يتعلَّق الأمرُ بالتَّجمُّع الوطني للأحرار Rassemblement National des Indépendants - RNI وحزب العدالة والتنمية Parti de la Justice et du .Développement الملاحظة الأولى هي أنه لا أحدَ من هذين الحزبين يستحق تَسميتَه.
التجمُّع الوطني للأحرار لم يوضِّح للناس لماذا أعضاءُه أحرار. عادةً، الأحرار هم أحرار بالنسبة لشيءٍ ما. وهذا الشيء لا أحدَ يعرفه. وإذا كان المقصود من "أحرار" هو استقلالُهم، فليُوضِّحوا لنا هم مستقلون بالنسبة لماذا. في هذا الجانب، يبقى مُتتبِّعُ الشأن السياسي، في هذا البلد السعيد، غارقاً في شيءٍ من الغموض.
كلمة "أحرار" هي، لغوياً، جمع "حر". والحُرُّ، إما أن يكون "حرّاً مطلقا" وإما أن يكون حرا بالنسبة لشءٍ معيَّن موجود في الواقع الذي يعيش فيه الناس. ولهذا، عندما توقَّفت تسميةُ الحزب عند "للأحرار"، بدون توضيح مَن هم هؤلاء الأحرار، فما علينا إلا أن نُدرك أن أعضاءَ هذا الحزب "أحرارٌ بالمطلق". و"الحر بالمطلق" هو، لغوياً، الفوضوي l'anarchiste.
غير أن تصرفات هذا الحزب وسلوكُه السياسي يُبيِّن أنه حزبٌ سياسي ليبرالي un parti politique libéral ورأسمالي capitaliste.
والرأسمالية capitalisme عبارة عن نظام اقتصادي يُسيِّره الرأسمال le capital ويكون فيه العُمال les ouvriers مجرد محرك لوسائل الإنتاج مُقابلَ أجرٍ يتقاضونه شهريا. بمعنى أن جُهدَهم هو الذي يحرِّك وسائلَ الإنتاج التي يملكُها الرأسمال.
أما الليبرالية الاقتصادية le libéralisme économique، فهي الأخرى نظامُ اقتصادي يكون فيه كل شيء قابلاً للبيع والشراء كالخيرات les biens، والخدمات les services ورؤوس الأموال les capitaux والأسهم les actions والمقاولات والشركات… المهم هو أن يكونَ هذا البيع والشراء مُربحا.
هذا هو التَّوجُّه السياسي والاقتصادي للحزب المُسمى "التَّجمُّع الوطني للأحرار" الذي لم يُوضِّح مَن هم هؤلاء الأحرار. لكن عملَه الميداني وسلوكُه السياسي على أرض الواقع يبيِّنان لنا أنه حزبٌ له توجُّهٌ ليبرالي ورأسمالي. إضافةً إلى أن كثيرا من أعضائه، رجالاً ونساءً، ينتمون إلى فئة رجال ونساء الأعمال. ونساء ورجال الأعمال لا يرون، في انتمائهم هذا، إلا الربحَ، والربح السريع، وإن أمكن، في ظل الحكومة الحالية التي هي، بامتياز، حكومة تتبنَّى الليبرالية والرأسمالية. بل قد تتبنَّى، أحيانا، ليبرالية مُتوحٍّشة un libéralisme sauvage الذي لا يُعير أي اهتمام للتفاوتات الاجتماعية les inégalités sociales ولا للبطالة le chômage ولا للقدرات الشرائية للمواطنين ولا للفقر ولا لتدهور الطبقة المتوسطة la dégradation de la classe moyenne… وكل هذه الأشياء تنطبق على الحكومة الحالية!
بل كل هذه الأشياء لا تظهر في التَّسمية التي أطلقها هذا الحزبُ على نفسه. فما على المواطنين أن يُدرِكوا بأن هذا الحزبَ يُخفي عليهم نواياه السياسية الحقيقية المتمثِّلة في اغتنام فرصة مسكه لزمام تدبير الشأن العام، لتحقيق ما يمكن تحقيقُه لصالح أعضائه الرأسماليين. إذن، حزب "التَّجمُّع الوطني للأحرار" حِزبٌ سياسي منافقٌ ما دام يُخفي على المواطنين نواياه الحقيقية!
أما حزب العدالة والتنمية، فشتَّان ما بينه وبين تسميته "حزب العدالة والتَّنمية" parti de la justice et du développement. حسب هذه التَّسمية، هذا الحزبُ يجب أن ينشغلَ بالقضايا التي، بواسطتها، سيتم تعميمُ العدالة في المجتمع المغربي، وسيتم، كذلك، النهوض بالتنمية. وتعميمُ العدالة في المجتمع المغربي يقتضي محاربةَ الفساد. وحزب العدالة والتنمية، كما هو الشأن لكل الأحزاب المغربية، لم يحارب الفساد. بل تعايش معه لما كان مسئولاً عن تدبير الشأن العام طيلةَ ولايتين استغرقتا عشر سنين.
يبدو أن "حزبَ العدالة والتنمية" نسيَ هذه التَّسمية وتفرَّغ للنهوض بإيديولوجيته أو خلفياتِه الفكرية التي تنتسِب للإسلام السياسي الذي لا يفرِّق بين السياسة والدين.
والحقيقة أن هذا الحزبَ، إلى يومنا هذا، لم يتجرَّع الهزيمةَ التي ألحقها به المواطنون خلال الانتخابات التَّشريعية الأخيرة حيث فقدَ، في مجلس النواب، أكثر من مائة مقعد، وبالتالي، نزل رصيدُه من المقاعد إلى أقل من عشرين مقعدا.
غيرَ أن هذا الحزبَ، إلى حد الآن، لم يدرك أن المغاربة، لما صوَّتوا لصالحِه سنة 2011 ثم سنة 2016، صوَّتوا لأنهم كانوا يظنون أن حزب العدالة والتنمية، ذا المرجعية الدينية، سيأتي بالتغيير. وليس أي تغيير. بل التغيير الذي يعود عليهم بالنفع، وبالتالي، يرفع مستوى وظروفَ عيشِهم.
وحزب العدالة والتنمية كان ولا يزال يظن أن تصويتَ المواطنين لصالحه كان بسبب مرجعيتِه الدينية. فهل نسي حزب العدالة والتنمية أن المغاربة ليسوا في حاجة لحزبٍ سياسي ليكونوا مسلمين؟ المغاربة مسلمون منذ أكثر من 12 قرنا. فما على حزب العدالة والتنمية، كما هو مفروض على الأحزاب السياسية الأخرى، أن يلعب الدورَ الذي حدَّده له الدستور، أي خدمة الصالح العام.
غير أن ما يقوم به حزب العدالة والتنمية، اليوم، وعلى رأسه أمينه العام، من تصرفات وحملات إعلامية مسعورة لا يخدم الصالحَ العام. بل حزبُ العدالة والتنمية، أو بالأحرى، أمينُه العام، يحاول، جاهِدا، أن يُرجِعَ للحزب مكانتَه في المشهد السياسي الوطني. وهذه المحاولات لم يُصرِّحْ بها لا الأمين العام للحزب ولا أعضاءه. ولا يزال هذا الحزبُ يستغلُّ الدينَ ليستفزَّ عواطف المواطنين ويحاول أن يُبيِّن لهم أن الإسلامَ في خطرٍ، وخصوصا، عندما تعلَّق الأمرُ بإصلاح مدوَّنةَ الأحوال الشخصية أو مدوَّنة الأسرة.
و"حزب العدالة والتنمية"، كما هو الشأن ل"التَّجمُّع الوطني للأحرار" يُنافقان المغاربة، لأنهما، عوض أن يتجنَّدا لخدمة الصالح العام، فإنها يخدمان مصالحَ حِزبَيهما. علماً أن نفسَ الشيء ينطبق على أحزاب المشهد السياسي، الأخرى.
والغريب في الأمر أن هذين الحزبَين يتصرفان وكأنهما الحزبان الوحيدان الموجودان في المشهد السياسي الوطني. فالانتقادات واللومُ متبادلان بينهما. ولو أن التَّجمُّع الوطني للأحرار يتجاهل، أحياناً، انتقادات حزب العدالة والتَّنمية.
لكن ما يُعاب على هذين الحزبين، هو انشغالُهما بتحسين صورة حزبيهما وإهمال خدمة مصالح المواطنين والصالح العام.
حزب التجمُّع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة الحالية، يريد أن يُرضيَ أعضاءَه الذين كثيرٌ منهم نساء ورجال أعمال. ولهذا، فلا يهمُّه أن ينتشرَ الفساد في البلاد أو أن تدخل الطبقة المتوسِّطة في طور الانقراض أو أن تتدهورَ القدرة الشرائية للمواطنين أو أن تكبُرَ البطالةُ أو أن ينحدرَ التعليم من سيء إلى أسوأ أو أن تتَّسعَ دائرة الفقر أو أن تتفاقمَ الفوارق الاجتماعية والمشاكل المترتِّبة عن الجفاف…
أما حزب العدالة والتنمية وأمينُه العام لا يتردَّدان في استغلال ضُعف الحكومة في مواجهة كل هذه المشاكل، ليظهرا للشعب المغربي وكأنهما يدافعان عن مصالحه، والحقيقة أن الهدفَ الحقيقي من هذه الانتقادات، هو محاولات لاسترجاع ما كان للحزب من حضورٍ في المشهد السياسي الوطني.
الأحزاب السياسية لم تُخلَق من أجل التَّراشق اللفظي العقيم الذي لا فائدةَ منه ومضيعةٌ للوقت وهدرٌ للمال العام لأن السياسيين البرلمانيين منهم والحكوميين مطالبون بخدمة البلاد والعباد لأنهم يتقاضون تعويضات وأجوراً من مال الشعب.
غير أن التَّراشق انتقل من مستوى تراشق حزبين سياسيين إلى تراشق شخصيتين بارزتين في المشهد السياسي الوطني. من جهة، رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران ومن جهة أخرى، رئيس الحكومة الحالية، عزيز أخنوش.
الأول بارع وماهر في الشعبوية populisme وتهييج العواطف وإشعالها وجذب اهتمام الجماهير. وتلاعبُه بعواطف الناس له أربعة أهداف. هدف أول يريد، من خلاله، أن يظهرَ لهؤلاء الناس كمُدافع عن القيم الدينية والاجتماعية التقليدية، وبالتالي، زرع الشك في نفوس الناس. وهدف ثاني يريد، من خلاله، تبييضَ سمعة حزبه وتقوية حضوره في المشهد السياسي الوطني. وهدف ثالث يريد، من خلاله، أن يُظهِرَ حزبَه كالحزب الوحيد الذي يقوم بمهمة المُعارضة السياسية. وهدفٌ رابع يتمثل في بدء حملةٍ انتخابية قبل أوانها.
والثاني لا يُفرِّق بين تدبير مقاولةٍ، بحكم مجال تخصُّصه، وبين العمل الحكومي، وبالتالي، ما يهمه، هو أن يقدِّمَ للشعب المغربي حصيلاتٍ اقتصادية des bilans économiques يراها هو وأغلبيتُه البرلمانية إيجابية بينما، في الحقيقة، لا علاقةَ لها بالمشاكل اليومية التي يعاني منها الناس. وإذا كان الأول قادرا على تهييج عواطف الناس، فالثاني، غالبا ما يتحدى الأول بالتزامه الصمتَ والالتزام بمواصلة عمله اليومي.
والحقيقة كل الحقيقة هو أن أحزابَنا السياسية، بما فيها الحزبان المذكوران أعلاه، غير مؤهَّلة لتدبير الشأن ما دامت غير قادرة على محاربة الفساد. لأن الفسادَ أصبح متغلغلاً في دواليب الدولة وفي المجتمع. والفساد هو العائق الأول للتنمية بجميع تجلِّيأتها. والأحزاب السياسية، إن أرادت أن يكون لتدبيرها للشأن العام مردودية، فعليها أن تُحاربَ الفساد. وإذا لم تحاربه، فإنها تساهم في انتشارِه. وانتشار الفساد يُضيِّع على البلاد فرصاً كثيرةً لخلق الثروة يعود نفعُها بالخير على البلاد والعباد.
التجمُّع الوطني للأحرار لم يوضِّح للناس لماذا أعضاءُه أحرار. عادةً، الأحرار هم أحرار بالنسبة لشيءٍ ما. وهذا الشيء لا أحدَ يعرفه. وإذا كان المقصود من "أحرار" هو استقلالُهم، فليُوضِّحوا لنا هم مستقلون بالنسبة لماذا. في هذا الجانب، يبقى مُتتبِّعُ الشأن السياسي، في هذا البلد السعيد، غارقاً في شيءٍ من الغموض.
كلمة "أحرار" هي، لغوياً، جمع "حر". والحُرُّ، إما أن يكون "حرّاً مطلقا" وإما أن يكون حرا بالنسبة لشءٍ معيَّن موجود في الواقع الذي يعيش فيه الناس. ولهذا، عندما توقَّفت تسميةُ الحزب عند "للأحرار"، بدون توضيح مَن هم هؤلاء الأحرار، فما علينا إلا أن نُدرك أن أعضاءَ هذا الحزب "أحرارٌ بالمطلق". و"الحر بالمطلق" هو، لغوياً، الفوضوي l'anarchiste.
غير أن تصرفات هذا الحزب وسلوكُه السياسي يُبيِّن أنه حزبٌ سياسي ليبرالي un parti politique libéral ورأسمالي capitaliste.
والرأسمالية capitalisme عبارة عن نظام اقتصادي يُسيِّره الرأسمال le capital ويكون فيه العُمال les ouvriers مجرد محرك لوسائل الإنتاج مُقابلَ أجرٍ يتقاضونه شهريا. بمعنى أن جُهدَهم هو الذي يحرِّك وسائلَ الإنتاج التي يملكُها الرأسمال.
أما الليبرالية الاقتصادية le libéralisme économique، فهي الأخرى نظامُ اقتصادي يكون فيه كل شيء قابلاً للبيع والشراء كالخيرات les biens، والخدمات les services ورؤوس الأموال les capitaux والأسهم les actions والمقاولات والشركات… المهم هو أن يكونَ هذا البيع والشراء مُربحا.
هذا هو التَّوجُّه السياسي والاقتصادي للحزب المُسمى "التَّجمُّع الوطني للأحرار" الذي لم يُوضِّح مَن هم هؤلاء الأحرار. لكن عملَه الميداني وسلوكُه السياسي على أرض الواقع يبيِّنان لنا أنه حزبٌ له توجُّهٌ ليبرالي ورأسمالي. إضافةً إلى أن كثيرا من أعضائه، رجالاً ونساءً، ينتمون إلى فئة رجال ونساء الأعمال. ونساء ورجال الأعمال لا يرون، في انتمائهم هذا، إلا الربحَ، والربح السريع، وإن أمكن، في ظل الحكومة الحالية التي هي، بامتياز، حكومة تتبنَّى الليبرالية والرأسمالية. بل قد تتبنَّى، أحيانا، ليبرالية مُتوحٍّشة un libéralisme sauvage الذي لا يُعير أي اهتمام للتفاوتات الاجتماعية les inégalités sociales ولا للبطالة le chômage ولا للقدرات الشرائية للمواطنين ولا للفقر ولا لتدهور الطبقة المتوسطة la dégradation de la classe moyenne… وكل هذه الأشياء تنطبق على الحكومة الحالية!
بل كل هذه الأشياء لا تظهر في التَّسمية التي أطلقها هذا الحزبُ على نفسه. فما على المواطنين أن يُدرِكوا بأن هذا الحزبَ يُخفي عليهم نواياه السياسية الحقيقية المتمثِّلة في اغتنام فرصة مسكه لزمام تدبير الشأن العام، لتحقيق ما يمكن تحقيقُه لصالح أعضائه الرأسماليين. إذن، حزب "التَّجمُّع الوطني للأحرار" حِزبٌ سياسي منافقٌ ما دام يُخفي على المواطنين نواياه الحقيقية!
أما حزب العدالة والتنمية، فشتَّان ما بينه وبين تسميته "حزب العدالة والتَّنمية" parti de la justice et du développement. حسب هذه التَّسمية، هذا الحزبُ يجب أن ينشغلَ بالقضايا التي، بواسطتها، سيتم تعميمُ العدالة في المجتمع المغربي، وسيتم، كذلك، النهوض بالتنمية. وتعميمُ العدالة في المجتمع المغربي يقتضي محاربةَ الفساد. وحزب العدالة والتنمية، كما هو الشأن لكل الأحزاب المغربية، لم يحارب الفساد. بل تعايش معه لما كان مسئولاً عن تدبير الشأن العام طيلةَ ولايتين استغرقتا عشر سنين.
يبدو أن "حزبَ العدالة والتنمية" نسيَ هذه التَّسمية وتفرَّغ للنهوض بإيديولوجيته أو خلفياتِه الفكرية التي تنتسِب للإسلام السياسي الذي لا يفرِّق بين السياسة والدين.
والحقيقة أن هذا الحزبَ، إلى يومنا هذا، لم يتجرَّع الهزيمةَ التي ألحقها به المواطنون خلال الانتخابات التَّشريعية الأخيرة حيث فقدَ، في مجلس النواب، أكثر من مائة مقعد، وبالتالي، نزل رصيدُه من المقاعد إلى أقل من عشرين مقعدا.
غيرَ أن هذا الحزبَ، إلى حد الآن، لم يدرك أن المغاربة، لما صوَّتوا لصالحِه سنة 2011 ثم سنة 2016، صوَّتوا لأنهم كانوا يظنون أن حزب العدالة والتنمية، ذا المرجعية الدينية، سيأتي بالتغيير. وليس أي تغيير. بل التغيير الذي يعود عليهم بالنفع، وبالتالي، يرفع مستوى وظروفَ عيشِهم.
وحزب العدالة والتنمية كان ولا يزال يظن أن تصويتَ المواطنين لصالحه كان بسبب مرجعيتِه الدينية. فهل نسي حزب العدالة والتنمية أن المغاربة ليسوا في حاجة لحزبٍ سياسي ليكونوا مسلمين؟ المغاربة مسلمون منذ أكثر من 12 قرنا. فما على حزب العدالة والتنمية، كما هو مفروض على الأحزاب السياسية الأخرى، أن يلعب الدورَ الذي حدَّده له الدستور، أي خدمة الصالح العام.
غير أن ما يقوم به حزب العدالة والتنمية، اليوم، وعلى رأسه أمينه العام، من تصرفات وحملات إعلامية مسعورة لا يخدم الصالحَ العام. بل حزبُ العدالة والتنمية، أو بالأحرى، أمينُه العام، يحاول، جاهِدا، أن يُرجِعَ للحزب مكانتَه في المشهد السياسي الوطني. وهذه المحاولات لم يُصرِّحْ بها لا الأمين العام للحزب ولا أعضاءه. ولا يزال هذا الحزبُ يستغلُّ الدينَ ليستفزَّ عواطف المواطنين ويحاول أن يُبيِّن لهم أن الإسلامَ في خطرٍ، وخصوصا، عندما تعلَّق الأمرُ بإصلاح مدوَّنةَ الأحوال الشخصية أو مدوَّنة الأسرة.
و"حزب العدالة والتنمية"، كما هو الشأن ل"التَّجمُّع الوطني للأحرار" يُنافقان المغاربة، لأنهما، عوض أن يتجنَّدا لخدمة الصالح العام، فإنها يخدمان مصالحَ حِزبَيهما. علماً أن نفسَ الشيء ينطبق على أحزاب المشهد السياسي، الأخرى.
والغريب في الأمر أن هذين الحزبَين يتصرفان وكأنهما الحزبان الوحيدان الموجودان في المشهد السياسي الوطني. فالانتقادات واللومُ متبادلان بينهما. ولو أن التَّجمُّع الوطني للأحرار يتجاهل، أحياناً، انتقادات حزب العدالة والتَّنمية.
لكن ما يُعاب على هذين الحزبين، هو انشغالُهما بتحسين صورة حزبيهما وإهمال خدمة مصالح المواطنين والصالح العام.
حزب التجمُّع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة الحالية، يريد أن يُرضيَ أعضاءَه الذين كثيرٌ منهم نساء ورجال أعمال. ولهذا، فلا يهمُّه أن ينتشرَ الفساد في البلاد أو أن تدخل الطبقة المتوسِّطة في طور الانقراض أو أن تتدهورَ القدرة الشرائية للمواطنين أو أن تكبُرَ البطالةُ أو أن ينحدرَ التعليم من سيء إلى أسوأ أو أن تتَّسعَ دائرة الفقر أو أن تتفاقمَ الفوارق الاجتماعية والمشاكل المترتِّبة عن الجفاف…
أما حزب العدالة والتنمية وأمينُه العام لا يتردَّدان في استغلال ضُعف الحكومة في مواجهة كل هذه المشاكل، ليظهرا للشعب المغربي وكأنهما يدافعان عن مصالحه، والحقيقة أن الهدفَ الحقيقي من هذه الانتقادات، هو محاولات لاسترجاع ما كان للحزب من حضورٍ في المشهد السياسي الوطني.
الأحزاب السياسية لم تُخلَق من أجل التَّراشق اللفظي العقيم الذي لا فائدةَ منه ومضيعةٌ للوقت وهدرٌ للمال العام لأن السياسيين البرلمانيين منهم والحكوميين مطالبون بخدمة البلاد والعباد لأنهم يتقاضون تعويضات وأجوراً من مال الشعب.
غير أن التَّراشق انتقل من مستوى تراشق حزبين سياسيين إلى تراشق شخصيتين بارزتين في المشهد السياسي الوطني. من جهة، رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران ومن جهة أخرى، رئيس الحكومة الحالية، عزيز أخنوش.
الأول بارع وماهر في الشعبوية populisme وتهييج العواطف وإشعالها وجذب اهتمام الجماهير. وتلاعبُه بعواطف الناس له أربعة أهداف. هدف أول يريد، من خلاله، أن يظهرَ لهؤلاء الناس كمُدافع عن القيم الدينية والاجتماعية التقليدية، وبالتالي، زرع الشك في نفوس الناس. وهدف ثاني يريد، من خلاله، تبييضَ سمعة حزبه وتقوية حضوره في المشهد السياسي الوطني. وهدف ثالث يريد، من خلاله، أن يُظهِرَ حزبَه كالحزب الوحيد الذي يقوم بمهمة المُعارضة السياسية. وهدفٌ رابع يتمثل في بدء حملةٍ انتخابية قبل أوانها.
والثاني لا يُفرِّق بين تدبير مقاولةٍ، بحكم مجال تخصُّصه، وبين العمل الحكومي، وبالتالي، ما يهمه، هو أن يقدِّمَ للشعب المغربي حصيلاتٍ اقتصادية des bilans économiques يراها هو وأغلبيتُه البرلمانية إيجابية بينما، في الحقيقة، لا علاقةَ لها بالمشاكل اليومية التي يعاني منها الناس. وإذا كان الأول قادرا على تهييج عواطف الناس، فالثاني، غالبا ما يتحدى الأول بالتزامه الصمتَ والالتزام بمواصلة عمله اليومي.
والحقيقة كل الحقيقة هو أن أحزابَنا السياسية، بما فيها الحزبان المذكوران أعلاه، غير مؤهَّلة لتدبير الشأن ما دامت غير قادرة على محاربة الفساد. لأن الفسادَ أصبح متغلغلاً في دواليب الدولة وفي المجتمع. والفساد هو العائق الأول للتنمية بجميع تجلِّيأتها. والأحزاب السياسية، إن أرادت أن يكون لتدبيرها للشأن العام مردودية، فعليها أن تُحاربَ الفساد. وإذا لم تحاربه، فإنها تساهم في انتشارِه. وانتشار الفساد يُضيِّع على البلاد فرصاً كثيرةً لخلق الثروة يعود نفعُها بالخير على البلاد والعباد.