خالد صالح عطية
07-05-2026
في السياسة، لا توجد جماعة تُعاقَب بسبب ما فعلته فقط، بل بسبب الرمزية التي أُلصقت بها.
وهذه هي مأساة الفلسطينيين في سوريا اليوم.
فبعد أكثر من سبعين عاماً على اللجوء الأول، يجد الفلسطيني السوري نفسه أمام مفارقة تاريخية قاسية:
لقد نجا من النكبة الفلسطينية ليعيش داخل دولة رفعت اسمه شعاراً، ثم انهارت تلك الدولة، فإذا بالاسم نفسه يتحول من رمز للمقاومة إلى موضوع للريبة والاتهام والتحريض.
المشكلة هنا ليست قانونية فقط، ولا أمنية فقط، بل بنيوية في جوهرها؛ لأنها تتعلق بكيفية تشكّل الدولة السورية الحديثة، وكيف استُخدمت القضية الفلسطينية داخل بنية السلطة، ثم كيف ارتدّ هذا الاستخدام على الفلسطيني نفسه بعد سقوط النظام.
الفلسطيني في سوريا: من “الضيف السياسي” إلى الكائن المعلّق
منذ خمسينيات القرن الماضي، لم يكن الفلسطيني في سوريا مجرد لاجئ بالمعنى الإنساني التقليدي، بل كان جزءاً من المعمار الأيديولوجي للدولة البعثية.
النظام السوري لم يتعامل مع الفلسطيني بوصفه حالة إغاثية، كما حدث في أماكن أخرى، بل بوصفه عنصراً وظيفياً داخل سردية سياسية كبرى:
سوريا قلعة الصمود،
النظام حامل لواء فلسطين،
والمواجهة مع إسرائيل مصدر الشرعية القومية.
لهذا مُنح الفلسطيني وضعاً استثنائياً:
حقوق مدنية واسعة دون جنسية، اندماج اجتماعي دون ذوبان سياسي، حضور اقتصادي دون سيادة قانونية كاملة.
كان المطلوب من الفلسطيني أن يكون “موجوداً” دائماً، لكن بوصفه شاهداً على شرعية النظام، لا بوصفه ذاتاً مستقلة.
وهنا تكمن العقدة الأساسية:
الفلسطيني في سوريا لم يكن خارج الدولة، لكنه لم يكن داخلها تماماً أيضاً.
لقد عاش في المنطقة الرمادية بين المواطن واللاجئ، بين الاندماج والاستثناء، بين الحق المؤقت والديمومة غير المعلنة.
حين تحوّلت فلسطين إلى أداة سلطة
المعضلة الأكبر أن النظام السوري لم يكتفِ بتبنّي القضية الفلسطينية خطابياً، بل قام بتأميمها أمنياً.
الفصائل الفلسطينية المرتبطة بدمشق تحولت تدريجياً إلى امتدادات داخل المنظومة الأمنية والعسكرية، وفقدت استقلالها السياسي الحقيقي.
ومع اندلاع الثورة السورية، انفجرت هذه البنية دفعة واحدة.
بعض الفصائل الفلسطينية قاتلت إلى جانب النظام، وبعضها انخرط في الحصار والقمع، فيما حاولت قطاعات واسعة من الفلسطينيين البقاء على الحياد أو الانخراط في الحراك الشعبي.
لكن الذاكرة الجماعية في لحظات الحرب لا تعمل بالتفصيل، بل بالتعميم.
وهكذا بدأ يتشكّل وعي سوري جديد يرى في الفلسطيني ليس “اللاجئ الضحية”، بل أحياناً “الامتداد الرمزي للنظام القديم”.
هنا حدث الانقلاب الأخطر:
القضية الفلسطينية التي استُخدمت لعقود كمصدر شرعية للسلطة، أصبحت بعد سقوط تلك السلطة جزءاً من إرثها الثقيل.
اليرموك: انهيار الجغرافيا والمعنى معاً
لفهم التحول النفسي العميق لدى الفلسطينيين في سوريا، يكفي النظر إلى ما حدث في مخيم اليرموك.
اليرموك لم يكن مخيماً عادياً، بل كان عاصمة اجتماعية وسياسية وثقافية للفلسطينيين في الشتات.
وحين دُمّر اليرموك، لم يسقط حيّ سكني فقط، بل انهارت فكرة كاملة:
فكرة أن الفلسطيني يمكنه بناء استقرار طويل داخل المنفى.
الحصار والتجويع والاقتتال الداخلي ثم التهجير الجماعي، كل ذلك أعاد الفلسطيني السوري إلى نقطة الصفر الوجودية:
إلى الشعور بأن أي مكان يمكن أن يتحول فجأة إلى محطة مؤقتة أخرى في سلسلة المنافي.
لهذا يبدو الفلسطيني في سوريا اليوم هشّاً بصورة غير مسبوقة:
لا يملك حماية دولة،
ولا تماسكاً سياسياً،
ولا بنية اجتماعية مستقرة كما في السابق،
ولا يقيناً بمستقبل العلاقة مع السلطة الجديدة.
التحريض الحالي ليس حادثاً عابراً
ما يظهر اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي ليس مجرد “تنمّر إلكتروني”، بل تعبير عن تحولات أعمق داخل الوعي السوري بعد الحرب.
هناك شريحة سورية تنظر إلى الفلسطينيين من خلال ثلاث صور متراكبة:
صورة الفصائل الموالية للنظام،
وصورة الامتيازات الرمزية القديمة،
وصورة “فلسطين” التي استُخدمت كشعار لتأجيل الحرية الداخلية لعقود.
لهذا فإن جزءاً من التحريض الحالي هو في حقيقته صراع مع الماضي السوري نفسه، لكنه يُسقَط على الفلسطيني بوصفه الحلقة الأضعف.
المشكلة أن وسائل التواصل لا تنتج وعياً تاريخياً، بل تنتج غضباً سريعاً ومختزلاً.
وفي المجتمعات الخارجة من الحروب، يصبح من السهل تحويل الجماعات الهشة إلى أهداف رمزية لإعادة تفريغ الألم الجماعي.
وهذا تحديداً ما يجعل الفلسطينيين في سوريا اليوم في موقع حساس وخطر، رغم غياب أي سياسة رسمية معلنة ضدهم.
الدولة الجديدة أمام اختبار أخلاقي وتاريخي
السؤال الحقيقي اليوم ليس:
هل ستمنح السلطة الجديدة الفلسطينيين حقوقهم أم لا؟
السؤال الأعمق هو:
أي نموذج من الدول تريد سوريا الجديدة أن تكون؟
إذا كانت الدولة القادمة ستُبنى على مفهوم المواطنة والعدالة الانتقالية والمؤسسات، فسيكون الفلسطيني جزءاً طبيعياً من النسيج السوري، باعتباره ضحية من ضحايا الحقبة السابقة أيضاً.
أما إذا تشكلت الدولة الجديدة على أساس الثأر السياسي والهويات المغلقة وإعادة توزيع الكراهية، فإن الفلسطينيين سيكونون من أوائل من يدفع الثمن، ليس بسبب قوتهم، بل بسبب هشاشتهم.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية المؤلمة:
الفلسطيني الذي استُخدم طويلاً كشعار قومي فوقي، قد يجد نفسه اليوم مطالباً بالدفاع حتى عن حقه في البقاء الاجتماعي داخل المكان الذي عاش فيه عقوداً.
في الشرق الأوسط، لا تنتهي المآسي حين تسقط الأنظمة، بل تبدأ أحياناً بصيغ جديدة.
والفلسطينيون في سوريا يقفون اليوم على الحافة بين زمنين:
زمنٍ استُخدمت فيه قضيتهم لتبرير السلطة، وزمنٍ قد يُستخدم فيه وجودهم لتصفية حسابات تلك السلطة.
لهذا فإن حماية الفلسطينيين في سوريا ليست “قضية لاجئين” فقط، بل اختبار أخلاقي للدولة السورية الجديدة نفسها.
لأن الأمم الخارجة من الحروب تُعرف ليس فقط بكيفية إسقاط الطغيان، بل أيضاً بكيفية تعاملها مع أضعف من يعيش داخلها.
07-05-2026
في السياسة، لا توجد جماعة تُعاقَب بسبب ما فعلته فقط، بل بسبب الرمزية التي أُلصقت بها.
وهذه هي مأساة الفلسطينيين في سوريا اليوم.
فبعد أكثر من سبعين عاماً على اللجوء الأول، يجد الفلسطيني السوري نفسه أمام مفارقة تاريخية قاسية:
لقد نجا من النكبة الفلسطينية ليعيش داخل دولة رفعت اسمه شعاراً، ثم انهارت تلك الدولة، فإذا بالاسم نفسه يتحول من رمز للمقاومة إلى موضوع للريبة والاتهام والتحريض.
المشكلة هنا ليست قانونية فقط، ولا أمنية فقط، بل بنيوية في جوهرها؛ لأنها تتعلق بكيفية تشكّل الدولة السورية الحديثة، وكيف استُخدمت القضية الفلسطينية داخل بنية السلطة، ثم كيف ارتدّ هذا الاستخدام على الفلسطيني نفسه بعد سقوط النظام.
الفلسطيني في سوريا: من “الضيف السياسي” إلى الكائن المعلّق
منذ خمسينيات القرن الماضي، لم يكن الفلسطيني في سوريا مجرد لاجئ بالمعنى الإنساني التقليدي، بل كان جزءاً من المعمار الأيديولوجي للدولة البعثية.
النظام السوري لم يتعامل مع الفلسطيني بوصفه حالة إغاثية، كما حدث في أماكن أخرى، بل بوصفه عنصراً وظيفياً داخل سردية سياسية كبرى:
سوريا قلعة الصمود،
النظام حامل لواء فلسطين،
والمواجهة مع إسرائيل مصدر الشرعية القومية.
لهذا مُنح الفلسطيني وضعاً استثنائياً:
حقوق مدنية واسعة دون جنسية، اندماج اجتماعي دون ذوبان سياسي، حضور اقتصادي دون سيادة قانونية كاملة.
كان المطلوب من الفلسطيني أن يكون “موجوداً” دائماً، لكن بوصفه شاهداً على شرعية النظام، لا بوصفه ذاتاً مستقلة.
وهنا تكمن العقدة الأساسية:
الفلسطيني في سوريا لم يكن خارج الدولة، لكنه لم يكن داخلها تماماً أيضاً.
لقد عاش في المنطقة الرمادية بين المواطن واللاجئ، بين الاندماج والاستثناء، بين الحق المؤقت والديمومة غير المعلنة.
حين تحوّلت فلسطين إلى أداة سلطة
المعضلة الأكبر أن النظام السوري لم يكتفِ بتبنّي القضية الفلسطينية خطابياً، بل قام بتأميمها أمنياً.
الفصائل الفلسطينية المرتبطة بدمشق تحولت تدريجياً إلى امتدادات داخل المنظومة الأمنية والعسكرية، وفقدت استقلالها السياسي الحقيقي.
ومع اندلاع الثورة السورية، انفجرت هذه البنية دفعة واحدة.
بعض الفصائل الفلسطينية قاتلت إلى جانب النظام، وبعضها انخرط في الحصار والقمع، فيما حاولت قطاعات واسعة من الفلسطينيين البقاء على الحياد أو الانخراط في الحراك الشعبي.
لكن الذاكرة الجماعية في لحظات الحرب لا تعمل بالتفصيل، بل بالتعميم.
وهكذا بدأ يتشكّل وعي سوري جديد يرى في الفلسطيني ليس “اللاجئ الضحية”، بل أحياناً “الامتداد الرمزي للنظام القديم”.
هنا حدث الانقلاب الأخطر:
القضية الفلسطينية التي استُخدمت لعقود كمصدر شرعية للسلطة، أصبحت بعد سقوط تلك السلطة جزءاً من إرثها الثقيل.
اليرموك: انهيار الجغرافيا والمعنى معاً
لفهم التحول النفسي العميق لدى الفلسطينيين في سوريا، يكفي النظر إلى ما حدث في مخيم اليرموك.
اليرموك لم يكن مخيماً عادياً، بل كان عاصمة اجتماعية وسياسية وثقافية للفلسطينيين في الشتات.
وحين دُمّر اليرموك، لم يسقط حيّ سكني فقط، بل انهارت فكرة كاملة:
فكرة أن الفلسطيني يمكنه بناء استقرار طويل داخل المنفى.
الحصار والتجويع والاقتتال الداخلي ثم التهجير الجماعي، كل ذلك أعاد الفلسطيني السوري إلى نقطة الصفر الوجودية:
إلى الشعور بأن أي مكان يمكن أن يتحول فجأة إلى محطة مؤقتة أخرى في سلسلة المنافي.
لهذا يبدو الفلسطيني في سوريا اليوم هشّاً بصورة غير مسبوقة:
لا يملك حماية دولة،
ولا تماسكاً سياسياً،
ولا بنية اجتماعية مستقرة كما في السابق،
ولا يقيناً بمستقبل العلاقة مع السلطة الجديدة.
التحريض الحالي ليس حادثاً عابراً
ما يظهر اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي ليس مجرد “تنمّر إلكتروني”، بل تعبير عن تحولات أعمق داخل الوعي السوري بعد الحرب.
هناك شريحة سورية تنظر إلى الفلسطينيين من خلال ثلاث صور متراكبة:
صورة الفصائل الموالية للنظام،
وصورة الامتيازات الرمزية القديمة،
وصورة “فلسطين” التي استُخدمت كشعار لتأجيل الحرية الداخلية لعقود.
لهذا فإن جزءاً من التحريض الحالي هو في حقيقته صراع مع الماضي السوري نفسه، لكنه يُسقَط على الفلسطيني بوصفه الحلقة الأضعف.
المشكلة أن وسائل التواصل لا تنتج وعياً تاريخياً، بل تنتج غضباً سريعاً ومختزلاً.
وفي المجتمعات الخارجة من الحروب، يصبح من السهل تحويل الجماعات الهشة إلى أهداف رمزية لإعادة تفريغ الألم الجماعي.
وهذا تحديداً ما يجعل الفلسطينيين في سوريا اليوم في موقع حساس وخطر، رغم غياب أي سياسة رسمية معلنة ضدهم.
الدولة الجديدة أمام اختبار أخلاقي وتاريخي
السؤال الحقيقي اليوم ليس:
هل ستمنح السلطة الجديدة الفلسطينيين حقوقهم أم لا؟
السؤال الأعمق هو:
أي نموذج من الدول تريد سوريا الجديدة أن تكون؟
إذا كانت الدولة القادمة ستُبنى على مفهوم المواطنة والعدالة الانتقالية والمؤسسات، فسيكون الفلسطيني جزءاً طبيعياً من النسيج السوري، باعتباره ضحية من ضحايا الحقبة السابقة أيضاً.
أما إذا تشكلت الدولة الجديدة على أساس الثأر السياسي والهويات المغلقة وإعادة توزيع الكراهية، فإن الفلسطينيين سيكونون من أوائل من يدفع الثمن، ليس بسبب قوتهم، بل بسبب هشاشتهم.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية المؤلمة:
الفلسطيني الذي استُخدم طويلاً كشعار قومي فوقي، قد يجد نفسه اليوم مطالباً بالدفاع حتى عن حقه في البقاء الاجتماعي داخل المكان الذي عاش فيه عقوداً.
في الشرق الأوسط، لا تنتهي المآسي حين تسقط الأنظمة، بل تبدأ أحياناً بصيغ جديدة.
والفلسطينيون في سوريا يقفون اليوم على الحافة بين زمنين:
زمنٍ استُخدمت فيه قضيتهم لتبرير السلطة، وزمنٍ قد يُستخدم فيه وجودهم لتصفية حسابات تلك السلطة.
لهذا فإن حماية الفلسطينيين في سوريا ليست “قضية لاجئين” فقط، بل اختبار أخلاقي للدولة السورية الجديدة نفسها.
لأن الأمم الخارجة من الحروب تُعرف ليس فقط بكيفية إسقاط الطغيان، بل أيضاً بكيفية تعاملها مع أضعف من يعيش داخلها.