تشكُّ في صدقِ عطشِكَ،
وجهُكَ الذي تعرّفُه في...