د. أحمد الحطاب - الأخذ بالأسباب والنهوض بالبحث العلمي

قد يتساءل بعضُ القراء، شيئا ما، عن غرابة عنوان هذه المقالة، وخصوصا، أن عبارةَ "الأخذ بالأسباب" غالباً ما تكون مقتَرِنةً بأمورٍ دينية. فما هي علاقةُ هذه العبارة بالبحث العلمي؟

جواباً على هذا التَّساؤل، أقول وأُكرِّر أن "الأخذ بالأسباب" يجب أن يكونَ حاضرا في جميع حركات وتصرُّفات وسلوكات الإنسان. الحركة le mouvement والتَّصرُّف la manière d'agir والسلوك le comportement لهم أسباب. بمعنى أن شخصا ما إذا تحرَّك من مكانٍ إلى آخر أو تصرَّف تصرُّفا معيَّنا أو أبدى سلوكا ما، فقيامُه بالحركة والتصرُّف والسلوك له أسباب. والأسباب هنا، هو أن هذا الشخص يريد، من خلال الحركة والتَّصرُّف والسلوك، أن يحقِّقَ هدفا من الأهداف.

وتوضيحاُ لما سبق، إذا رَسَمَ شخصٌ ما هدفا من الأهداف، فلا بدَّ له من التفكير في الطرق التي تضمن تحقيقَ هذا الهدف، أو بعبارة أخرى، التَّفكير في الطرق التي تؤدي إلى تحقيق هذا الهدف. وهذا يعني أن رسمَ الأهداف la fixation des objectifs شيءٌ وتحقيقها leur réalisation شيءٌ آخر. بمعنى أن رسم الأهداف قد يكون سهلاً، أما تحقيقُها قد يُلاقي بعضَ الصعوبات.

ولهذا، فإن الشخصَ الذي يرسم الأهدافَ، يجب أن تتوفَّر لديه إرادةٌ قويةٌ لتحقيقها. والإرادة القوية هي التي تجعله يتبنَّى أو يختار أفضلَ الطرق المُؤدِّية إلى تحقيق هذه الأهداف. وهذا هو ما نُسمِّيه "الأخذ بالأسباب"، أي إذا رسمتَ أهدافاً معيَّنةً، فعليك أن تُفكِّرَ في الأسباب التي تجعلك قادراً على تحقيق ما رسمتَه من هذه الأهداف.

ورجوعاً إلى عنوان هذه المقالة، الذي هو : "الأخذ بالأسباب والنهوض بالبحث العلمي"، فالمقصود منه، هو أن أي بلدٍ من بلدان العالم أراد ويريد أن ينهضَ بالبحث العلمي، فلا بدَّ له أن يأخذَ بالأسباب التي تضمن تحقيقَ هذا النهوض. وأول سببٍ حاسمٍ وجازم، هو أن تتوفَّر لدى مَن يُدبِّرون الشأنَ العام إرادةَ سياسية قوية une forte volonté politique للنهوض بالبحث العلمي. بدون هذه الإرادة السياسية القوية، سيبقى البحث العلمي مجرَّد نشاطٍ فكري مُختَبري يستهلك الجهدَ البشري والأموال بدون فائدة. وهذا هو ما نلاحظه، بصفة عامة، في بلداننا العربية والإسلامية. لماذا؟ لأن جلَّ القادة العرب والمسلمين يفكِّرون، أولا وقبل كل شيء، في الاستدامة في السلطة، وبالتالي، يرون في البحث العلمي تهديداً لهذه الاستدامة.

فإذا كانت الإرادة السياسية هي السبب الرئيسي والإجباري للنهوض بالبحث العلمي، فهناك أسبابٌ أخرى يتطلَّبها هذا النهوض، أذكرُ من بينها، على الخصوص، توفير البنيات التَّحتِية والتَّجهيزات الازمة والتَّمويل الكافي لينهضَ، فعلاً، البحثُ العلمي.

ولا داعيَ للقول إن البحث العلمي، إذا كان مرتبطا بالحياة الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية، يُعتَبَر رافعة un levier من رافعات التَّنمية بجميع أوجُهِها. كيف ذلك؟

لأن البحثَ العلمي هو السبيلُ الوحيد الذي، بواسطتِه، يمكن إيجادُ الحلول لكل المشكلات الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية.

وإيجادُ الحلول للمشكلات الاجتماعية يساهم إلى حدٍّ كبيرٍ في تحسين ظروف وجودة حياة المواطنات والمواطنين. والبحثُ العلمي هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة واقع المجتمعات البشرية. وهذه المهمَّة موكولةٌ للبحث العلمي المرتبط بالعلوم الإنسانية التي، من المفروض، أن يتوفَّرَ كل بلد يسعى إلى النُّهوض بهذا القطاع، على باحثين مختصِّين، مثلاً، في علم النفس psychologie وعلم الاجتماع sociologie وعلم النفس الاجتماعي psychologie sociale وعلم الإناسة anthropologie وعلوم الاقتصاد sciences économiques وعلوم التربية sciences de l'éducation والتاريخ واللغات…

أما إيجاد الحلول للمشكلات الاقتصادية، فأمرُه موكولٌ للعلوم التطبيقية sciences appliquées. والعلوم التطبيقية مجالاتُها واسعة، حيث تشمل، مثلا، الطبَّ la médecine والزراعة l'agronomie والصيدلة l'ingénierie pharmaceutique والميكانيك la mécanique والطاقة l'énergie والماء l'eau والفضاء l'espace والتُّربة le sol والبيئة l'environnement والكائنات الحية les êtres vivants… وباختصار، البحث في مختلف مجالات العلوم التَّطبيقية له علاقة بإنتاج مختلف التِّكنولوجيات التي يستعملُها الإنسانُ في ميادين متنوِّعة تُسهِّل تدبيرَ الحياة اليومية. ودورُ البحث العلمي في مجال العلوم التطبيقة، هو إنتاج المعارف الجديدة التي، من الممكن، تحويلُها إلى قيماتٍ مضافة (تكنولوجيات) تساهم في تطوير الحياة بجميع تجلٍِياتها.

أما إيجاد الحلول للمشكلات الثقافية، فأمره موكولٌ، في آنٍ واحدٍ، للعلوم الإنسانية والعلوم التَّّطبيقية. العلوم الإنسانية تُدير الأبحاثَ، مثلاً، في مختلف مجالات علوم التربية وذلك، من أجل تحسين أداء المنظومة التَّربوية والرفع من جودة خدماتِها، وخصوصا، الخدمات التي يقوم بها المُدرِّسون داخل الأقسام. والعلوم الإنسانية لها كذلك دورٌ في القيام بالأبحاث التي لها علاقة بتَطوِير مختلف الفنون les différentes sortes d'art، وهو الشيء الذي يساهم في رفع المستوى الثقافي لعامة الناس ويُمكِّنهم من الذوق الرفيع… أما العلوم التَّطبيقية، فالبحث في إطارها، قد يؤدي، مثلاً، إلى إنتاج ما يُسمَّى ب"تكنولوجيات التَّربية" les technologies de l'éducation التي تسهِّل عمليات التَّعليم والتَّعلُّم. والبحث في إطار العلوم التطبيقية قد يساعد على تحويل كل ما هو ثقافي وفني إلى صناعة قائمة الذات تعود بالنفع على البلاد والعباد.

وإيجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية، من شأنه أن يقودَ إلى إنشاءِ المقاولات التي، بدورها، تساهم في خلق الثروة ومناصب الشغل. والشغلُ، أي العمل، يساهم في الرَّواج الاقتصادي، أو يحرِّك عجلة الاقتصاد عن طريق الاستهلاك.

لكن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي، كما سبق الذكر. وإذا كانت، فعلاً متوفَّرة، فهذا معناه أن السياسيين الذين يُدبِّرون الشأن مستعدون لدعم البحث العلمي مادِّيا وماليا. مادِّيا من أجل توفير المختبرات المجهَّزة بأحدث تقنيات البحث، ومالياً من أجل تمويل أنشِطة هذا البحث.

وعلى ذكر تمويل البحث العلمي، جرت العادة أن تُخصَّص لهذا الأخير نسبةٌ مئوية معيَّنة من الناتج الداخلي الخام. بمعنى أنه إذا كان، مثلاً، الناتِج الداخلي الخام يُساوي مأئة مليار درهم، فنسبة 1% المخصَّصة للبحث العلمي من الناتج الداخلي الخام، هي مليار درهم، أي مائة مليار سنتيم. غير أن ما لا يجب إغفالُه، هو أن ما بين 80 و 85% تذهب كأجور للباحثين أو الأساتذة الباحثين. وما يبقَّى، هو التَّمويل الفعلي لأنشطة البحث داخلَ وخارجَ المختبرات، أي ما بين 20 و 15 مليار سنتيم.

وهذا رقم ضعيف لا مردودية rendement له. يعني أن نسبة 1% المُخصَّصة للبحث العلمي من الناتج الداخلي الخام غير كافية لتمويل أنشطة البحث لأن الجزءَ الكبيرَ منها يذهب لأجور الباحثين أو الأساتذة الباحثين. وما هو متعارف عليه وحتى يكون للتَّمويلُ مردود rendement ملموس، يجب أن تتعدَّى نسبةُ هذا التمويل 1%، أو أن تترواح بي 1 و 2%، أي بعد خصم أجور الباحثين والأساتذة الباحثين تبقى نسبةٌ لا بأس بها للتَّمويل الفعلي لأنشطة البحث.

وهذا هو ما نلاحظه بالنسبة لبلادنا، المغرب، حيث أن النسبة المئوية من الناتج الداخلي الخام، المخصصة للبحث العلمي لم تتجاوز، منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، 1%. لماذا؟

أولاً، لأن الإرادة السياسية غائبة غياباً مُقلقاً. والدليل على ذلك أن هذه الإرادة السياسية غائبة في الحملات الانتخابية وغائبة، كذلك، إلا نادرا، في النقاشات البرلمانية والحكومية. بل إننا لم نسمع ولو حزبا سياسيا واحِدا جعل من البحث العلمي قضيةً وطنية واعطاها الأولوية في برنامجه السياسي.

ثانياً، أحزابنا السياسية، عندما الِفت مزايا السلطة، أصبحت غير مُعوَّدة على أخذ المبادرة. لهذا نراها، دائما، تنتظر التَّعليمات الفوقية لأخذ هذه المبادرة.

ثالثاً، بحكم التَّجربة التي اكتسبتُها طيلةَ ست سنوات وأنا مديرٌ للبحث العلمي، لم أرَ ولو وزيرا واحدا من الوزراء الذين تعاقبوا على تدبير شؤون التعليم العالي والبحث العلمي، أعطى أهمِّيةً للبحث العلمي كانشغالٍ من انشغالات الحكومة المغربية.

ولهذا، فإن البحث العلمي، إذا لم تكن وراءه إرادة سياسية قوية ومُعزَّزة ببنيات تحتية ومُجهَّزة تجهيزات معاصرة وتمويل كافي يفوق نسبةَ 2% من الناتج الداخلي الخام، فإنه، كما سبق الذكر، سيبقى مجرد نشاطٍ فكري يقوم به الباحثون والأساتذة الباحثون والطلبة، على مستوى الماستر والدكتوراة، بدون فائدة.

والمقصود ب"الفائدة"، هو أن يعود البحث العلمي بالنفع على البلاد والعباد، أي أن يكونَ مرتبطا، كما سبق الذكرُ، بالتَّنمية الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية.

والبلدان المتقدِّمة اجتماعياً، اقتصادياً وثقافياً، علمياً وتكنولوجياً، هي البلدان التي أولت وتولي اهتماماً كبيرا، في سياساتها العمومية، سياسياً، بِنيوياً، تمويلياً وتجهيزياً للبحث العلمي كرافعةٍ من رافعات التنمية بجميع أوجُهِها. والملاحظ هو أن هذه البلدان تُخصِّص أكثر من 2% من ناتِجها الداخلي الخام لتمويل البحث العلمي.

ولاغرابة أن تحتلَّ كوريا الجنوبية وإسرائيل الصدارةَ في تمويل البحث العلمي بتخصيص ما يفوق 4% من ناتِجهما الداخلي الخام. وكلُّنا نرى، بأم أعيننا، التَّقدُّم العلمي والتِّكنولوجي الحاصل في هذين البلدين.

تعليقات

نعم اخي السي أحمد
مقال مركز يبحث في أسباب النهوض بالمجتمعات، وتشجيع البحث العلمي، أسوة بالدول المتقدمة المحبة للخير لبلدانها ومواطنيها
لكن للاسف فالمغرب يدخل في خطوة غير مسبوقة في البحث العيطي، بميزانيات ضخمة من اموال الطبقة المسحوقة، لتخريج أفواج من الشيخات والشيوخ النابغين/ات اللذين سينهضون بالمجتمع المغربي الى أعلى عليين، ويزيدون بنا القدام ويهاه يهاه
 
نعم اخي السي أحمد
مقال مركز يبحث في أسباب النهوض بالمجتمعات، وتشجيع البحث العلمي، أسوة بالدول المتقدمة المحبة للخير لبلدانها ومواطنيها
لكن للاسف فالمغرب يدخل في خطوة غير مسبوقة في البحث العيطي، بميوانيات ضخمة من اموال الطبقة المسحوقة، لتخريج أفواج من الشيخات والشيوخ النابغين/ات اللذين سينهضون بالمجتمع المغربي الى أعلى عليين، ويزيدون بنا القدام ويهاه يهاه
اتفق معك وعلى طول الخط.
 
أعلى