غانية ملحيس - من النقاش حول المؤتمر الثامن إلى تفكيك شروط إنتاج السياسة الفلسطينية

ملخص تنفيذي
ينطلق المقال من النقاش الذي رافق انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، ليس بوصفه حدثا تنظيميا معزولا، بل باعتباره لحظة كاشفة لبنية أعمق تتعلق بكيفية إنتاج السياسة الفلسطينية نفسها. فالسجالات التي ظهرت حول المؤتمر، رغم تعددها بين النقد والإصلاح والمعارضة، بقيت تدور داخل حدود ثابتة تركز على الإجراءات والتوازنات الداخلية، دون مساءلة الشروط التاريخية والمعرفية التي تصوغ المجال السياسي الفلسطيني.
يرى المقال أن الأزمة لا تكمن فقط في بنية المؤسسات أو النخب فقط، بل أيضا في اللغة السياسية السائدة التي أعادت إنتاج نفسها منذ مرحلة أوسلو. فمفاهيم مثل “الإصلاح”، و”الحوكمة”، و”بناء المؤسسات” تحولت تدريجيا إلى إطار يحدد ما يمكن التفكير فيه سياسيا، ما أدى إلى ما يسميه المقال “الانسداد المفاهيمي الناعم”، حيث يصبح النقد ذاته جزءا من استمرار البنية القائمة بدلا من تجاوزها.
ويحلل التحول التاريخي من حركة تحرر وطني، إلى بنية حكم تعمل تحت شروط سيادة منقوصة، ضمن واقع استعماري استيطاني لا يسيطر فقط على الأرض، بل يشارك أيضا في إعادة تعريف الممكن السياسي وحدود الفعل والتمثيل.
وفي هذا السياق، تتحول السياسة من مشروع تغييري إلى إدارة مستمرة للواقع داخل سقوف محددة مسبقا.
في المقابل، يشير المقال إلى أن إنتاج السياسة لم يعد محصورا داخل المؤسسة الرسمية، بل بات موزعا بين المجتمع، والفضاء الرقمي، والشتات، والمبادرات المحلية. ويبرز هذا التحول بوصفه مؤشرا على تآكل احتكار المركز السياسي لإنتاج المعنى والتمثيل.
ويخلص إلى أن تجاوز حالة الانسداد السياسي الفلسطيني لا يبدأ فقط بإصلاح المؤسسات أو تغيير النخب، بل بإعادة تعريف السياسة نفسها، واستعادة القدرة على تخيل أفق تحرري جديد يعيد وصل المجتمع بالتمثيل، ويفتح المجال أمام إنتاج ممكن سياسي يتجاوز شروط الهيمنة الاستعمارية.

المقال الكامل
من النقاش حول المؤتمر الثامن إلى تفكيك شروط إنتاج السياسة الفلسطينية

مقدمة: من الحدث إلى شروط إمكان السياسة
لا يمكن فهم النقاش الفلسطيني الذي رافق انعقاد المؤتمر الثامن لحركة سياسية مركزية كفتح بوصفه مجرد سجال تنظيمي حول الانتخابات الداخلية، أو توازنات القيادات، أو آليات إدارة المؤتمر. فالمسألة أعمق من ذلك بكثير، لأن ما جرى لم يكن حدثا سياسيا منفصلا، بل لحظة كاشفة لبنية أوسع: بنية إنتاج السياسة الفلسطينية نفسها.
ما ظهر في النقاشات لم يكن مجرد اختلاف في التقييم، بل انكشاف لحدود اللغة السياسية ذاتها: كيف يُقال السياسي؟ وما الذي يُسمح بقوله؟ وأين تنتهي السياسة بوصفها تفكيرا، وتبدأ بوصفها إدارة داخل سقف محدد مسبقا؟
بهذا المعنى، لا يعود المؤتمر موضوعا قائما بذاته، بل يصبح ذريعة معرفية لفحص سؤال أعمق:
كيف تُنتَج السياسة الفلسطينية أصلا، وتحت أي شروط تاريخية ومعرفية تعمل؟

أولًا: النقاش بوصفه بنية مغلقة رغم تعدده
يبدو النقاش الفلسطيني حول الحدث السياسي، في ظاهره، واسعا ومتعددا: إصلاحي، نقدي، تفكيكي، مؤسسي، ومعارض. لكنه في عمقه يتحرك داخل انتظام غير مرئي: حدود ما يمكن قوله سياسيا. فالنقاش، رغم كثافته، يدور غالبا داخل ثلاث دوائر:
• نقد الإجراءات والإدارة،
• إعادة ترتيب التوازنات الداخلية،
• تحسين الأداء والشفافية.
لكن حين يقترب من سؤال البنية التاريخية والمعرفية التي تنتج السياسة، يتراجع أو يُعاد تأطيره داخل لغة الإصلاح.
وهكذا، لا يعمل النقاش كفضاء إنتاج معرفة سياسية جديدة، بل كفضاء يعيد تدوير الأسئلة داخل سقف معرفي ثابت، مثل الجدل الذي يرافق كل مؤتمر داخلي. حيث تتحول الأسئلة البنيوية سريعا إلى نقاش حول الإجراءات، وآليات الاقتراع ،وتوزيع المواقع.
كما يظهر في لحظات النقاش العام، حين تتراجع الأسئلة المتعلقة بطبيعة النظام السياسي نفسه، لصالح جدل سريع حول التمثيل والتوازنات، فينكمش السؤال من “كيف تُنتَج السياسة؟” إلى “من يمثل من؟

ثانيًا: اللغة السياسية وإعادة إنتاج حدودها
أحد أهم ما يكشفه هذا الحقل النقاشي هو أن اللغة السياسية نفسها لا تُساءل.
فمفاهيم مثل: الإصلاح، التجديد، إعادة البناء، استعادة الوحدة، تبدو وكأنها مفاهيم معيارية مستقلة، بينما هي في الواقع مفاهيم تاريخية نشأت داخل شروط محددة، لكنها تستمر في العمل كأنها خارج التاريخ. وهكذا لا يحدث تفكيك للغة السياسة، بل إعادة إنتاج لها داخل نقدها.
ومع توسع بنية التمويل الدولي بعد أوسلو، لم يقتصر التحول على الاقتصاد أو الإدارة، بل امتد إلى اللغة السياسية نفسها. فتصاعدت مفاهيم مثل: الحوكمة، بناء المؤسسات، التنمية، الاستقرار، وتمكين المجتمع المدني، بوصفها لغة بديلة تدريجيا عن مفاهيم التحرر والتغيير التاريخي. وهكذا لم يُعاد تشكيل الاقتصاد فقط، بل أُعيد تشكيل ما يمكن التفكير فيه سياسيا.
وهذا ما يمكن تسميته بـالانسداد المفاهيمي الناعم: حيث يتحول النقد نفسه إلى جزء من استمرار البنية التي ينتقدها.

ثالثًا: من تعدد الخطابات إلى انقطاع التراكم النظري
يمكن تمييز ثلاثة أنماط كبرى في الخطاب السياسي الفلسطيني:
• خطاب مؤسسي يعيد إنتاج الشرعية القائمة،
• خطاب إصلاحي يحاول تحسين الأداء دون مساس بالبنية،
• خطاب تفكيكي يسائل البنية ذاتها.
لكن الإشكال لا يكمن في وجود هذه الخطابات، بل في غياب التفاعل بينها داخل حقل نظري مشترك. فهي تعمل كجزر منفصلة، لا تنتج تراكما معرفيا، بل تكرارا للأسئلة ذاتها بأشكال مختلفة.
ولا يرتبط هذا الانقطاع فقط باختلاف المواقع السياسية أو الفكرية، بل أيضا بتفكك المجال الوطني الفلسطيني نفسه بعد أوسلو، وتوزع الفاعلين بين الداخل والشتات، وبين منطق التحرر ومنطق الإدارة اليومية تحت الاحتلال.
ففي ظل هيمنة اللحظة الطارئة، والتجزئة الجغرافية والسياسية، تصبح السياسة أقرب إلى الاستجابة المستمرة للأزمة، لا إلى بناء تراكم نظري طويل المدى. وهكذا لا ينقطع الحوار بين الخطابات فقط، بل تنقطع أيضا الشروط التي تسمح بتحول التجربة السياسية إلى معرفة تاريخية متراكمة.

رابعًا: من الحدث إلى بنية إنتاج السياسة
في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما ظهر في المؤتمر بوصفه خللا تنظيميا، بل بوصفه تعبيرا عن منطق أعمق يمكن تسميته بـالتحكم في مدخلات السياسة، لإنتاج مخرجاتها مسبقا.
ويقوم هذا المنطق على:
• ضبط شروط المشاركة،
• تحديد مسبق لشكل الشرعية النهائية.
• التحكم في قواعد المنافسة .فقد لعبت البنية الأمنية المتشكلة بعد أوسلو دورا مركزيا في تنظيم المجال السياسي نفسه، ليس فقط في إدارة العنف أو حفظ الاستقرار. إذ امتد منطق الضبط الأمني إلى التحكم بإيقاع الفعل السياسي وحدود المقبول داخله، بما ساهم في إعادة إنتاج المجال العام داخل سقف الاستمرارية أكثر من فتحه أمام التعدد والتحول.
وبذلك تتحول السياسة إلى نظام مغلق لإعادة إنتاج نفسه، لا إلى فضاء مفتوح لإنتاج البدائل.

خامسًا: من حركة تحرر إلى بنية مغلقة
يمثل التحول من حركة تحرر إلى بنية حكم تحت الاحتلال لحظة مفصلية.
فالحركة، في معناها التاريخي، تقوم على الانفتاح والتعدد وإنتاج البدائل.
أما البنية السلطوية، فتقوم على: إدارة التوازنات بدل إنتاج المشاريع، ضبط المجال الداخلي بدل توسيعه، وإعادة إنتاج الاستمرارية بدل فتح الأفق.
ولم يكن هذا التحول منفصلا عن لحظة أوسلو بوصفها إعادة تعريف لوظيفة السياسة الفلسطينية نفسها.
فمنذ تلك اللحظة، بدأ الانتقال التدريجي من السياسة باعتبارها أفقا للتحرر الوطني، إلى السياسة باعتبارها إدارة للواقع داخل شروط السيادة المنقوصة. فلم تعد السياسة تُقاس بقدرتها على تغيير موازين القوة التاريخية، بل بقدرتها على إدارة الاستمرار داخل الحدود المسموح بها.
وهكذا تنكمش السياسة من مشروع تاريخي تغييري، إلى إدارة مستمرة للواقع القائم.

سادسًا: الاستعمار كبنية لإنتاج السياسة
لا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن السياق الاستعماري، لكن ليس بوصفه خلفية خارجية، بل بوصفه بنية فاعلة في تشكيل السياسة نفسها.
فالاستعمار الصهيوني الاستيطاني الإحلالي لا يعمل فقط على: السيطرة على الأرض والموارد الفلسطينية ، أو إدارة السكان تحت الاحتلال، بل على إعادة تعريف شروط إنتاج الواقع السياسي ذاته. أي أنه يشارك في تحديد: ما هو الممكن، ما هو الواقعي، وما هو السياسي أصلا. وبذلك يصبح جزءا من بنية إنتاج السياسة الفلسطينية ، وليس مجرد موضوع لها.

سابعًا: السيادة المنقوصة وحالة الاستثناء الممتدة
في هذا السياق، لا يمكن التفكير في السياسة الفلسطينية عبر نموذج السيادة الكاملة، بل عبر وضعية مركبة:
• سيادة رمزية محدودة بالاعتراف الدولي المشروط،
• سيادة إدارية مجزأة،
• سيادة أمنية خارجية محجوزة،
• وسيادة اقتصادية مقيدة وتابعة.
هذه البنية تنتج ما يمكن تسميته بـالسيادة المنقوصة، حيث لا تغيب السلطة، لكنها تعمل داخل حدود لا تملك تحديدها، ويرسمها النظام الاستعماري المهيمن. وفي هذا الإطار، لا يعود الاستثناء حالة طارئة، بل يصبح نمط حكم ممتد.
وفي ظل هذا الامتداد الطويل للاستثناء، تصبح السياسة نفسها محكومة بمنطق المؤقت والدائم في آن واحد:
• سلطة تستمر دون سيادة كاملة،
• ومؤسسات تعمل دون أفق تاريخي مستقر،
• وتمثيل سياسي يفتقد القدرة على تحويل الشرعية الرمزية إلى قدرة فعلية على تقرير المصير.
وهكذا لا تنتج السيادة المنقوصة مجرد قيود على القرار السياسي، بل تعيد تشكيل طبيعة السياسة ذاتها بوصفها إدارة مستمرة للهشاشة وعدم الاكتمال.
ومع تآكل مركزية القرار السيادي وتجزؤ أدواته، لم يعد المجال السياسي محصورا داخل بنية السلطة، بل بدأ يتوزع على الفضاءات الاجتماعية خارجها، كما يظهر في انتقال النشاط السياسي من المؤسسات، إلى المبادرات المحلية والحملات الرقمية التي تتشكل خارج الأطر الرسمية.

ثامنًا: المجتمع بوصفه إنتاجا سياسيا موازيا
رغم انغلاق البنية الرسمية، لا يتوقف إنتاج السياسة في المجتمع. فثمة طبقات غير مؤسسية تعمل خارج المركز:
• الفعل الاجتماعي،
• الفضاء الرقمي،
• الثقافة والسردية،
• والشتات بوصفه مجال إنتاج وليس امتدادا هامشيا.
وهنا تظهر مفارقة مركزية: أن المجتمع قد ينتج السياسة أحيانا قبل أن تنتجها المؤسسة.
وقد ظهرت هذه الإمكانية تاريخيا بصورة واضحة خلال الانتفاضة الأولى، حين أنتج المجتمع الفلسطيني أشكالا تنظيمه وتمثيله وأدوات مقاومته خارج البنية الرسمية المغلقة، عبر شبكات محلية، ولجان شعبية، وفضاءات اجتماعية واسعة. غير أن هذا الانفتاح أُعيد احتواؤه تدريجيا داخل البنية السلطوية الناشئة بعد أوسلو.
أما الانتفاضة الثانية، فقد كشفت حدود هذا الاحتواء، لكنها انتهت بدورها إلى إعادة إنتاج المجال السياسي والأمني بصورة أكثر انغلاقا.
ربما لا يبدأ تجديد السياسة الفلسطينية من إعادة ترتيب المركز السياسي القائم، بل من الاعتراف بأن إنتاج السياسة بات موزعا اجتماعيا وثقافيا ورقميا، وأن إعادة بناء المجال الوطني تتطلب وصل هذه الحقول ضمن أفق تحرري جديد.
هذا التوزع في إنتاج السياسة داخل المجتمع لا يبقى مجرد ممارسة غير مرئية، بل يعيد تشكيل مفهوم الفاعل السياسي نفسه خارج احتكار المؤسسة الرسمية.
فلم يعد الإشكال فقط في تعدد الفاعلين، بل في تآكل مركز إنتاج “المعنى السياسي المعياري” نفسه، أي الجهة التي تحدد ما يُعتبر فعلا سياسيا، وما يُعتبر خارج السياسة.

تاسعًا: إعادة تعريف الفاعل السياسي
لم يعد الفاعل السياسي محصورا داخل المؤسسة. بل أصبح موزعا بين:
• فاعل مؤسسي رسمي،
• فاعل اجتماعي رقمي،
• فاعل عالمي سردي،
• وفاعل ميداني لحظي.
هذا التعدد لا يعني تعددية مستقرة، بل يشير إلى تفكك مركز إنتاج السياسة.
كما يتجلى في الحملات الرقمية أو السرديات العابرة للحدود التي تؤثر في تشكيل الرأي العام خارج الأطر التنظيمية التقليدية. وبالتالي، لا يعود السؤال: من يمثل من؟ بل: كيف يُنتَج التمثيل أصلا؟
لا تتحدد الأزمة فيمن ينتج السياسة، ولا حتى في كيف تُنتُج، بل في الجهة التي تملك سلطة تعريف ما يُمكن اعتباره فعلا سياسيا منذ البداية.

عاشرًا: من السياسة كاستجابة إلى السياسة كإنتاج للواقع
ومع تفكك مركزية الفاعل السياسي وتعدد مواقع إنتاجه، لم تعد السياسة مرتبطة بالفعل فقط، بل امتدت إلى مستوى أعمق يتعلق بإنتاج إدراك الواقع نفسه.
في ظل هذا التحول، لا تعود السياسة استجابة للواقع، بل تصبح جزءا من إنتاجه. فالسياسة لا تعمل خارج شروطها، بل داخلها: تُعيد إنتاج اللغة، والشرعية، وحدود الممكن. وهكذا يصبح النقد نفسه جزءا من دورة إعادة إنتاج البنية، لا كسرها.
ولا يكمن التحول الحاسم فقط في كون الاستعمار أو البنية السياسية يشاركان في إنتاج الواقع، بل في وجود مستوى أعمق غير مرئي يعمل كوسيط بين الواقع والوعي السياسي.
حيث تتحدد السياسة أولا داخل بنية أسبق من الإنتاج ذاته، وهي البنية التي تحدد شروط قابلية الشيء لأن يُفهم سياسيا قبل أن يُنتج أو يُمارس.
أي أن المجال السياسي لا يستقبل الواقع كما هو، بل كما تسمح البنية السائدة بفهمه وتأويله. حيث تُحدَّد شروط ترجمة هذا الواقع إلى “معنى سياسي” من الأساس. وأن ما يصل إلى المجال السياسي ليس الواقع كما هو، بل واقع مُفلتر عبر بنية تُقرر مسبقا كيف ينبغي أن يُفهم، وما الذي يمكن اعتباره قابلا للتأويل السياسي.

غير أن لحظات الانفجار الكبرى تكشف أيضا أن هذه البنية، مهما بدت قادرة على ضبط المجال السياسي، لا تنجح في إلغاء إمكان الفعل التاريخي بالكامل. فقد أظهرت التحولات التي أعقبت طوفان الأقصى أن الفاعل الفلسطيني ما يزال قادرا على إدخال عناصر غير متوقعة إلى المجال السياسي، وإعادة تفجير تناقضات إقليمية ودولية تجاوزت الحدود التي حاولت البنية الاستعمارية والسياسية حصر السياسة الفلسطينية داخلها.

حادي عشر: الاستعمار وإدارة الوعي السياسي
يتجاوز الاستعمار الاستيطاني الإحلالي السيطرة العسكرية إلى إعادة تشكيل المجال المعرفي:
• إنتاج السرديات،
• إدارة الإدراك،
• ضبط ما يمكن رؤيته سياسيا،
• وتحديد ما يمكن تخيله.
وهنا ينتقل الصراع من الأرض إلى الوعي، ومن السيطرة إلى تعريف الواقع نفسه.

ثاني عشر: نحو استعادة الممكن وكسر احتكار السياسي
إن تجاوز حالة الانسداد السياسي الفلسطيني الراهنة لا يبدأ بتغيير النخب، أو ترميم المؤسسات القائمة.
بل بكسر احتكار تعريف السياسة نفسها، وإعادة صياغة العلاقة بين التحرر والتمثيل خارج حدود البنية المغلقة.
ويعني ذلك، الانتقال من منطق "إدارة الواقع" تحت وطأة شروط الاستعمار والاستثناء الممتد، إلى مساءلة شروط إنتاجه. عبر الاعتراف بأن الفعل السياسي لم يعد محصورا داخل المركز الرسمي، بل بات موزعا وحيويا داخل المجتمع، والفضاء الرقمي، والشتات، والمبادرات المحلية.
هذا التحول يستدعي بالضرورة صياغة حقل نظري وعملي جديد، يتجاوز "الانسداد المفاهيمي الناعم" ولغة الإصلاح الإجرائي، نحو استعادة القدرة على تخيل أفق تاريخي مختلف: يربط المجتمع بالتمثيل، والواقع بالممكن إحداثه، والمستقبل بمراكمة الوقائع المنتجة.
وبذلك، لا تنتهي هذه القراءة إلى نتيجة مغلقة، بل تفتح الباب أمام سؤال مؤسس:
كيف تُنتَج السياسة الفلسطينية في سياق يُعاد فيه إنتاج شروطها باستمرار داخل بنية استعمارية، وفي ظل سيادة منقوصة، وبنية سياسية تعيد إنتاج حدودها الداخلية؟
وربما لا يبدأ هذا التحول من داخل البنية السياسية المغلقة نفسها، بل من المساحات التي بدأت تتشكل خارج مركزها التقليدي:
• من المجتمع الذي أعاد إنتاج أشكال الفعل الجماعي،
• ومن الشتات الذي استعاد دوره بوصفه مجالا للسردية والضغط والتأثير،
• ومن الفضاءات الرقمية والثقافية التي أعادت فتح المجال الوطني خارج الحدود التنظيمية الضيقة.
فحين يتآكل احتكار المركز لإنتاج السياسة، لا يظهر البديل دفعة واحدة، بل يبدأ غالبا كتراكم متفرق لأشكال جديدة من الفعل والتمثيل وإنتاج المعنى السياسي.

إن هذا السؤال لا يُجاب عنه داخل مقال واحد، بل يفتح أفقا تصبح فيه السياسة صراعا مستمرا على توسيع حدود ما يُسمح بتخيّله، وما يُمنع من أن يُفكَّر فيه. فحين تُختزل السياسة في إدارة الاستمرار، يتراجع بعدها التحرري.
أما إعادة فتح الأفق الوطني، فتبدأ أولا وبشكل حاسم باستعادة الحق في إنتاج الممكن نفسه.
لأن الشعوب لا تدخل التاريخ فقط حين تمتلك السلطة، بل أيضا حين تنجح في إعادة إنتاج المجال الذي يجعل التغيير قابلا للتخيّل والعمل معا.

تعليقات

خالد عطية


الدكتورة العزيزة غانية
ما يلفتني في هذا النص ليس فقط تفكيكه لبنية السياسة الفلسطينية، بل انتقاله إلى مستوى أكثر عمقًا: مساءلة الشروط التي تُنتج السياسة قبل أن تُنتج مواقفها أو مؤسساتها.
هنا لا يعود السؤال من يحكم، ولا حتى كيف تُدار البنية، بل كيف يُعاد تشكيل الممكن السياسي نفسه داخل فضاء استعماري لا يسيطر على الأرض فقط، بل على حدود الإدراك السياسي ومعايير الواقعية وإمكان التخيل.
أهمية هذا الاشتباك أنه ينقل الأزمة الفلسطينية من مستوى “الخلل التنظيمي” إلى مستوى أكثر جذرية: تآكل القدرة على إنتاج أفق سياسي خارج اللغة التي صاغتها مرحلة أوسلو نفسها، حتى حين يبدو الخطاب معارضًا لها.
ما تطرحه الدكتورة غانية يتجاوز نقد السلطة إلى تفكيك البنية المعرفية التي تجعل السياسة تدور داخل سقوفها حتى وهي تعتقد أنها تتجاوزها. وهنا تحديدًا تلتقي هذه القراءة مع السؤال الذي يشغلني منذ فترة:
هل الأزمة في غياب المشروع فقط، أم في تغيّر الشروط التاريخية التي كانت تسمح أصلًا بتحول الفعل إلى مشروع مكتمل وقابل للإغلاق؟
النص يفتح بوضوح بابًا شديد الأهمية:
حين يفقد المركز احتكاره لإنتاج المعنى السياسي، لا يظهر البديل مباشرة، بل تبدأ السياسة بالانتشار داخل المجتمع، والسردية، والفضاء الرقمي، والشتات، بوصفها حقولًا لإنتاج الممكن لا مجرد هوامش له.
وربما هنا تكمن اللحظة الأكثر حساسية:
لسنا فقط أمام أزمة تمثيل،
بل أمام تحوّل في طبيعة إنتاج السياسة نفسها.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لهذا النص لا تكمن في تشخيص انسداد البنية الفلسطينية فحسب، بل في دفع النقاش نحو سؤال أكثر خطورة:
كيف يمكن إنتاج فعل تحرري داخل عالم يُعاد فيه إنتاج حدود الممكن السياسي بصورة مستمرة حتى قبل أن يبدأ الفعل ذاته؟
هذا النوع من الكتابة لا يشتبك مع الحدث،
بل مع القاعدة التي تُنتج الحدث وحدود فهمه معًا.
خالد عطية
23/5/2026



===============



غانية ملحيس



خالد العزيز
شكرا لكعلى هذه القراءة العميقة والالتقاط الدقيق لجوهر الإشكال الذي حاول المقال الاقتراب منه.
ما أشرت إليهحول انتقال الأزمة من مستوى “غياب المشروع” إلى مستوى تغيّر الشروط التاريخية التي تسمح أصلا بتحول الفعل إلى مشروع، يفتح فعلا بابا بالغ الأهمية في التفكير بالحالة الفلسطينية اليوم.
أعتقد أن أحد أخطر التحولات التي نعيشها لا يتعلق فقط بانسداد البنية السياسية، بل بتحول السياسة نفسها إلى مجال يُعاد فيه إنتاج حدود الممكن مسبقا، بحيث يصبح حتى فعل المعارضة أو النقد محكوما باللغة والبنية التي يسعى إلى تجاوزها. ولهذا كان هاجسي في المقال ألا يتوقف عند النقد المستحقللسلطة أو فتح أو فصائل الحركة الوطنية،بل محاولة مساءلة الشروط الأعمق التي تنظّم ما يمكن تخيله سياسيا من الأساس.
وأتفق معك تماما أن تآكل احتكار المركز لإنتاج المعنى لا يعني بالضرورة ولادة بديل مكتمل، بل ربما دخولنا في مرحلة انتقالية تتوزع فيها السياسة بين المجتمع والسردية والفضاءات الرقمية والشتات، بوصفها مجالات لإعادة إنتاج الفعل والمعنى معا.
سعيدةجدا بهذا الاشتباك الفكري، لأنه يعيد النقاش إلى مستوى الأسئلة المؤسسة، وليس الاكتفاء بملاحقة الحدث السياسي المباشر.
غانية ملحيس
23/5/2026



===============


نائل التونسي


الدكتورة غانية ملحيس المحترمة،
يُحسب لهذا المقال أنه تجاوز القراءة التقليدية للمؤتمر الثامن باعتباره مجرد محطة تنظيمية أو استحقاق داخلي، وذهب نحو تفكيك سؤال أكثر عمقا وخطورة يتعلق بكيفية إنتاج السياسة الفلسطينية نفسها، وكيف تحولت تدريجيا من مشروع تحرري مفتوح إلى حالة إدارة سياسية مقيدة بسقوف الواقع المفروض وتعقيداته وتوازناته.
لقد نجح المقال بوضوح في تشخيص حالة “الانسداد السياسي الناعم”، حيث أصبحت حتى مفردات الإصلاح والتجديد تدور داخل الإطار ذاته، بينما تراجع النقاش الحقيقي حول المشروع الوطني التحرري لصالح إدارة الوقائع اليومية، وإعادة إنتاج البنية السياسية نفسها بأدوات مختلفة. وهنا تكمن خطورة المرحلة، لأن الأزمة لم تعد أزمة أشخاص أو مواقع أو نتائج مؤتمرات، بل أزمة تعريف للسياسة الوطنية نفسها ووظيفتها التاريخية.
لكن، ورغم قوة التفكيك النظري، يبقى السؤال الأهم:
كيف ننتقل من التشخيص إلى إعادة إنتاج الفعل الوطني الفلسطيني؟
في تقديري، لا يمكن الخروج من حالة الجمود عبر تغيير الوجوه أو إعادة توزيع المواقع داخل البنية القائمة فقط، بل عبر مراجعة وطنية عميقة تعيد الاعتبار لفكرة التحرر الوطني بوصفها مرجعية جامعة، وذلك من خلال مسارات متوازية:

أولا: إعادة تعريف وظيفة المؤسسة الوطنية، بحيث تعود أداة لقيادة مشروع تحرري وتمثيلي جامع، لا مجرد إطار لإدارة التوازنات اليومية أو احتواء الأزمات تحت ضغط الواقع المفروض.

ثانيا: إعادة وصل الداخل الفلسطيني بالشتات، لأن أحد أخطر نتائج المرحلة السابقة كان تفكيك المجال الوطني الفلسطيني وتحويله إلى جزر سياسية وجغرافية منفصلة، بينما أي مشروع وطني حقيقي لا يمكن أن يستعيد قوته دون وحدة الرواية والتمثيل وتكامل أدوات التأثير الوطني.

ثالثا: الانتقال من ثقافة “إدارة الأزمة” إلى ثقافة “إنتاج البدائل”، عبر فتح المجال الحقيقي أمام الأجيال الجديدة، والنقاشات الفكرية، ومراكز البحث، والفضاءات الثقافية والإعلامية والرقمية، حتى تستعيد السياسة الفلسطينية بعدها المعرفي والتحرري، لا أن تبقى مجرد رد فعل على الأحداث والمتغيرات.

رابعا: بناء شراكة وطنية حقيقية لا تقوم على الاحتواء أو المحاصصة أو إعادة تدوير النخب ذاتها، بل على الاعتراف بالتعدد السياسي والاجتماعي ضمن مرجعية وطنية جامعة، لأن أي حالة احتكار طويلة للتمثيل دون تجديد فعلي تؤدي تدريجيا إلى التآكل وفقدان الثقة الشعبية.

خامسا: استعادة البعد التحرري للسياسة الفلسطينية، بحيث لا تبقى محصورة داخل حدود “الممكن المسموح به”، بل تصبح قادرة على إعادة تعريف الممكن نفسه عبر الفعل الشعبي، والاشتباك السياسي والقانوني والدبلوماسي والإعلامي، وتراكم عناصر القوة الوطنية على المدى الطويل.

سادسا: إعادة الاعتبار للحركة الوطنية باعتبارها حالة اشتباك تاريخي مع المشروع الاستعماري، لا مجرد إدارة يومية لشروطه وتداعياته، لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه حركات التحرر هو التكيف الطويل مع الأزمة حتى تصبح الأزمة نفسها جزءا من البنية السياسية المعتادة.

وربما هنا تكمن أهمية هذا المقال الحقيقية، أنه يفتح النقاش حول الأزمة بوصفها أزمة بنية ووعي ووظيفة سياسية، لا مجرد أزمة انتخابات أو نتائج مؤتمر. فحين يصبح السؤال ليس فقط “من يمثل؟” بل “كيف يُنتَج التمثيل أصلًا؟”، نكون أمام محاولة جادة لإعادة التفكير في المشروع الوطني الفلسطيني كله.
إن التحدي الأكبر اليوم ليس فقط كسر الجمود السياسي، بل إعادة بناء أفق وطني قادر على الجمع بين التحرر والتمثيل، وبين الواقعية السياسية وعدم الاستسلام لشروط الهيمنة، لأن الشعوب لا تُهزم حين تتعرض للأزمات، بل حين تفقد قدرتها على تجديد فكرتها الوطنية، وتخيل المستقبل، وإنتاج البديل.
نائل التونسي
23/5/2026


==================


غانية ملحيس



الأستاذ العزيز نائل التونسي
جزيل الشكر لكعلى هذه القراءة العميقة والمتأنية، وعلى هذا التفاعل الذي لم يكتفِ بالتعليق على المقال، بل ذهب إلى استكمال أسئلته، والدفع بها نحو مستوى أكثر عملية واتصالا بإشكالية إعادة بناء الفعل الوطني الفلسطيني.
أعتقد أن أهمية ما طرحته تكمن تحديدا في الانتقال من سؤال التشخيص إلى سؤال الإمكان. أي كيف يمكن استعادة السياسة بوصفها قدرة على إنتاج أفق وطني تحرري، وليس مجرد إدارة مستمرة للأزمة وتعقيداتها. وهذا ما يجعل النقاط التي تفضلت بها حول إعادة تعريف وظيفة المؤسسة الوطنية، ووصل الداخل بالشتات، واستعادة البعد التحرري للسياسة، أسئلة مركزية لا يمكن تجاوزها في أي محاولة جادة لإعادة بناء المجال الوطني الفلسطيني.
أتفق معك أيضا أن أحد أخطر التحولات التي عاشتها الحالة الفلسطينية هو تحول “إدارة الواقع” تدريجيا إلى بديل عن “تغييره”، بما جعل كثيرا من البنى السياسية تنشغل بإعادة إنتاج الاستقرار الداخلي أكثر من انشغالها بإعادة إنتاج المشروع الوطني نفسه.
وربما هنا تبرز أهمية إعادة فتح المجال أمام الأجيال الجديدة، والفضاءات الفكرية والثقافية والرقمية، ليس فقط باعتبارها أدوات مساندة، بل بوصفها مواقع فعلية لإنتاج المعنى السياسي والبدائل الممكنة، خاصة في ظل تآكل احتكار المركز التقليدي للتمثيل وإنتاج السردية الوطنية.
سعدت كثيرا بهذه القراءة الثرية، لأنها تعيد النقاش إلى مستواه الأعمق: كيف يمكن الجمع بين الواقعية السياسية واستعادة الأفق التحرري، دون الوقوع في إعادة تدوير الأزمة أو الاستسلام لشروطها.
غانية ملحيس
23/5/2026
 
أعلى