يحيى بركات - حين خرجت فتح من القاعة

حين خرجت فتح من القاعة…
هل عرفت نفسها أخيرًا؟

تأملات في مؤتمرٍ بدا كأنه يُرتّب المستقبل…
ويؤجل الأسئلة الكبرى

في تلك الليلة…
لم تكن رام الله تبدو كمدينةٍ تعقد مؤتمرًا تنظيميًا عاديًا.
كانت أقرب إلى مسرحٍ فلسطيني كبير، تتزاحم فوق خشبته كل الشخصيات التي مرّت من تاريخ الحكاية: الفدائي القديم،
ورجل الأمن،
والأسير،
والدبلوماسي،
ورجل الأعمال،
وابن المخيم،
وابن السلطة،
والمنفي الذي لم يعد يرى نفسه داخل القاعة،
والفتحاوي الذي يعرف النتائج مسبقًا… لكنه يبقى جالسًا حتى النهاية، كمن يشاهد فيلمًا يعرف خاتمته لكنه لا يملك رفاهية مغادرة الصالة.
قبل إعلان النتائج بساعات، كان كثيرون يتحدثون بثقةٍ غريبة عن أسماء الداخلين والخارجين من اللجنة المركزية.
لم يكن الأمر نبوءة.
بل معرفة عميقة بطريقة عمل البنية نفسها.
بعضهم نشر القوائم قبل ثلاثة أيام، وبعضهم تحدث عن “عتبة الفوز”، وآخرون كانوا يحسبون الأصوات كما تُحسب موازين القوى لا كما تُحسب أحلام التغيير.
وهنا تحديدًا بدأ السؤال الحقيقي:
إذا كانت النتائج تُقرأ مسبقًا بهذا القدر من الدقة…
فهل نحن أمام انتخاباتٍ تصنع السياسة؟
أم أمام بنية سياسية تصنع حدود الانتخابات مسبقًا؟
حين دخلت فتح القاعة في مؤتمرها الثامن، لم تدخل فقط كحركة تحرر وطني تعقد مؤتمرًا تنظيميًا.
دخلت وهي تحمل فوق كتفيها كل أثقال التجربة الفلسطينية منذ نصف قرن:
بيروت،
أيلول،
الانتفاضة،
أوسلو،
السلطة،
الانقسام،
التنسيق الأمني،
المقاطعة،
الحصار،
غزة،
والوقت الفلسطيني الضائع بين دولة لم تولد… وثورة لم تكتمل.
ولهذا لم يكن المؤتمر مجرد منافسة على المقاعد.
كان محاولة معقدة لإدارة مرحلة كاملة توشك على نهايتها… دون أن يملك أحد شجاعة الاعتراف بذلك علنًا.
في القاعة، كانت فتح تحاول أن تبدو موحدة.
لكن خلف التصفيق، كانت كل فتح تجلس هناك:
فتح الثورة،
فتح السلطة،
فتح الأمن،
فتح المخيم،
فتح الخارج،
فتح رام الله،
فتح الغضب،
وفتح التعب الطويل.
ولهذا جاءت النتائج وكأنها مرآة لكل هذا التناقض.
مروان البرغوثي يتصدر الأصوات من داخل السجن.
كأن الحركة تريد أن تقول إنها ما زالت ترى نفسها في صورة الأسير المقاوم.
وفي اللحظة نفسها يدخل ياسر محمود عباس إلى اللجنة المركزية.
الابن الذي لم يأتِ من الخندق ولا من المنافي ولا من تاريخ العمل التنظيمي الكلاسيكي، بل من عالم السلطة والاقتصاد والنفوذ.
لم يكن المشهد مجرد نجاح شخص وخسارة آخر.
بل صورة مكثفة لتحول فتح نفسها.
بين البرغوثي وياسر عباس تقف الحركة كلها مرتبكة أمام المرآة:
بين الشرعية الثورية والشرعية السلطوية،
بين السجن والمكتب،
بين الذاكرة الأولى وبنية الحكم الطويلة.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يتحول اسم ياسر عباس إلى أكثر الأسماء إثارة للجدل بعد المؤتمر.
فبالنسبة لكثيرين لم يكن دخوله مجرد فوز انتخابي، بل إعلانًا رمزيًا عن طبيعة المرحلة المقبلة، وعن شكل القوة الحقيقية داخل النظام الفلسطيني.
وفي المقابل، لم يكن تصدر مروان البرغوثي مجرد تفصيل عاطفي.
بل رسالة من القاعدة الفتحاوية تقول إن ذاكرة الانتفاضة لم تمت بعد، وإن الحركة ما زالت تحتاج إلى شرعية الأسرى حتى وهي تتحول تدريجيًا إلى بنية سلطة.
أما توفيق الطيراوي، فكان نجاحه واحدًا من أكثر المشاهد دلالة.
الرجل الذي لوّح قبل المؤتمر بملفات فساد وصراعات داخلية، والذي يعرف بحكم موقعه الأمني السابق أدق تفاصيل النظام الفلسطيني في أكثر مراحله حساسية… عاد ونجح داخل البنية نفسها.
وهنا فهم كثيرون أن فتح لم تعد تُدار فقط بالبرنامج السياسي أو الشرعية التاريخية، بل أيضًا بمنطق:
مراكز القوة،
والتوازنات الأمنية،
والمعرفة الداخلية،
والقدرة على التأثير داخل الشبكة المعقدة للنظام.
لم يكن المؤتمر يسعى إلى حسم التناقضات.
بل إلى تنظيم التعايش بينها داخل سقف واحد.
ولهذا بدا أحيانًا وكأنه: عملية “احتواء داخلي” أكثر من كونه صراعًا فكريًا واضحًا.
بعض الفتحاويين القدامى نظروا إلى النتائج بحزنٍ ثقيل.
سميح خلف كتب بغضبٍ واضح أن “المدرسة الأمنية ورأس المال” انتصرت، وأن فتح الثورة تتراجع أمام فتح النفوذ والسلطة.
آخرون ترحموا على الحركة وكأنها تغادر زمنها التاريخي بهدوء.
وفي المقابل، خرجت أصوات أخرى أكثر هدوءًا وواقعية، مثل حسن أبو لبدة، لتقول إن المؤتمر أدى الغرض المطلوب منه:
تجنب الانفجار،
أعاد ترتيب التوازنات،
وأجّل الملفات الكبرى إلى وقت لاحق.
بينما اختار حسام زملط، رغم خسارته، لغة مختلفة تمامًا: لغة الدولة والانضباط والوحدة الوطنية، مؤكدًا أن فتح ستبقى الحركة الأقدر على جمع الفلسطينيين في الوطن والشتات.
وكأن كل واحد من أبناء الحركة كان يرى في المؤتمر: فتح الخاصة به.
هناك من رأى انتصارًا للأمن.
وهناك من رأى انتصارًا للمخيمات.
وهناك من رأى تكريسًا للسلطة.
وهناك من رأى محاولة إنقاذ للحركة.
كأن الجميع يشاهد الفيلم نفسه… لكن كل واحد يخرج بحكاية مختلفة.
وفي مكانٍ آخر من المشهد…
كانت غزة تراقب النتائج بمرارة.
غزة التي تُذبح منذ شهور تحت حرب إبادة مفتوحة، والتي أعادت فلسطين إلى ضمير العالم عبر الدم والركام والصورة، شعرت أن تمثيلها في اللجنة المركزية لا يوازي حجم ما دفعته.
كثيرون لم يكونوا يتحدثون عن عدد المقاعد فقط، بل عن معنى التمثيل نفسه.
هل ما زالت الحركة ترى غزة مركزًا أخلاقيًا ووطنيًا للمشروع الفلسطيني؟
أم أن مركز الثقل الحقيقي انتقل بالكامل إلى بنية السلطة في الضفة؟
وفي المقابل، حاول آخرون القول إن نجاح شخصيات مرتبطة بملف اللاجئين أو غزة يمثل انحيازًا رمزيًا لها.
وهكذا أصبحت النتائج نفسها مادةً لتفسيرات متناقضة.
الأكثر إيلامًا ربما لم يكن من خسر داخل القاعة…
بل من بقي خارجها أصلًا.
ناصر القدوة غاب.
محمد دحلان وتياره بقوا خارج المشهد الرسمي بالكامل.
كوادر من لبنان وسوريا والأردن ومصر والشتات شعروا أن فتح التي عرفوها في الساحات والمخيمات تضيق أكثر فأكثر داخل مركز القرار في رام الله.
حتى عباس زكي، أحد آخر وجوه فتح الخارجية والقومية القديمة، خرج بهدوء من المشهد.
ولم يكن خروجه مجرد خسارة مقعد.
كان خروج زمن كامل: زمن الساحات، والإذاعات السرية، والمخيمات، والعواصم العربية التي كانت فتح تتنفس منها.
وفي عمق كل هذا، بقي السؤال الذي لم يناقشه المؤتمر أصلًا:
إلى أين تذهب فلسطين؟
لم يناقشوا:
مستقبل أوسلو،
ولا شكل المقاومة،
ولا معنى السلطة بعد كل هذا الخراب،
ولا سؤال الخلافة،
ولا كيف يُعاد بناء المشروع الوطني.
كأن الجميع كان يخشى الاقتراب من الأسئلة الكبرى، لأن الاقتراب منها قد يهز البنية كلها.
ولهذا بدا المؤتمر كأنه: محاولة لإدارة الوقت الفلسطيني أكثر من كونه محاولة لإعادة تعريفه.
ربما لهذا تحديدًا كان مقال الدكتورة غانية ملحيس شديد الدقة حين تحدث عن شيخوخة الأدوات لا شيخوخة القضية.
فالأزمة ليست أن الفلسطينيين فقدوا إرادتهم.
بل أن العالم تغيّر:
السياسة تغيّرت،
أشكال المقاومة تغيّرت،
الوعي العالمي تغيّر،
بينما ما زالت البنية الفلسطينية تحاول إدارة الحاضر بأدوات زمن آخر.
وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة تحرر، كما كتبت غانية، ليس الهزيمة فقط…
بل أن تتحول ذاكرتها البطولية إلى عائق يمنعها من رؤية التحولات الجديدة.
لكن غانية لم تكن وحدها من قرأ المشهد بهذا العمق.
فالكثير من الأصوات، حتى الغاضبة منها، كانت تقول الشيء نفسه بطرق مختلفة: إن الأزمة لم تعد أزمة أشخاص فقط… بل أزمة مرحلة كاملة تقترب من نهايتها التاريخية دون أن يولد البديل بعد.
في مكانٍ ما…
ربما كان أبو علي إياد ينظر إلى هذه الأسماء بصمتٍ ثقيل.
لا ليسأل: من فاز؟
بل ليسأل: كيف وصلت حركة خرجت من الخنادق والمخيمات إلى هذا التعقيد كله؟
لكن الحقيقة أيضًا أكثر قسوة من الحنين السهل.
فالتاريخ لا يعود إلى الوراء.
ولا الحركات تبقى كما وُلدت.
وفتح، بكل ما فيها من بطولة وأخطاء وتناقضات، ليست فقط ضحية التحولات… بل واحدة من صانعيها أيضًا.
ولهذا فإن السؤال الفلسطيني الحقيقي اليوم لم يعد: من يجلس في اللجنة المركزية؟
بل: هل ما زالت الحركة قادرة على إنتاج أفق وطني جديد؟
أم أنها أصبحت تدير فقط بقاءها داخل مرحلة انتقالية عمرها أكثر من ثلاثين عامًا؟
الأخطر من كل ذلك…
أن يتحول ما جرى في مؤتمر فتح إلى نموذج يُعاد نسخه لاحقًا على:
الانتخابات التشريعية،
والرئاسية،
وحتى انتخابات المجلس الوطني.
أن تبقى الديمقراطية مجرد آلية لإعادة إنتاج البنية نفسها، لا وسيلة لإعادة بناء المشروع الوطني.
فالفلسطيني اليوم لا يحتاج فقط إلى صندوق اقتراع…
بل إلى حامل سياسي وطني جامع، يعيد تعريف:
معنى التحرر،
ومعنى التمثيل،
ومعنى السلطة،
ومعنى المقاومة،
ومعنى فلسطين نفسها بعد كل هذا الخراب.
لأن الانتخابات، مهما كانت مهمة، لا تكفي وحدها إذا بقيت الأسئلة الكبرى مؤجلة إلى ما لا نهاية.
وفي النهاية…
ربما لم يعد الفلسطيني يخاف فقط من خسارة الأرض.
بل من أن يتحول كل شيء إلى إدارةٍ طويلة للهزيمة… بأسماءٍ مختلفة، وخطاباتٍ مختلفة، ونتائج يعرفها الجميع مسبقًا.
أما فلسطين…
فما زالت تنتظر نصًا جديدًا يليق بكل هذا الدم.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
17/5/2026





FB_IMG_1779025763451.jpg

تعليقات

غانية ملحيس


حين تتقدم البنية على المشروع - قراءة في مقال يحيى بركات

تكمن أهمية مقال يحيى بركات" حين خرجت فتح من القاعة… هل عرفت نفسها أخيرا؟" في أنه لم يتعامل مع مؤتمر فتح الثامن كحدث تنظيمي، بل بوصفه تكثيفا لحالة سياسية فلسطينية ممتدة، تتداخل فيها الذاكرة مع السلطة، والثورة مع الإدارة، والرمز مع آليات الاستمرار اليومي.
بهذا المعنى، ينجح يحيى في تجاوز الوصف إلى تفكيك “منطق إنتاج المشهد”، وليس المشهد نفسه فقط.
هذه النقلة من الحدث إلى البنية، تسمح بفهم المؤتمرالثامن لفتح كحلقة في سلسلة طويلة من إعادة ترتيب العلاقة بين الشرعية التاريخية، والشرعية الوظيفية داخل النظام السياسي الفلسطيني.

وفي هذا السياق، تتقاطع قراءة يحيى، ولو بشكل غير مباشر، مع قراءات أخرى تناولت الأزمة الفلسطينية بوصفها أزمة مرحلة لا أزمة إدارة فقط، كما في مقالي “حين تقترب الحرية وتشيخ الأدوات”، الذي طرح فكرة أن التحول الجوهري لا يكمن في تعثر المشروع الوطني، بل في اهتراء الإطار التاريخي الذي كان ينتج هذا المشروع ويمنحه قابلية الاستمرار. هذا التقاطع لا يقوم على التطابق، بل على الإقرار المشترك بأن السؤال الفلسطيني لم يعد يُختزل في الفاعل السياسي، بل في شروط إنتاج الفعل نفسه.

غير أن ما يفتحه مقال يحيى من أفق تحليلي يحتاج إلى دفع إضافي في اتجاه التفكيك البنيوي. فحين يُقرأ المؤتمر بوصفه “إدارة للتناقضات” أو “تنظيما للتعدد داخل البنية”، فإن هذا التوصيف، رغم دقته، يظل داخل مستوى توصيف الاستقرار النسبي للتناقض، دون الانتقال إلى سؤال: ما الذي يجعل هذا الاستقرار ممكنا أصلا رغم تراكم الانسداد السياسي والتاريخي؟
بمعنى أدق، لا يكفي فهم كيفية تعايش فتح مع تناقضاتها الداخلية، بل ينبغي مساءلة الشروط التي تجعل هذا التعايش قابلا للاستمرار: أي العلاقة بين إنتاج الشرعية، وتوزيع السلطة، وإعادة إنتاج البنية التنظيمية نفسها كضرورة تاريخية، أكثر من كونها خيارا سياسيا.
ومن هنا، تصبح مفارقات مثل غزة والتمثيل، أو الداخل والخارج، أو الثورة والسلطة، ليست مجرد تعبيرات عن اختلال في التمثيل، بل مؤشرات على تحول أعمق في معنى التمثيل ذاته: من كونه أداة لتمثيل مشروع سياسي، إلى كونه آلية لإبقاء المشروع قابلا للإدارة داخل زمن لم يعد ينتج أفقا واضحا للتحول.
ومع ذلك، تبقى إحدى أهم نقاط قوة مقال يحيى أنه يشتغل على التفاصيل ليس كزينة سردية، بل كمداخل تحليلية: الأسماء، التوازنات، الغياب والحضور، وتوزيع المواقع داخل المؤتمر. هذا الاشتغال يمنح المقال قدرة على إظهار أن السياسة لا تُمارس فقط في مستوى الخطاب، بل في هندسة دقيقة للعلاقات داخل البنية نفسها.
لكن هذا أيضا يفتح سؤالا إضافيا لا يطرحه يحيى بشكل مباشر: هل تكفي قراءة السياسة عبر تفاصيل إعادة توزيعها داخل المؤسسة، أم أن هذه التفاصيل نفسها لم تعد كافية لفهم التحول الأوسع في معنى السياسة الفلسطينية، أي انتقالها من مشروع تاريخي إلى بنية إدارة تاريخية ممتدة؟
في هذا المستوى، يتقاطع مقالانا مرة أخرى عند نقطة مركزية: أن الأزمة الفلسطينية لم تعد أزمة خيارات داخل مشروع قائم، بل أزمة في تعريف المشروع نفسه داخل زمن تغيّرت فيه شروط الفعل السياسي، ومعايير إنتاج الفاعلية، وحدود الممكن.
ولهذا، فإن أهمية مقال يحيى بركات لا تكمن في تقديم قراءة مكتملة، بل في أنه يفتح مدخلا مهما لفهم البنية من داخلها، ويترك في الوقت نفسه مساحة ضرورية لسؤال إضافي: كيف تُفهم هذه البنية عندما لا تعود قادرة على إنتاج أفقها، بل فقط على إعادة ترتيب استمرارها؟
وفي النهاية، ما يكشفه يحيى بركات، وما يتقاطع معه من قراءات نقدية أخرى، ليس مجرد تعثر في إدارة اللحظة الفلسطينية، بل تحول أعمق في طبيعة اللحظة نفسها: انتقال السياسة من كونها أفقا لإنتاج الممكن، إلى كونها تقنية لإدارة المتاح.
بهذا المعنى، لا تعود الإشكالية محصورة في “من يحكم فتح” أو “كيف تُدار المؤسسة”، بل في السؤال الأسبق الذي يتم تأجيله باستمرار: ما الذي يجعل هذه المؤسسة، بكل تناقضاتها، ما تزال قادرة على إنتاج شكل من الاستمرارية داخل زمن لم يعد ينتج شروط الاستمرار نفسها؟
هنا تحديدا تتخذ الأزمة معناها الأقصى: ليست أزمة قيادة، ولا تمثيل، بل أزمة علاقة بين البنية والزمن. بين حركة ما تزال تتصرف كأنها داخل تاريخ مفتوح، وزمن سياسي يبدو أنه بدأ يُغلق شروط هذا الانفتاح، أو يعيد تعريفه من خارجه.
وعند هذه النقطة، يصبح السؤال الفلسطيني أقل ارتباطا بإدارة الصراع، وأكثر ارتباطا بقدرة الفعل السياسي نفسه على إعادة تعريف ذاته:
هل ما يزال ممكنا إنتاج “مشروع” داخل هذا السياق، أم أن ما تبقى هو فقط إدارة متقدمة لتعقيد تاريخي لم يعد يقبل الحلول التقليدية؟
إن ما يفتحه مقال يحيى بركات - في عمقه غير المعلن - هو أن التحدي لم يعد في تحسين أدوات السياسة، بل في مساءلة الافتراض الذي جعل هذه الأدوات تبدو صالحة أصلا لزمنها الممتد.
وهنا يبدأ التحول الحقيقي: عندما تصبح السياسة نفسها موضوعا للسؤال، وليس مجرد مجال للإجابة.
غانية ملحيس
17/5/2026



*******



يحيى بركات



العزيزة د. غانية ملحيس،
قرأتُ نصكِ كما يُقرأ نصٌ لا يكتفي بمناقشة مقال، بل يفتح جدارًا كاملاً خلفه.
ما أضفتِه لم يكن مجرد قراءة أو تعليق على ما كتبتُه حول مؤتمر فتح الثامن، بل نقلٌ للنقاش من مستوى الحدث إلى مستوى البنية، ومن تفاصيل المشهد إلى سؤال الزمن الفلسطيني نفسه.
كنتُ أحاول في مقالي أن أقرأ المؤتمر بوصفه مرآة لتحولات الحركة الوطنية الفلسطينية، وأن أفهم كيف تحولت فتح من حركة تحرر إلى بنية تُدير السلطة والتوازنات والخوف من الانهيار، لكنكِ دفعتِ السؤال إلى مكانٍ أكثر عمقًا وخطورة: ليس فقط كيف تُدار التناقضات داخل البنية… بل ما الذي يجعل هذه البنية قادرة أصلًا على الاستمرار رغم كل هذا الانسداد السياسي والتاريخي؟
هنا تحديدًا شعرتُ أن النص خرج من حدود “مقال رأي” إلى أفقٍ فكري أوسع.
تقاطعتِ مع ما حاولتُ التقاطه intuitively، لكنكِ صغتِه فلسفيًا بكثافة شديدة، خاصة حين وضعتِ يدكِ على التحول الأخطر: انتقال السياسة الفلسطينية من كونها أفقًا لإنتاج الممكن… إلى كونها تقنية لإدارة المتاح.
هذه الجملة وحدها لا تشرح مؤتمر فتح فقط، بل تفتح الباب لقراءة مرحلة فلسطينية كاملة:
منظمة التحرير،
السلطة،
الانتخابات القادمة،
معنى التمثيل،
أزمة الشرعية،
وأزمة السياسة الفلسطينية نفسها في القرن الحادي والعشرين.
ما كتبتهِ يجعلنا نقترب من السؤال الذي جرى تأجيله طويلًا: هل ما زلنا نملك مشروعًا سياسيًا ينتج أفقًا للتحرر؟ أم أننا أصبحنا ندير بنية تاريخية تحاول فقط إعادة إنتاج استمرارها؟
وأعتقد أن هذا النوع من الحوار بين النصوص هو ما تحتاجه الحالة الفلسطينية اليوم: أن تتحول الكتابة من ردود فعل آنية، أو مقالات مناسبات، إلى مسار فكري حي، يشتبك مع الأسئلة الكبرى بدل الهروب منها.
كل التقدير والمحبة، ولعل أخطر ما في كتابتكِ أنها لا تمنح القارئ أجوبة جاهزة… بل تدفعه إلى إعادة مساءلة السياسة نفسها، لا فقط من يمارسها.
يحيى بركات
17/5/2026
 
أعلى