يحيى بركات - حين يتحول التشخيص إلى ساحة اشتباك فكري قراءة في مقال د. غانية ملحيس: “بين استعمار يتجدد وحركة تحرر تتكلس”

في لحظاتٍ معينة من التاريخ الفلسطيني…
لا يعود المقال مقالًا.
بل يتحول إلى غرفة تشريح مفتوحة لوطنٍ كامل، تُضاء فيها الأعصاب المكشوفة دفعةً واحدة.
هذا ما فعلته د. غانية ملحيس في نصها الطويل والعميق حول المؤتمر الثامن لحركة فتح.
لم تكتب انطباعًا سياسيًا سريعًا، ولم تتعامل مع المؤتمر بوصفه حدثًا تنظيميًا عابرًا، بل حاولت أن تدخل إلى ما هو أعمق من الأسماء والنتائج: إلى البنية التي تنتج السياسة الفلسطينية نفسها.
ومن هنا تأتي أهمية النص وخطورته معًا.
لأن المقال لا يسأل: من صعد؟
ومن تراجع؟
بل يسأل: كيف وصلت الحركة الوطنية الفلسطينية إلى هذه اللحظة أصلًا؟
وكيف أصبح الاستعمار أكثر قدرة على التجدد والتكيف، بينما تبدو البنية السياسية الفلسطينية وكأنها تتحرك داخل زمنٍ أبطأ من العالم نفسه؟
هذا السؤال تحديدًا هو قلب المقال… وقلب الاشتباك معه أيضًا.
تقرأ د. غانية المؤتمر الثامن بوصفه “نافذة كاشفة”، لا مجرد محطة تنظيمية.
وترى أن ما جرى لم يكن تغييرًا في بنية إنتاج القرار، بل إعادة تدوير للبنية نفسها بأدوات تجميل محدودة.
وهنا يصعب على أي قارئ جاد أن يتجاوز قوة هذا التشخيص.
لأن المقال يضع إصبعه على جرحٍ قديم يتضخم بصمت: الانتقال التدريجي من حركة تحرر وطني إلى بنية سياسية منشغلة بإدارة الواقع أكثر من تغيير الواقع.
وهنا بالضبط تفتح د. غانية بابًا فكريًا بالغ الأهمية حين تتحدث عن “أوسلو” لا كاتفاق سياسي فقط، بل كإطار معرفي أعاد تعريف الممكن الفلسطيني نفسه.
وهذه واحدة من أقوى نقاط المقال.
فالقضية، كما تقول، لم تعد مجرد خلل في الأداء أو الإدارة، بل تحوّل في طريقة التفكير ذاتها: من مشروع تحرري مفتوح، إلى إدارة تفاوضية لشروط البقاء تحت الاحتلال.
أي أن السياسة نفسها أصبحت تتحرك داخل السقف الذي رسمه الاستعمار.
وهنا لا يعود السؤال: كيف ننجح داخل هذا السقف؟
بل: كيف كففنا أصلًا عن التفكير خارجه؟
لكن قوة المقال لا تكمن فقط في تشخيص التكلس، بل في توصيفها الدقيق لطبيعة الاستعمار المتحوّل.
فالاستعمار، كما تقرأه د. غانية، لم يعد مجرد احتلال عسكري تقليدي.
بل أصبح: إدارة وعي،
وصناعة رواية،
وضبط إدراك،
وإعادة تعريف لما هو سياسي وما هو ممكن وما هو مرئي.
وهنا يدخل النص إلى منطقة شديدة العمق: الاستعمار لم يعد يحتل الأرض فقط…
بل يحاول احتلال تعريف الواقع نفسه.
وفي المقابل، تبدو البنية السياسية الفلسطينية، بحسب المقال، وكأنها ما تزال تستخدم أدوات تنتمي إلى زمن سابق.
هذه ليست ملاحظة عابرة.
إنها اتهام فكري كامل لبنية سياسية فقدت قدرتها على مواكبة طبيعة الصراع كما أصبح، لا كما كان.
ومع ذلك…
هنا تبدأ مساحة التلاقي والتقاطع والاشتباك مع النص.
لأن د. غانية، في عمق تشخيصها، تقترب أحيانًا من تصوير البنية وكأنها دخلت حالة انسداد شبه كامل، بينما أعتقد أن المشهد الفلسطيني، رغم كل هذا التكلس، ما زال يحتوي على عناصر حركة لم تُهزم بعد.
وهنا لا أتحدث عن السلطة…
ولا عن نتائج المؤتمر…
ولا عن توازنات اللجنة المركزية…
بل عن شيء أعمق: عن المجتمع الفلسطيني نفسه.
عن تلك الطاقة التي كثيرًا ما خرجت من خارج الأطر المغلقة.
من كان يتخيل أن أسرى يحفرون نفقًا بملاعق الطعام سيعيدون تعريف معنى الإرادة أمام العالم كله؟
من كان يتخيل أن “الطوفان”، بكل ما فتحه من زلازل سياسية وأخلاقية، سيعيد خلط النقاش العالمي حول فلسطين بهذه القوة؟
من كان يتوقع أن الجامعات الغربية ستتحول إلى ساحات اشتباك أخلاقي ومعرفي دفاعًا عن الفلسطيني؟
أو أن الحركة الثقافية والفنية العالمية ستدخل بهذا العمق في مواجهة السردية الصهيونية؟
كل هذا لا يعني أن البنية السياسية بخير.
ولا ينفي صحة تشخيص د. غانية.
لكنه يقول إن المجتمع الفلسطيني وما حوله ما زال ينتج طاقات تتجاوز المؤسسة أحيانًا وتسبقها.
وهنا تصبح قراءة المقال أكثر ثراءً: ليس بوصفه إعلانًا لنهاية الحركة الوطنية، بل بوصفه دعوة لإعادة التفكير في كيفية إنقاذها من التحول إلى بنية مغلقة على ذاتها.
وأعتقد أن واحدة من أهم أفكار المقال هي حديثه عن “كسر احتكار تعريف السياسة”.
وهنا يدخل النص إلى أخطر مناطقه.
لأن السؤال لم يعد فقط: من يحكم؟
بل: من يملك حق تعريف الوطني؟
ومن يملك حق تعريف المقاومة؟
ومن يقرر ما هو الواقعي وما هو المستحيل؟
هذا السؤال يفتح باب الاشتباك الحقيقي.
لأن جزءًا كبيرًا من الأزمة الفلسطينية اليوم ليس فقط في ضعف الأداء، بل في تضييق الخيال السياسي نفسه.
وهنا أعتقد أن النقاش يجب أن يتوسع أكثر.
لأن إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية لن تأتي فقط من داخل المؤسسات الرسمية، بل أيضًا من: الحركة الطلابية الفلسطينية في الخارج، والفضاءات الرقمية، والحركة الثقافية، والكادرات المستبعدة، والشتات، وكل المساحات التي ما زالت تنتج وعيًا وطنيًا خارج المركز المغلق.
وهنا تحديدًا لا تصبح القضية “إنقاذ فتح” كتنظيم فقط، بل منع انهيار الفكرة الوطنية الجامعة نفسها.
لأن فتح، مهما اختلف معها الفلسطينيون، ليست تفصيلًا تنظيميًا عابرًا في التاريخ الفلسطيني، بل أحد أعمدة الحركة الوطنية ومنظمة التحرير.
ولهذا لا أعتقد أن القوى الوطنية، اليسارية أو الإسلامية، تمتلك مصلحة حقيقية في تحول فتح إلى مجرد جهاز سلطة فاقد للروح السياسية.
بل ربما تكون مصلحة الجميع، رغم كل التناقضات، أن تستعيد الحركة بعضًا من معناها التحرري، لا أن تُترك لتتآكل حتى النهاية.
وهنا أصل إلى النقطة التي أعتقد أنها تجعل مقال د. غانية مهمًا فعلًا: أنه لا يقدم أجوبة جاهزة.
بل يفتح ساحة اشتباك فكري واسعة.
وهذا ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم أكثر من أي وقت مضى: ليس خطابات تعبئة عاطفية، ولا بيانات تنظيمية، بل نقاشًا حقيقيًا حول: ما معنى السياسة الفلسطينية اليوم؟
ما معنى التحرر؟
ما معنى التمثيل؟
ومن يملك حق إعادة تعريف المشروع الوطني؟
في النهاية…
قوة المقال ليست في أنه أغلق النقاش، بل في أنه فتح الباب أمامه على مصراعيه.
وربما هذه هي بداية السياسة الحقيقية: حين يتحول النص من رأي…
إلى مساحة اشتباك ووعي وأسئلة مفتوحة على المستقبل.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
21/5/2026
رابط مقال د .غانيه

تعليقات

غانية ملحيس


قرأتُ باهتمام وامتنان كبيرين قراءة الصديق يحيى بركات لمقالي " بين استعمار يتجدد وحركة تحرر تتكلس: لحظة انكشاف النظام السياسي الفلسطيني بعد المؤتمر الثامن لحركة فتح "، ليس فقط لما حملته من عمق، بل لأنها تعاملت مع المقال بوصفه مساحة تفكير مفتوحة، وليس بوصفه موقفا سياسيا مغلقا.
وأعتقد أن أجمل ما في قراءة يحيى أنها لم تتوقف عند ظاهر المقال بوصفه نقدا لحركة فتح أو للمؤتمر الثامن، بل التقطت محاولته الأساسية في مساءلة الإطار الأعمق الذي تُنتَج داخله السياسة الفلسطينية نفسها، بما في ذلك حدود الممكن السياسي، وطبيعة التمثيل، وعلاقة البنية السياسية بتحولات الاستعمار المعاصر.
كما أنني أوافقه تماما في أهمية ما أشار إليه حول المجتمع الفلسطيني بوصفه مساحة ما تزال تنتج طاقات تتجاوز الأطر المغلقة أحيانا، سواء في الفعل الميداني، أو في الفضاء الرقمي، أو في الاشتباك الثقافي والرواية العالمية.
وربما كانت هذه إحدى النقاط التي تستحق فعلا توسيع النقاش حولها أكثر، لأن جزءا مهما من التحولات الفلسطينية الجارية يحدث اليوم خارج الأطر التقليدية التي احتكرت تعريف السياسة طويلا.
ومع ذلك، ربما أود هنا توضيح نقطة دقيقة في المقال، ليس بوصفها اعتراضا على قراءة يحيى، بل كاستكمال للاشتباك الفكري.
فالمقال لم يكن يحاول القول إن المجتمع الفلسطيني دخل حالة هزيمة أو انسداد كامل، ولم يكن ينطلق من تصور عدمي تجاه إمكانات الفعل الفلسطيني، بقدر ما كان يحاول مساءلة شيء آخر أكثر بنيوية: هل ما تزال أدوات إنتاج السياسة الفلسطينية، كما تشكلت تاريخيا، قادرة على مواكبة طبيعة الصراع كما أصبح اليوم، لا كما كان سابقا؟
بمعنى آخر، كان السؤال المطروح أقرب إلى مساءلة “منطق إنتاج السياسة” نفسه، وليس فقط تقييم أداء المؤسسات أو النخب.
ولهذا ربما بدا المقال أحيانا أكثر راديكالية في تفكيكه للبنية السياسية، لأن الإشكال الذي حاول الاقتراب منه لا يتعلق فقط بضعف الأداء أو جمود المؤسسات، بل أيضا بالإطار المعرفي الذي يحدد ما الذي يمكن التفكير فيه سياسيا من الأصل.
ومن هنا جاءت محاولة الحديث عن “أوسلو” ليس كاتفاق سياسي فقط، بل كأفق أعاد تعريف الممكن الفلسطيني ذاته، وعن الاستعمار لا كقوة سيطرة عسكرية فقط، بل كبنية تشارك في إنتاج الواقع وإعادة تعريف شروط إدراكه.
وما أضافه يحيى هنا مهم، لأنه أعاد إدخال عنصر بالغ الأهمية إلى النقاش: أن المجتمع، في لحظات تاريخية معينة، قد يسبق البنية السياسية نفسها، ويعيد إنتاج السياسة خارج مركزها التقليدي.
وربما هنا تحديدا تكمن إحدى أهم ساحات النقاش الفلسطيني المقبلة:
ليس فقط كيف نُصلح المؤسسات، بل كيف يُعاد تعريف السياسي ذاته،
ومن يملك حق إنتاجه،
وكيف يمكن وصل الطاقات المتناثرة في المجتمع الفلسطيني - داخل الوطن المحتل وفي الشتات - بمشروع تحرري يتجاوز التكلس، دون أن يسقط في الفراغ.
أظن أن قيمة هذا النوع من الحوار لا تكمن في الوصول إلى خلاصات نهائية سريعة، بل في فتح مساحة تفكير جماعي تتجاوز اللغة التنظيمية المغلقة، وتحاول استعادة السياسة بوصفها سؤالا مفتوحا على المستقبل، وليس مجرد إدارة لأزمة مستمرة.
كل التقدير ليحيى بركات على قراءة أضافت وأثرت، ودفعت النقاش إلى مناطق أوسع وأكثر حيوية.
غانية ملحيس
21/5/2026






******




يحيى بركات



د. غانية
ما يميز هذا الحوار أنه لا يحاول إنتاج “انتصار فكري” لطرف على آخر، بل يحاول إنقاذ السياسة الفلسطينية نفسها من التحول إلى لغة مغلقة تدور داخل ذاتها.
وأعتقد أن توضيحك للنقطة المتعلقة بـ “منطق إنتاج السياسة” مهم جدًا، لأنه ينقل النقاش من مستوى نقد الأداء إلى مستوى مساءلة الإطار الذي يحدد أصلًا ما الذي يمكن التفكير فيه وما الذي يُستبعد قبل أن يبدأ النقاش.
وربما هنا بالذات تكمن خطورة اللحظة الفلسطينية: حين يصبح الصراع ليس فقط على الأرض أو التمثيل، بل على تعريف الممكن الوطني نفسه.
وأوافقك تمامًا أن المجتمع الفلسطيني، بما ينتجه اليوم من فعل ميداني، واشتباك ثقافي، وحضور رقمي عالمي، يفتح الباب أمام إعادة تشكل السياسة خارج مركزها التقليدي، لا بوصفه بديلًا فوضويًا عن المؤسسة، بل كمحاولة لاستعادة الحيوية التاريخية للمشروع التحرري الفلسطيني.
وأظن أن أهمية هذا النوع من النقاش، كما تفضلتِ، أنه لا يبحث عن خاتمة نهائية بقدر ما يحاول إعادة فتح الأسئلة الكبرى التي جرى تجميدها طويلًا: ما معنى التحرر اليوم؟
ما معنى التمثيل؟
ومن يملك حق إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني في زمن يتغير فيه الاستعمار نفسه بسرعة غير مسبوقة؟
وربما ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى، هو أن يتسع هذا الاشتباك الفكري، وأن يدخل إليه كتّاب ومثقفون وأكاديميون ومناضلون من اتجاهات وتجارب مختلفة، لا بهدف الوصول إلى تطابق كامل، بل بهدف استعادة السياسة الفلسطينية كمساحة تفكير حي، لا كلغة تنظيمية مغلقة أو يقينيات جامدة.
فالقضايا الكبرى لا تُنقذها الأصوات المتشابهة فقط، بل تنقذها القدرة على الحوار، والاختلاف، وإعادة التفكير الجماعي بالمشروع الوطني خارج الخوف من السؤال.
يحيى بركات
21/5/2026
 
أعلى