علي سيف الرعيني _|لم يعد الإنسان وحيدا أبدا ومع ذلك لم يشعر بهذا القدر من الغياب!!

لم يعد الإنسان في هذا العصر يعرف معنى الوحدة كما عرفها أسلافه. فالهاتف بين يديه، والرسائل تتدفق إليه في كل لحظة، والشاشات تفتح له أبواب العالم على مدار الساعة. يستطيع أن يتحدث مع شخص في أقصى الأرض وهو جالس في غرفته، وأن يشارك يومه مع مئات الأشخاص بضغطة زر. ومع ذلك، لم يكن الشعور بالغياب أشد حضوراً مما هو عليه اليوم.
لقد نجحت التكنولوجيا في تقليص المسافات، لكنها لم تنجح دائماً في تقليص الفراغ الذي يسكن القلوب. فأصبح الإنسان محاطاً بالأسماء والصور والإشعارات، لكنه يفتقد ذلك الشعور العميق بأن هناك من يصغي إليه حقاً، ويفهم صمته قبل كلماته، ويشعر بما يخفيه خلف ابتساماته العابرة.
في الماضي كانت اللقاءات أقل، لكنها كانت أكثر دفئاً. وكان الناس ينتظرون بعضهم بشوق حقيقي، ويتبادلون الحديث بقلوبهم قبل ألسنتهم. أما اليوم فقد أصبحت العلاقات سريعة كسرعة الشبكات التي تحملها؛ تبدأ بسهولة وتنتهي بسهولة أكبر، وكأنها رسائل عابرة لا جذور لها في الوجدان.
المفارقة المؤلمة أن الإنسان بات متصلاً بالجميع تقريباً، لكنه انفصل شيئاً فشيئاً عن نفسه. يقضي ساعات طويلة يتابع حياة الآخرين، ويقارن أيامه بأيامهم، ويبحث عن القبول والإعجاب في فضاء لا يعرف الرحمة. وكلما ازداد حضوره الرقمي، شعر أحياناً بأن حضوره الإنساني يتراجع.
ليس الغياب دائماً غياب الأجساد، بل قد يكون غياب المشاعر الصادقة، وغياب الحوار الحقيقي، وغياب الطمأنينة التي تمنحها العلاقات العميقة. قد يجلس أفراد الأسرة الواحدة حول مائدة واحدة، بينما يسافر كل واحد منهم إلى عالم مختلف خلف شاشة صغيرة. يجتمعون في المكان، لكن أرواحهم متباعدة أكثر مما يتخيلون.
إن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم ليس أن يكون وحيداً، بل أن يشعر بالوحدة وسط الزحام. أن تحيط به الأصوات من كل جانب، بينما يفتقد الصوت الذي يلامس قلبه. وأن يمتلك مئات وسائل التواصل، لكنه يعجز عن الوصول إلى ذلك الإحساس البسيط بالألفة والاحتواء.
ولعل الحل لا يكمن في المزيد من الاتصالات، بل في المزيد من الصدق. لا في زيادة عدد المتابعين، بل في تعميق معنى القرب الإنساني. فالقلب لا يحتاج إلى آلاف الوجوه العابرة، بقدر حاجته إلى وجوه قليلة صادقة تمنحه الشعور بأنه مرئي ومفهوم ومحبوب كما هو.
لقد أصبح العالم أكثر اتصالاً من أي وقت مضى، لكن الإنسان ما زال يبحث عن شيء أقدم من كل التقنيات وأعمق من كل الشبكات: إنسان آخر يمنحه شعور الحضور الحقيقي. فحين يحضر الصدق والمحبة والاهتمام، يختفي الغياب حتى لو فرقت بين الناس المسافات. وحين تغيب هذه المعاني، يصبح الإنسان غريباً حتى وسط أكثر الأماكن ازدحاماً !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى