حين خرجت فتح من القاعة…
هل عرفت نفسها أخيرًا؟
تأملات في مؤتمرٍ بدا كأنه يُرتّب المستقبل…
ويؤجل الأسئلة الكبرى
في تلك الليلة…
لم تكن رام الله تبدو كمدينةٍ تعقد مؤتمرًا تنظيميًا عاديًا.
كانت أقرب إلى مسرحٍ فلسطيني كبير، تتزاحم فوق خشبته كل الشخصيات التي مرّت من تاريخ الحكاية: الفدائي القديم،
ورجل الأمن،
والأسير،
والدبلوماسي،
ورجل الأعمال،
وابن المخيم،
وابن السلطة،
والمنفي الذي لم يعد يرى نفسه داخل القاعة،
والفتحاوي الذي يعرف النتائج مسبقًا… لكنه يبقى جالسًا حتى النهاية، كمن يشاهد فيلمًا يعرف خاتمته لكنه لا يملك رفاهية مغادرة الصالة.
قبل إعلان النتائج بساعات، كان كثيرون يتحدثون بثقةٍ غريبة عن أسماء الداخلين والخارجين من اللجنة المركزية.
لم يكن الأمر نبوءة.
بل معرفة عميقة بطريقة عمل البنية نفسها.
بعضهم نشر القوائم قبل ثلاثة أيام، وبعضهم تحدث عن “عتبة الفوز”، وآخرون كانوا يحسبون الأصوات كما تُحسب موازين القوى لا كما تُحسب أحلام التغيير.
وهنا تحديدًا بدأ السؤال الحقيقي:
إذا كانت النتائج تُقرأ مسبقًا بهذا القدر من الدقة…
فهل نحن أمام انتخاباتٍ تصنع السياسة؟
أم أمام بنية سياسية تصنع حدود الانتخابات مسبقًا؟
حين دخلت فتح القاعة في مؤتمرها الثامن، لم تدخل فقط كحركة تحرر وطني تعقد مؤتمرًا تنظيميًا.
دخلت وهي تحمل فوق كتفيها كل أثقال التجربة الفلسطينية منذ نصف قرن:
بيروت،
أيلول،
الانتفاضة،
أوسلو،
السلطة،
الانقسام،
التنسيق الأمني،
المقاطعة،
الحصار،
غزة،
والوقت الفلسطيني الضائع بين دولة لم تولد… وثورة لم تكتمل.
ولهذا لم يكن المؤتمر مجرد منافسة على المقاعد.
كان محاولة معقدة لإدارة مرحلة كاملة توشك على نهايتها… دون أن يملك أحد شجاعة الاعتراف بذلك علنًا.
في القاعة، كانت فتح تحاول أن تبدو موحدة.
لكن خلف التصفيق، كانت كل فتح تجلس هناك:
فتح الثورة،
فتح السلطة،
فتح الأمن،
فتح المخيم،
فتح الخارج،
فتح رام الله،
فتح الغضب،
وفتح التعب الطويل.
ولهذا جاءت النتائج وكأنها مرآة لكل هذا التناقض.
مروان البرغوثي يتصدر الأصوات من داخل السجن.
كأن الحركة تريد أن تقول إنها ما زالت ترى نفسها في صورة الأسير المقاوم.
وفي اللحظة نفسها يدخل ياسر محمود عباس إلى اللجنة المركزية.
الابن الذي لم يأتِ من الخندق ولا من المنافي ولا من تاريخ العمل التنظيمي الكلاسيكي، بل من عالم السلطة والاقتصاد والنفوذ.
لم يكن المشهد مجرد نجاح شخص وخسارة آخر.
بل صورة مكثفة لتحول فتح نفسها.
بين البرغوثي وياسر عباس تقف الحركة كلها مرتبكة أمام المرآة:
بين الشرعية الثورية والشرعية السلطوية،
بين السجن والمكتب،
بين الذاكرة الأولى وبنية الحكم الطويلة.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يتحول اسم ياسر عباس إلى أكثر الأسماء إثارة للجدل بعد المؤتمر.
فبالنسبة لكثيرين لم يكن دخوله مجرد فوز انتخابي، بل إعلانًا رمزيًا عن طبيعة المرحلة المقبلة، وعن شكل القوة الحقيقية داخل النظام الفلسطيني.
وفي المقابل، لم يكن تصدر مروان البرغوثي مجرد تفصيل عاطفي.
بل رسالة من القاعدة الفتحاوية تقول إن ذاكرة الانتفاضة لم تمت بعد، وإن الحركة ما زالت تحتاج إلى شرعية الأسرى حتى وهي تتحول تدريجيًا إلى بنية سلطة.
أما توفيق الطيراوي، فكان نجاحه واحدًا من أكثر المشاهد دلالة.
الرجل الذي لوّح قبل المؤتمر بملفات فساد وصراعات داخلية، والذي يعرف بحكم موقعه الأمني السابق أدق تفاصيل النظام الفلسطيني في أكثر مراحله حساسية… عاد ونجح داخل البنية نفسها.
وهنا فهم كثيرون أن فتح لم تعد تُدار فقط بالبرنامج السياسي أو الشرعية التاريخية، بل أيضًا بمنطق:
مراكز القوة،
والتوازنات الأمنية،
والمعرفة الداخلية،
والقدرة على التأثير داخل الشبكة المعقدة للنظام.
لم يكن المؤتمر يسعى إلى حسم التناقضات.
بل إلى تنظيم التعايش بينها داخل سقف واحد.
ولهذا بدا أحيانًا وكأنه: عملية “احتواء داخلي” أكثر من كونه صراعًا فكريًا واضحًا.
بعض الفتحاويين القدامى نظروا إلى النتائج بحزنٍ ثقيل.
سميح خلف كتب بغضبٍ واضح أن “المدرسة الأمنية ورأس المال” انتصرت، وأن فتح الثورة تتراجع أمام فتح النفوذ والسلطة.
آخرون ترحموا على الحركة وكأنها تغادر زمنها التاريخي بهدوء.
وفي المقابل، خرجت أصوات أخرى أكثر هدوءًا وواقعية، مثل حسن أبو لبدة، لتقول إن المؤتمر أدى الغرض المطلوب منه:
تجنب الانفجار،
أعاد ترتيب التوازنات،
وأجّل الملفات الكبرى إلى وقت لاحق.
بينما اختار حسام زملط، رغم خسارته، لغة مختلفة تمامًا: لغة الدولة والانضباط والوحدة الوطنية، مؤكدًا أن فتح ستبقى الحركة الأقدر على جمع الفلسطينيين في الوطن والشتات.
وكأن كل واحد من أبناء الحركة كان يرى في المؤتمر: فتح الخاصة به.
هناك من رأى انتصارًا للأمن.
وهناك من رأى انتصارًا للمخيمات.
وهناك من رأى تكريسًا للسلطة.
وهناك من رأى محاولة إنقاذ للحركة.
كأن الجميع يشاهد الفيلم نفسه… لكن كل واحد يخرج بحكاية مختلفة.
وفي مكانٍ آخر من المشهد…
كانت غزة تراقب النتائج بمرارة.
غزة التي تُذبح منذ شهور تحت حرب إبادة مفتوحة، والتي أعادت فلسطين إلى ضمير العالم عبر الدم والركام والصورة، شعرت أن تمثيلها في اللجنة المركزية لا يوازي حجم ما دفعته.
كثيرون لم يكونوا يتحدثون عن عدد المقاعد فقط، بل عن معنى التمثيل نفسه.
هل ما زالت الحركة ترى غزة مركزًا أخلاقيًا ووطنيًا للمشروع الفلسطيني؟
أم أن مركز الثقل الحقيقي انتقل بالكامل إلى بنية السلطة في الضفة؟
وفي المقابل، حاول آخرون القول إن نجاح شخصيات مرتبطة بملف اللاجئين أو غزة يمثل انحيازًا رمزيًا لها.
وهكذا أصبحت النتائج نفسها مادةً لتفسيرات متناقضة.
الأكثر إيلامًا ربما لم يكن من خسر داخل القاعة…
بل من بقي خارجها أصلًا.
ناصر القدوة غاب.
محمد دحلان وتياره بقوا خارج المشهد الرسمي بالكامل.
كوادر من لبنان وسوريا والأردن ومصر والشتات شعروا أن فتح التي عرفوها في الساحات والمخيمات تضيق أكثر فأكثر داخل مركز القرار في رام الله.
حتى عباس زكي، أحد آخر وجوه فتح الخارجية والقومية القديمة، خرج بهدوء من المشهد.
ولم يكن خروجه مجرد خسارة مقعد.
كان خروج زمن كامل: زمن الساحات، والإذاعات السرية، والمخيمات، والعواصم العربية التي كانت فتح تتنفس منها.
وفي عمق كل هذا، بقي السؤال الذي لم يناقشه المؤتمر أصلًا:
إلى أين تذهب فلسطين؟
لم يناقشوا:
مستقبل أوسلو،
ولا شكل المقاومة،
ولا معنى السلطة بعد كل هذا الخراب،
ولا سؤال الخلافة،
ولا كيف يُعاد بناء المشروع الوطني.
كأن الجميع كان يخشى الاقتراب من الأسئلة الكبرى، لأن الاقتراب منها قد يهز البنية كلها.
ولهذا بدا المؤتمر كأنه: محاولة لإدارة الوقت الفلسطيني أكثر من كونه محاولة لإعادة تعريفه.
ربما لهذا تحديدًا كان مقال الدكتورة غانية ملحيس شديد الدقة حين تحدث عن شيخوخة الأدوات لا شيخوخة القضية.
فالأزمة ليست أن الفلسطينيين فقدوا إرادتهم.
بل أن العالم تغيّر:
السياسة تغيّرت،
أشكال المقاومة تغيّرت،
الوعي العالمي تغيّر،
بينما ما زالت البنية الفلسطينية تحاول إدارة الحاضر بأدوات زمن آخر.
وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة تحرر، كما كتبت غانية، ليس الهزيمة فقط…
بل أن تتحول ذاكرتها البطولية إلى عائق يمنعها من رؤية التحولات الجديدة.
لكن غانية لم تكن وحدها من قرأ المشهد بهذا العمق.
فالكثير من الأصوات، حتى الغاضبة منها، كانت تقول الشيء نفسه بطرق مختلفة: إن الأزمة لم تعد أزمة أشخاص فقط… بل أزمة مرحلة كاملة تقترب من نهايتها التاريخية دون أن يولد البديل بعد.
في مكانٍ ما…
ربما كان أبو علي إياد ينظر إلى هذه الأسماء بصمتٍ ثقيل.
لا ليسأل: من فاز؟
بل ليسأل: كيف وصلت حركة خرجت من الخنادق والمخيمات إلى هذا التعقيد كله؟
لكن الحقيقة أيضًا أكثر قسوة من الحنين السهل.
فالتاريخ لا يعود إلى الوراء.
ولا الحركات تبقى كما وُلدت.
وفتح، بكل ما فيها من بطولة وأخطاء وتناقضات، ليست فقط ضحية التحولات… بل واحدة من صانعيها أيضًا.
ولهذا فإن السؤال الفلسطيني الحقيقي اليوم لم يعد: من يجلس في اللجنة المركزية؟
بل: هل ما زالت الحركة قادرة على إنتاج أفق وطني جديد؟
أم أنها أصبحت تدير فقط بقاءها داخل مرحلة انتقالية عمرها أكثر من ثلاثين عامًا؟
الأخطر من كل ذلك…
أن يتحول ما جرى في مؤتمر فتح إلى نموذج يُعاد نسخه لاحقًا على:
الانتخابات التشريعية،
والرئاسية،
وحتى انتخابات المجلس الوطني.
أن تبقى الديمقراطية مجرد آلية لإعادة إنتاج البنية نفسها، لا وسيلة لإعادة بناء المشروع الوطني.
فالفلسطيني اليوم لا يحتاج فقط إلى صندوق اقتراع…
بل إلى حامل سياسي وطني جامع، يعيد تعريف:
معنى التحرر،
ومعنى التمثيل،
ومعنى السلطة،
ومعنى المقاومة،
ومعنى فلسطين نفسها بعد كل هذا الخراب.
لأن الانتخابات، مهما كانت مهمة، لا تكفي وحدها إذا بقيت الأسئلة الكبرى مؤجلة إلى ما لا نهاية.
وفي النهاية…
ربما لم يعد الفلسطيني يخاف فقط من خسارة الأرض.
بل من أن يتحول كل شيء إلى إدارةٍ طويلة للهزيمة… بأسماءٍ مختلفة، وخطاباتٍ مختلفة، ونتائج يعرفها الجميع مسبقًا.
أما فلسطين…
فما زالت تنتظر نصًا جديدًا يليق بكل هذا الدم.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
17/5/2026
هل عرفت نفسها أخيرًا؟
تأملات في مؤتمرٍ بدا كأنه يُرتّب المستقبل…
ويؤجل الأسئلة الكبرى
في تلك الليلة…
لم تكن رام الله تبدو كمدينةٍ تعقد مؤتمرًا تنظيميًا عاديًا.
كانت أقرب إلى مسرحٍ فلسطيني كبير، تتزاحم فوق خشبته كل الشخصيات التي مرّت من تاريخ الحكاية: الفدائي القديم،
ورجل الأمن،
والأسير،
والدبلوماسي،
ورجل الأعمال،
وابن المخيم،
وابن السلطة،
والمنفي الذي لم يعد يرى نفسه داخل القاعة،
والفتحاوي الذي يعرف النتائج مسبقًا… لكنه يبقى جالسًا حتى النهاية، كمن يشاهد فيلمًا يعرف خاتمته لكنه لا يملك رفاهية مغادرة الصالة.
قبل إعلان النتائج بساعات، كان كثيرون يتحدثون بثقةٍ غريبة عن أسماء الداخلين والخارجين من اللجنة المركزية.
لم يكن الأمر نبوءة.
بل معرفة عميقة بطريقة عمل البنية نفسها.
بعضهم نشر القوائم قبل ثلاثة أيام، وبعضهم تحدث عن “عتبة الفوز”، وآخرون كانوا يحسبون الأصوات كما تُحسب موازين القوى لا كما تُحسب أحلام التغيير.
وهنا تحديدًا بدأ السؤال الحقيقي:
إذا كانت النتائج تُقرأ مسبقًا بهذا القدر من الدقة…
فهل نحن أمام انتخاباتٍ تصنع السياسة؟
أم أمام بنية سياسية تصنع حدود الانتخابات مسبقًا؟
حين دخلت فتح القاعة في مؤتمرها الثامن، لم تدخل فقط كحركة تحرر وطني تعقد مؤتمرًا تنظيميًا.
دخلت وهي تحمل فوق كتفيها كل أثقال التجربة الفلسطينية منذ نصف قرن:
بيروت،
أيلول،
الانتفاضة،
أوسلو،
السلطة،
الانقسام،
التنسيق الأمني،
المقاطعة،
الحصار،
غزة،
والوقت الفلسطيني الضائع بين دولة لم تولد… وثورة لم تكتمل.
ولهذا لم يكن المؤتمر مجرد منافسة على المقاعد.
كان محاولة معقدة لإدارة مرحلة كاملة توشك على نهايتها… دون أن يملك أحد شجاعة الاعتراف بذلك علنًا.
في القاعة، كانت فتح تحاول أن تبدو موحدة.
لكن خلف التصفيق، كانت كل فتح تجلس هناك:
فتح الثورة،
فتح السلطة،
فتح الأمن،
فتح المخيم،
فتح الخارج،
فتح رام الله،
فتح الغضب،
وفتح التعب الطويل.
ولهذا جاءت النتائج وكأنها مرآة لكل هذا التناقض.
مروان البرغوثي يتصدر الأصوات من داخل السجن.
كأن الحركة تريد أن تقول إنها ما زالت ترى نفسها في صورة الأسير المقاوم.
وفي اللحظة نفسها يدخل ياسر محمود عباس إلى اللجنة المركزية.
الابن الذي لم يأتِ من الخندق ولا من المنافي ولا من تاريخ العمل التنظيمي الكلاسيكي، بل من عالم السلطة والاقتصاد والنفوذ.
لم يكن المشهد مجرد نجاح شخص وخسارة آخر.
بل صورة مكثفة لتحول فتح نفسها.
بين البرغوثي وياسر عباس تقف الحركة كلها مرتبكة أمام المرآة:
بين الشرعية الثورية والشرعية السلطوية،
بين السجن والمكتب،
بين الذاكرة الأولى وبنية الحكم الطويلة.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يتحول اسم ياسر عباس إلى أكثر الأسماء إثارة للجدل بعد المؤتمر.
فبالنسبة لكثيرين لم يكن دخوله مجرد فوز انتخابي، بل إعلانًا رمزيًا عن طبيعة المرحلة المقبلة، وعن شكل القوة الحقيقية داخل النظام الفلسطيني.
وفي المقابل، لم يكن تصدر مروان البرغوثي مجرد تفصيل عاطفي.
بل رسالة من القاعدة الفتحاوية تقول إن ذاكرة الانتفاضة لم تمت بعد، وإن الحركة ما زالت تحتاج إلى شرعية الأسرى حتى وهي تتحول تدريجيًا إلى بنية سلطة.
أما توفيق الطيراوي، فكان نجاحه واحدًا من أكثر المشاهد دلالة.
الرجل الذي لوّح قبل المؤتمر بملفات فساد وصراعات داخلية، والذي يعرف بحكم موقعه الأمني السابق أدق تفاصيل النظام الفلسطيني في أكثر مراحله حساسية… عاد ونجح داخل البنية نفسها.
وهنا فهم كثيرون أن فتح لم تعد تُدار فقط بالبرنامج السياسي أو الشرعية التاريخية، بل أيضًا بمنطق:
مراكز القوة،
والتوازنات الأمنية،
والمعرفة الداخلية،
والقدرة على التأثير داخل الشبكة المعقدة للنظام.
لم يكن المؤتمر يسعى إلى حسم التناقضات.
بل إلى تنظيم التعايش بينها داخل سقف واحد.
ولهذا بدا أحيانًا وكأنه: عملية “احتواء داخلي” أكثر من كونه صراعًا فكريًا واضحًا.
بعض الفتحاويين القدامى نظروا إلى النتائج بحزنٍ ثقيل.
سميح خلف كتب بغضبٍ واضح أن “المدرسة الأمنية ورأس المال” انتصرت، وأن فتح الثورة تتراجع أمام فتح النفوذ والسلطة.
آخرون ترحموا على الحركة وكأنها تغادر زمنها التاريخي بهدوء.
وفي المقابل، خرجت أصوات أخرى أكثر هدوءًا وواقعية، مثل حسن أبو لبدة، لتقول إن المؤتمر أدى الغرض المطلوب منه:
تجنب الانفجار،
أعاد ترتيب التوازنات،
وأجّل الملفات الكبرى إلى وقت لاحق.
بينما اختار حسام زملط، رغم خسارته، لغة مختلفة تمامًا: لغة الدولة والانضباط والوحدة الوطنية، مؤكدًا أن فتح ستبقى الحركة الأقدر على جمع الفلسطينيين في الوطن والشتات.
وكأن كل واحد من أبناء الحركة كان يرى في المؤتمر: فتح الخاصة به.
هناك من رأى انتصارًا للأمن.
وهناك من رأى انتصارًا للمخيمات.
وهناك من رأى تكريسًا للسلطة.
وهناك من رأى محاولة إنقاذ للحركة.
كأن الجميع يشاهد الفيلم نفسه… لكن كل واحد يخرج بحكاية مختلفة.
وفي مكانٍ آخر من المشهد…
كانت غزة تراقب النتائج بمرارة.
غزة التي تُذبح منذ شهور تحت حرب إبادة مفتوحة، والتي أعادت فلسطين إلى ضمير العالم عبر الدم والركام والصورة، شعرت أن تمثيلها في اللجنة المركزية لا يوازي حجم ما دفعته.
كثيرون لم يكونوا يتحدثون عن عدد المقاعد فقط، بل عن معنى التمثيل نفسه.
هل ما زالت الحركة ترى غزة مركزًا أخلاقيًا ووطنيًا للمشروع الفلسطيني؟
أم أن مركز الثقل الحقيقي انتقل بالكامل إلى بنية السلطة في الضفة؟
وفي المقابل، حاول آخرون القول إن نجاح شخصيات مرتبطة بملف اللاجئين أو غزة يمثل انحيازًا رمزيًا لها.
وهكذا أصبحت النتائج نفسها مادةً لتفسيرات متناقضة.
الأكثر إيلامًا ربما لم يكن من خسر داخل القاعة…
بل من بقي خارجها أصلًا.
ناصر القدوة غاب.
محمد دحلان وتياره بقوا خارج المشهد الرسمي بالكامل.
كوادر من لبنان وسوريا والأردن ومصر والشتات شعروا أن فتح التي عرفوها في الساحات والمخيمات تضيق أكثر فأكثر داخل مركز القرار في رام الله.
حتى عباس زكي، أحد آخر وجوه فتح الخارجية والقومية القديمة، خرج بهدوء من المشهد.
ولم يكن خروجه مجرد خسارة مقعد.
كان خروج زمن كامل: زمن الساحات، والإذاعات السرية، والمخيمات، والعواصم العربية التي كانت فتح تتنفس منها.
وفي عمق كل هذا، بقي السؤال الذي لم يناقشه المؤتمر أصلًا:
إلى أين تذهب فلسطين؟
لم يناقشوا:
مستقبل أوسلو،
ولا شكل المقاومة،
ولا معنى السلطة بعد كل هذا الخراب،
ولا سؤال الخلافة،
ولا كيف يُعاد بناء المشروع الوطني.
كأن الجميع كان يخشى الاقتراب من الأسئلة الكبرى، لأن الاقتراب منها قد يهز البنية كلها.
ولهذا بدا المؤتمر كأنه: محاولة لإدارة الوقت الفلسطيني أكثر من كونه محاولة لإعادة تعريفه.
ربما لهذا تحديدًا كان مقال الدكتورة غانية ملحيس شديد الدقة حين تحدث عن شيخوخة الأدوات لا شيخوخة القضية.
فالأزمة ليست أن الفلسطينيين فقدوا إرادتهم.
بل أن العالم تغيّر:
السياسة تغيّرت،
أشكال المقاومة تغيّرت،
الوعي العالمي تغيّر،
بينما ما زالت البنية الفلسطينية تحاول إدارة الحاضر بأدوات زمن آخر.
وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة تحرر، كما كتبت غانية، ليس الهزيمة فقط…
بل أن تتحول ذاكرتها البطولية إلى عائق يمنعها من رؤية التحولات الجديدة.
لكن غانية لم تكن وحدها من قرأ المشهد بهذا العمق.
فالكثير من الأصوات، حتى الغاضبة منها، كانت تقول الشيء نفسه بطرق مختلفة: إن الأزمة لم تعد أزمة أشخاص فقط… بل أزمة مرحلة كاملة تقترب من نهايتها التاريخية دون أن يولد البديل بعد.
في مكانٍ ما…
ربما كان أبو علي إياد ينظر إلى هذه الأسماء بصمتٍ ثقيل.
لا ليسأل: من فاز؟
بل ليسأل: كيف وصلت حركة خرجت من الخنادق والمخيمات إلى هذا التعقيد كله؟
لكن الحقيقة أيضًا أكثر قسوة من الحنين السهل.
فالتاريخ لا يعود إلى الوراء.
ولا الحركات تبقى كما وُلدت.
وفتح، بكل ما فيها من بطولة وأخطاء وتناقضات، ليست فقط ضحية التحولات… بل واحدة من صانعيها أيضًا.
ولهذا فإن السؤال الفلسطيني الحقيقي اليوم لم يعد: من يجلس في اللجنة المركزية؟
بل: هل ما زالت الحركة قادرة على إنتاج أفق وطني جديد؟
أم أنها أصبحت تدير فقط بقاءها داخل مرحلة انتقالية عمرها أكثر من ثلاثين عامًا؟
الأخطر من كل ذلك…
أن يتحول ما جرى في مؤتمر فتح إلى نموذج يُعاد نسخه لاحقًا على:
الانتخابات التشريعية،
والرئاسية،
وحتى انتخابات المجلس الوطني.
أن تبقى الديمقراطية مجرد آلية لإعادة إنتاج البنية نفسها، لا وسيلة لإعادة بناء المشروع الوطني.
فالفلسطيني اليوم لا يحتاج فقط إلى صندوق اقتراع…
بل إلى حامل سياسي وطني جامع، يعيد تعريف:
معنى التحرر،
ومعنى التمثيل،
ومعنى السلطة،
ومعنى المقاومة،
ومعنى فلسطين نفسها بعد كل هذا الخراب.
لأن الانتخابات، مهما كانت مهمة، لا تكفي وحدها إذا بقيت الأسئلة الكبرى مؤجلة إلى ما لا نهاية.
وفي النهاية…
ربما لم يعد الفلسطيني يخاف فقط من خسارة الأرض.
بل من أن يتحول كل شيء إلى إدارةٍ طويلة للهزيمة… بأسماءٍ مختلفة، وخطاباتٍ مختلفة، ونتائج يعرفها الجميع مسبقًا.
أما فلسطين…
فما زالت تنتظر نصًا جديدًا يليق بكل هذا الدم.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
17/5/2026