الملخص التنفيذي
ينطلق المقال من نقد المقاربة الشائعة التي تُرجع قوة الموقف التفاوضي أو ضعفه إلى خصائص شخصية للمفاوض أو إلى مستوى مهاراته التفاوضية، ويقترح بديلا تفسيريا ينقل مركز التحليل من الفاعل إلى الشروط البنيوية التي تنتج الفعل التفاوضي.
وانطلاقاً من هذا المنظور، يفترض المقال أن ما يُعرف بـ” الصلابة التفاوضية” ليس سمة فردية مستقلة، بل هو نتاج تفاعل بين ثلاثة عناصر مترابطة:
تماسك المشروع السياسي، واتساق مصادر الشرعية، وقوة البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية الحاضنة لهما.
ولتوضيح هذه الفرضية، يقدم المقال إطارا مفاهيميا يحدد الاستخدام الإجرائي لمفاهيم السيادة والشرعية والمشروع السياسي والبنية، ثم يوظف مقارنة تحليلية بين الحالة الإيرانية من جهة، والحالتين الفلسطينية واللبنانية من جهة أخرى، بوصفها حالات تفسيرية تكشف اختلاف شروط إنتاج الموقف التفاوضي، وليس بهدف إصدار أحكام معيارية على هذه التجارب.
ويبين التحليل أن استقرار المشروع السياسي، وتماسك البنية المؤسسية، والقدرة على تحمل كلفة الصراع، تمنح المفاوض هامشا أوسع للحفاظ على ثبات أهدافه. في حين يؤدي تعدد مصادر الشرعية، وسيولة المشروع السياسي، وهشاشة البنية الداخلية إلى تقليص هذا الهامش وتحويل التفاوض إلى عملية مستمرة لإعادة تعريف الأهداف والتكيف مع الضغوط.
ويخلص المقال إلى أن فهم الفعل التفاوضي يقتضي إعادة ترتيب أولوية التفسير، بحيث تُدرس البنية المنتجة للموقف التفاوضي قبل تقييم أداء المفاوض نفسه، مع الإقرار بأن العلاقة بين البنية والفاعل تظل علاقة تفاعلية يمكن، في الأمد التاريخي الطويل، أن تسمح للفاعلين بإعادة تشكيل بعض عناصر البنية ذاتها.
وبناء على ذلك، يدعو المقال إلى إعادة تعريف شروط إنتاج “الصلابة التفاوضية” من خلال بناء مشروع سياسي واضح، وتنظيم العلاقة بين الشرعية والتمثيل، وتعزيز البنية المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يحوّل التفاوض من استجابة ظرفية لضغوط اللحظة، إلى امتداد استراتيجي لمشروع وطني مستقر.
المقال الكامل: من صلابة المفاوض إلى شروط إنتاج الصلابة: إعادة التفكير في النموذج التفاوضي العربي
تمهيد: إشكالية الصلابة التفاوضية
في النقاشات العربية الراهنة حول مسارات التفاوض، تتكرر مقارنات بين نماذج تفاوضية إقليمية مختلفة، وعلى رأسها النموذج الإيراني من جهة، وبعض النماذج العربية، ولا سيما الفلسطينية واللبنانية من جهة أخرى. وغالباً ما تُختزل هذه المقارنة في ثنائية تبسيطية بين “مفاوض صلب” و“مفاوض مرن”، أو بين “إرادة سياسية متماسكة” وأخرى “متذبذبة”، بما يوحي بأن الفارق الأساسي يعود إلى خصائص سلوكية أو شخصية لدى الفاعل السياسي.
غير أن هذه المقاربة، رغم جاذبيتها التفسيرية السريعة، تُخفي سؤالاً أكثر جوهرية يتعلق بطبيعة الشروط التي تُنتج الفعل التفاوضي ذاته: هل “الصلابة التفاوضية” هي سمة إرادية لدى المفاوض، أم أنها نتيجة لبنية أوسع تحدد إمكانات الفعل وحدوده؟ بمعنى آخر، هل نحن أمام اختلاف في الأشخاص، أم أمام اختلاف في شروط إنتاج القرار السياسي نفسه؟
أولا: الإطار المفاهيمي
يستند هذا المقال إلى توظيف مجموعة من المفاهيم المركزية بوصفها أدوات تحليل إجرائية، وليس بوصفها مفاهيم فلسفية مجردة، أو تعريفات معيارية عامة.
ويهدف هذا التحديد إلى ضبط الاستخدام الدلالي لهذه المفاهيم بما يحدّ من التداخل المفهومي أثناء التحليل، ويتيح قراءة أكثر دقة للعلاقة بين الفاعل السياسي والبنية التي ينتج ضمنها.
1. السيادة: يقصد بالسيادة هنا درجة قدرة الفاعل السياسي أو الدولة على اتخاذ قرارات استراتيجية في القضايا المصيرية بمعزل عن الإملاءات الخارجية المباشرة، بما يعكس مستوى الاستقلال الفعلي في إدارة المجال السياسي وليس مجرد الإعلان الرمزي عنه.
2. الشرعية: تُفهم “الشرعية” هنا بوصفها مفهوماً متعدد المصادر، يمكن تمييز ثلاثة أنماط رئيسية له:
ا. شرعية تمثيلية/مؤسساتية: تنشأ من آليات انتخابية أو مؤسسات دولة رسمية.
ب. شرعية ثورية/نضالية: تستند إلى تاريخ من المقاومة أو الفعل التحرري أو الرمزي.
ج. شرعية توافقية/طائفية أو فئوية: تنشأ من التوازن بين مكونات اجتماعية أو سياسية داخل النظام.
1. المشروع السياسي: مجموعة الأهداف والاستراتيجيات طويلة المدى التي تشكل اتجاه الفعل السياسي، وتُترجم إلى سياسات ومواقف عملية، بما يعكس درجة تماسك الرؤية السياسية واستمراريتها عبر الزمن.
2. البنية: تُستخدم “البنية” في هذا المقال بوصفها مفهوماً مركباً يتضمن ثلاث مستويات مترابطة:
ا. البنية المؤسسية: وتشير إلى طبيعة النظام السياسي، وآليات صنع القرار، وتوزيع السلطة داخل المؤسسات الرسمية.
ب. البنية الاقتصادية - الاجتماعية: وتشمل مستوى الموارد، وأنماط الإنتاج، وتوزيع القوة الاقتصادية داخل المجتمع، وما ينتج عنها من قيود أو إمكانات سياسية.
ج. البنية الأمنية/الجيوسياسية: وتشير إلى موقع الفاعل في البيئة الإقليمية والدولية، وطبيعة التهديدات والتحالفات التي يواجهها.
لا يُستخدم هذا التفكيك بغرض التجزئة النظرية، بل بهدف تحديد أي مستوى من مستويات المفهوم هو الأكثر تأثيراً في الحالة المدروسة.
وانطلاقاً من هذا التصور، يفترض المقال أن العلاقة بين هذه المفاهيم ليست علاقة فصل، بل علاقة تفاعلية مركبة، حيث تؤثر البنية في تشكيل المشروع السياسي وحدود إمكاناته، وتحدد الشرعية نطاق التمثيل السياسي، بينما تعكس السيادة مستوى القدرة على تثبيت هذا المشروع في مواجهة الضغوط والتوازنات الخارجية.
وبناء عليه، لا تُفهم “الصلابة التفاوضية” بوصفها صفة فردية، بل بوصفها نتاجا لشروط بنيوية سابقة على لحظة التفاوض نفسها.
ثانيا: الحالة الإيرانية: نموذج تحليلي للعلاقة بين المشروع السياسي والموقف التفاوضي
بغض النظر عن تقييم طبيعة سياساتها أو اتجاهاتها الإقليمية، يمكن ملاحظة أن الفعل التفاوضي لا يظهر بوصفه سلوكا منفصلا عن البنية العامة للدولة، بل بوصفه امتدادا لمشروع سياسي أكثر تماسكا واستقرارا نسبيا. فالمشروع السياسي هنا، وفق معناه الإجرائي، يبدو أكثر قدرة على الاستمرار عبر الزمن، وعلى تحويل مجموعة من الأهداف الاستراتيجية إلى محددات شبه ثابتة للفعل الخارجي.
في هذا السياق، لا يعمل التفاوض كمساحة لإعادة تعريف الهدف، بل كأداة لإدارة الصراع ضمن سقوف مسبقة التحديد.
ويعني ذلك أن “الصلابة التفاوضية” لا تُفهم هنا كسمة شخصية للمفاوض، بل كنتيجة مباشرة لدرجة اتساق العلاقة بين المشروع السياسي من جهة، والبنية الداعمة له من جهة أخرى، بما في ذلك مستويات التنظيم المؤسسي، وتراكم الخبرة التفاوضية، وقدرة الدولة على تحمل كلفة الاستنزاف السياسي والاقتصادي.
وبذلك، يصبح الفعل التفاوضي جزءا من منطق أوسع لإدارة الصراع، لا لحظة منفصلة عن هذا المنطق أو بديلا عنه.
لا يعني ما سبق أن النموذج الإيراني يخلو من التناقضات، أو أن مواقفه التفاوضية ظلت ثابتة في جميع المراحل. فقد شهدت السياسة الإيرانية تغيرات في أولوياتها وأساليبها التفاوضية تبعا لتحولات البيئة الإقليمية والدولية. كما عرفت نقاشات داخلية حول إدارة العلاقة بين متطلبات الأمن القومي، والاعتبارات الاقتصادية، وأهداف السياسة الخارجية.
إلا أن هذه التحولات جرت - في حدودها العامة - داخل إطار مشروع سياسي حافظ على قدر من الاستمرارية في تعريف المصالح العليا للدولة، الأمر الذي جعل التفاوض أقرب إلى إعادة ترتيب وسائل تحقيق الأهداف منه إلى إعادة تعريف الأهداف نفسها.
ومن ثم، فإن الاستشهاد بالحالة الإيرانية في هذا المقال لا يرمي إلى تقديمها نموذجا معياريا يحتذى، ولا إلى تقييم خياراتها السياسية، وإنما إلى توظيفها بوصفها حالة تحليلية تساعد على إبراز العلاقة بين تماسك المشروع السياسي وحدود الفعل التفاوضي.
ثالثا: الحالة العربية/الفلسطينية - اللبنانية: إشكالية في تماسك المشروع وليس في سلوك المفاوض فقط
لا يمكن اختزال الإشكال في السياقات العربية، ولا سيما الفلسطينية واللبنانية، في ضعف “الصلابة التفاوضية” بوصفها سمة سلوكية لدى الفاعلين السياسيين فحسب. بل يرتبط الأمر بدرجة أعمق بتفاوت مستويات تماسك المشروع السياسي نفسه، وبطبيعة العلاقة بين المشروع ومصادر الشرعية، والبنية الحاضنة له.
في الحالة الفلسطينية، يمكن ملاحظة أن المشروع السياسي عرف عبر مراحل مختلفة تحولات في تعريف الهدف النهائي، من التحرير الكامل إلى الدولة المستقلة، وصولا إلى صيغ الحكم الذاتي وإدارة الواقع القائم .
ولا يعكس هذا التحول مجرد تبدل تكتيكي، بل يشير إلى تباين مستمر في مستوى الاتفاق على تعريف “الهدف السياسي النهائي”، وهو ما ينعكس بدوره على طبيعة التمثيل السياسي وتعدد مراكزه، وتداخل مستويات الشرعية بين الفاعلين والمؤسسات.
هذا التعدد في مراكز التمثيل لا يعني فقط تعدد الأصوات السياسية، بل يشير إلى بنية تمثيلية غير مكتملة الاستقرار، تتداخل فيها المرجعيات التاريخية والتنظيمية والمؤسساتية، بما يجعل العلاقة بين المشروع السياسي وأدوات تنفيذه علاقة غير خطية، قابلة لإعادة التشكيل تبعا لتغير موازين القوة والسياقات الإقليمية والدولية.
أما في الحالة اللبنانية، فإن الإشكال يتصل بطبيعة البنية السياسية نفسها، حيث تشكل النظام حول توازنات طائفية مؤسسية أنتجت نموذجا معقدا لتوزيع السلطة. هذه البنية جعلت تعريف المشروع السياسي العام للدولة محل تفاوض دائم بين مكونات داخلية متعددة، ما أدى إلى صعوبة إنتاج تصور موحد ومتماسك للسيادة بوصفها مشروعاً جامعا، لا مجرد توازن إداري بين مكونات متجاورة.
وبذلك، فإن التباين في “الصلابة التفاوضية” لا يعود إلى اختلاف في الإرادة السياسية فقط، بل إلى اختلاف في درجة تماسك العلاقة بين المشروع السياسي من جهة، والبنية وشرعيات التمثيل من جهة أخرى.
انطلاقاً من هذا التحليل، يمكن القول إن الفارق بين النماذج محل المقارنة لا يكمن في مستوى “صلابة المفاوض”، بل في درجة استقرار المشروع السياسي، وتماسك البنية الحاضنة له، واتساق مصادر الشرعية التي يستند إليها الفعل السياسي. فكلما كان هذا المثلث (المشروع - الشرعية - البنية) أكثر تماسكا، اتسعت قدرة الفاعل على تحويل التفاوض إلى أداة إدارة صراع، لا إلى لحظة إعادة تعريف للهدف ذاته.
رابعا : البنية قبل الفاعل - إعادة تموضع سؤال “الصلابة التفاوضية
انطلاقا من المعطيات السابقة، يصبح من الصعب تفسير ما يُسمى بـ“الصلابة التفاوضية” بوصفه خاصية فردية مستقلة لدى المفاوض أو نتيجة مباشرة لأسلوبه السياسي. فالفعل التفاوضي لا ينتج في فراغ، بل يتحرك داخل حدود بنية أوسع تحدد شروط إمكانه قبل لحظة التفاوض نفسها.
في هذا السياق، يمكن إعادة تعريف موقع الفاعل السياسي بوصفه حلقة وسيطة بين المشروع السياسي من جهة، والبنية الحاضنة له من جهة أخرى. وبقدر ما تكون هذه البنية متماسكة - سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ومؤسسيا - بقدر ما يتسع هامش الفاعل في تثبيت الموقف التفاوضي وتقليل مستويات التكيف القسري مع الضغوط الخارجية.
وعلى العكس من ذلك، عندما يكون المشروع السياسي نفسه في حالة إعادة تعريف مستمرة، أو عندما تتعدد مراكز إنتاج الشرعية داخله، فإن الفاعل التفاوضي لا يعود قادرا على تمثيل موقف ثابت، بل يتحول إلى مرآة لحالة السيولة البنيوية التي تحيط به.
في هذه الحالة، لا يكون التفاوض أداة لتثبيت الهدف، بل مساحة لإعادة إنتاج التوازنات المتغيرة بين الداخل والخارج.
بناءً على ذلك، لا يمكن فهم “قوة الموقف التفاوضي” باعتبارها نتاجا لإرادة سياسية معزولة، بل بوصفها انعكاسا لدرجة التماسك البنيوي الذي يسبق الفعل التفاوضي ويؤطره. فالمفاوض لا يبتكر حدود الممكن السياسي، بل يتحرك داخلها، ويعيد تمثيلها في لحظة التفاوض.
ومن هنا، يصبح السؤال المركزي أقل ارتباطا بخصائص الفاعل التفاوضي، وأكثر ارتباطا بشروط إنتاج هذا الفاعل نفسه:
كيف تُبنى البنية التي تمنح المفاوض قدرة على الثبات؟ وكيف يُعاد إنتاج المشروع السياسي بما يقلل من تذبذب تعريف الهدف وحدود التمثيل؟
خامساً: العلاقة التفاعلية بين البنية والفاعل: حدود المقاربة
على الرغم من أن هذا المقال ينطلق من أولوية البنية في تفسير الموقف التفاوضي، فإن العلاقة بين البنية والفاعل لا تُفهم هنا بوصفها علاقة أحادية الاتجاه أو حتمية. فقد يسهم الفاعلون السياسيون، في ظروف تاريخية معينة، في إعادة تشكيل البنية ذاتها، أو في إعادة تعريف المشروع السياسي الذي يتحركون في إطاره. كما قد يصبح التفاوض، في بعض الحالات، أداة لإحداث تحولات بنيوية، وليس مجرد انعكاس لها.
غير أن هذه الإمكانية لا تنفي الفرضية التي يقوم عليها هذا التحليل، بل تحدد نطاقها. فالمقال يميز بين مستويين زمنيين للتحليل: ففي الأمد القصير، يتحرك الفاعل التفاوضي غالبا ضمن حدود البنية القائمة، فتظل قدرته على تجاوزها محدودة. أما في الأمد التاريخي الأطول، فقد يسهم تراكم القرارات السياسية، والتحولات الاجتماعية، ونتائج التفاوض نفسها، في إعادة تشكيل بعض عناصر البنية، أو في إعادة تعريف المشروع السياسي.
وبذلك، لا يدعو هذا المقال إلى استبدال الفاعل بالبنية، بل إلى إعادة ترتيب أولوية التفسير، بحيث يُفهم سلوك المفاوض أولا في ضوء الشروط البنيوية التي تنتجه، قبل الانتقال إلى دراسة قدرة هذا السلوك على تعديل تلك الشروط أو إعادة إنتاجها.
سادسا: نحو إعادة تعريف شروط إنتاج الصلابة التفاوضية
إذا كان التحليل السابق قد أظهر أن “الصلابة التفاوضية” ليست سمة فردية بقدر ما هي نتاج تفاعل بين المشروع السياسي والشرعية والبنية، فإن السؤال المركزي ينتقل من مستوى توصيف الفعل التفاوضي إلى مستوى شروط إنتاجه.
أي: كيف يمكن بناء سياق سياسي يجعل من الثبات في التفاوض نتيجة طبيعية لبنية مستقرة، لا استثناء مرتبطا بظرف أو شخصية؟
في هذا الإطار، يصبح إعادة بناء “الصلابة التفاوضية” مرتبطا بثلاثة مستويات مترابطة.
1، مستوى تعريف المشروع السياسي ذاته
بما يعني تثبيت الحد الأدنى من الإجماع حول الأهداف النهائية، بحيث لا تبقى هذه الأهداف عرضة لإعادة الصياغة المستمرة تحت ضغط التحولات في موازين القوى المتغيرة. فغياب هذا الحد الأدنى يحوّل التفاوض من أداة إدارة صراع إلى مساحة دائمة لإعادة تعريف الغاية نفسها.
2، مستوى إعادة تنظيم العلاقة بين الشرعية والتمثيل السياسي
بحيث لا تبقى الشرعية موزعة بشكل يخلق مراكز قرار متوازية أو متنازعة، بل تُعاد صياغتها ضمن إطار يسمح بتقليل التناقض بين المرجعيات السياسية المختلفة. فكلما تعددت مصادر الشرعية دون آلية حاكمة واضحة، ازداد تذبذب الموقف التفاوضي وتعدد تعبيراته.
3، مستوى تعزيز البنية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية بوصفها الحاضن الفعلي للمشروع السياسي، وليس مجرد سياق له. فالبنية المتماسكة لا توفر فقط الموارد، بل تنتج أيضا قدرة على تحمّل الكلفة السياسية والعسكرية للتفاوض طويل الأمد، وتمنح الفاعل التفاوضي هامشا أوسع للثبات في مواجهة الضغوط الخارجية.
وعليه، فإن “الصلابة التفاوضية” في هذا التصور لا تُبنى عبر تحسين أداء المفاوض أو تغيير أسلوبه الخطابي فحسب، بل عبر إعادة إنتاج الشروط التي تجعل من الثبات خيارا بنيويا ممكنا.
فكلما كان المشروع أوضح، والشرعية أكثر انتظاما، والبنية أكثر تماسكا، تقلصت الحاجة إلى التذبذب التفاوضي بوصفه استجابة لضغوط اللحظة.
وبهذا المعنى، لا يعود التفاوض ساحة لاختبار الإرادات الفردية، بل يصبح انعكاساً لبنية سياسية قادرة على تحويل الهدف الوطني إلى مسار طويل الأمد، لا يتغير بتغير الظروف، بل يديرها ضمن حدود واضحة ومحددة مسبقا.
سابعا: من سلوك المفاوض إلى شروط إنتاج الموقف التفاوضي
يخلص هذا التحليل إلى أن مقاربة “الصلابة التفاوضية” بوصفها سمة شخصية أو أسلوبا تفاوضيا مستقلا تظل مقاربة قاصرة تفسيريا، لأنها تتجاهل الشروط البنيوية التي تسبق لحظة التفاوض وتؤطرها. فالمفاوض، في هذا التصور، ليس فاعلا حرا تماما في إنتاج مواقفه، بل هو تعبير مكثف عن تفاعل مركب بين المشروع السياسي، ومصادر الشرعية، والبنية الاجتماعية - السياسية التي تمنحه حدود الحركة وإمكاناتها.
وعليه، فإن الفارق بين النماذج التفاوضية لا يُفهم على نحو دقيق من خلال مقارنة الإرادات أو تقييم “المرونة” و“الصلابة” بمعايير سلوكية، بل من خلال تحليل درجة تماسك هذه العناصر الثلاثة: وضوح المشروع السياسي، انتظام الشرعية، وتماسك البنية الداعمة لهما. حيث يؤدي ارتفاع مستوى الاتساق بينها إلى إنتاج موقف تفاوضي أكثر استقرارا وقدرة على الاستمرار. في حين أن تداخلها أو تباينها المستمر يفضي إلى تفاوض يتسم بالتكيف الدائم وإعادة التعريف المتكرر للأهداف.
وبهذا المعنى، لا يعود التفاوض مجرد مساحة لإدارة الصراع الخارجي، بل يصبح انعكاسا مباشرا لطبيعة البناء السياسي الداخلي نفسه. فكلما كان الداخل أكثر قدرة على إنتاج مشروع متماسك وشرعية واضحة وبنية مستقرة، كلما تحولت عملية التفاوض إلى امتداد طبيعي لهذا التماسك، لا إلى ساحة لتعويض غيابه.
إن إعادة التفكير في شروط إنتاج “الصلابة التفاوضية” تقود بالتالي إلى إعادة ترتيب السؤال من جذوره:
ليس من هو المفاوض الأكثر صلابة؟
بل ما هي البنية التي تجعل الصلابة ممكنة أصلا؟
وفي هذا التحول من الشخص إلى البنية، ومن السلوك إلى الشروط المنتجة له، تتحدد إمكانية بناء فهم أكثر دقة وواقعية للفعل التفاوضي في السياقات المعقدة.
غانية ملحيس
28/6/
ينطلق المقال من نقد المقاربة الشائعة التي تُرجع قوة الموقف التفاوضي أو ضعفه إلى خصائص شخصية للمفاوض أو إلى مستوى مهاراته التفاوضية، ويقترح بديلا تفسيريا ينقل مركز التحليل من الفاعل إلى الشروط البنيوية التي تنتج الفعل التفاوضي.
وانطلاقاً من هذا المنظور، يفترض المقال أن ما يُعرف بـ” الصلابة التفاوضية” ليس سمة فردية مستقلة، بل هو نتاج تفاعل بين ثلاثة عناصر مترابطة:
تماسك المشروع السياسي، واتساق مصادر الشرعية، وقوة البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية الحاضنة لهما.
ولتوضيح هذه الفرضية، يقدم المقال إطارا مفاهيميا يحدد الاستخدام الإجرائي لمفاهيم السيادة والشرعية والمشروع السياسي والبنية، ثم يوظف مقارنة تحليلية بين الحالة الإيرانية من جهة، والحالتين الفلسطينية واللبنانية من جهة أخرى، بوصفها حالات تفسيرية تكشف اختلاف شروط إنتاج الموقف التفاوضي، وليس بهدف إصدار أحكام معيارية على هذه التجارب.
ويبين التحليل أن استقرار المشروع السياسي، وتماسك البنية المؤسسية، والقدرة على تحمل كلفة الصراع، تمنح المفاوض هامشا أوسع للحفاظ على ثبات أهدافه. في حين يؤدي تعدد مصادر الشرعية، وسيولة المشروع السياسي، وهشاشة البنية الداخلية إلى تقليص هذا الهامش وتحويل التفاوض إلى عملية مستمرة لإعادة تعريف الأهداف والتكيف مع الضغوط.
ويخلص المقال إلى أن فهم الفعل التفاوضي يقتضي إعادة ترتيب أولوية التفسير، بحيث تُدرس البنية المنتجة للموقف التفاوضي قبل تقييم أداء المفاوض نفسه، مع الإقرار بأن العلاقة بين البنية والفاعل تظل علاقة تفاعلية يمكن، في الأمد التاريخي الطويل، أن تسمح للفاعلين بإعادة تشكيل بعض عناصر البنية ذاتها.
وبناء على ذلك، يدعو المقال إلى إعادة تعريف شروط إنتاج “الصلابة التفاوضية” من خلال بناء مشروع سياسي واضح، وتنظيم العلاقة بين الشرعية والتمثيل، وتعزيز البنية المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يحوّل التفاوض من استجابة ظرفية لضغوط اللحظة، إلى امتداد استراتيجي لمشروع وطني مستقر.
المقال الكامل: من صلابة المفاوض إلى شروط إنتاج الصلابة: إعادة التفكير في النموذج التفاوضي العربي
تمهيد: إشكالية الصلابة التفاوضية
في النقاشات العربية الراهنة حول مسارات التفاوض، تتكرر مقارنات بين نماذج تفاوضية إقليمية مختلفة، وعلى رأسها النموذج الإيراني من جهة، وبعض النماذج العربية، ولا سيما الفلسطينية واللبنانية من جهة أخرى. وغالباً ما تُختزل هذه المقارنة في ثنائية تبسيطية بين “مفاوض صلب” و“مفاوض مرن”، أو بين “إرادة سياسية متماسكة” وأخرى “متذبذبة”، بما يوحي بأن الفارق الأساسي يعود إلى خصائص سلوكية أو شخصية لدى الفاعل السياسي.
غير أن هذه المقاربة، رغم جاذبيتها التفسيرية السريعة، تُخفي سؤالاً أكثر جوهرية يتعلق بطبيعة الشروط التي تُنتج الفعل التفاوضي ذاته: هل “الصلابة التفاوضية” هي سمة إرادية لدى المفاوض، أم أنها نتيجة لبنية أوسع تحدد إمكانات الفعل وحدوده؟ بمعنى آخر، هل نحن أمام اختلاف في الأشخاص، أم أمام اختلاف في شروط إنتاج القرار السياسي نفسه؟
أولا: الإطار المفاهيمي
يستند هذا المقال إلى توظيف مجموعة من المفاهيم المركزية بوصفها أدوات تحليل إجرائية، وليس بوصفها مفاهيم فلسفية مجردة، أو تعريفات معيارية عامة.
ويهدف هذا التحديد إلى ضبط الاستخدام الدلالي لهذه المفاهيم بما يحدّ من التداخل المفهومي أثناء التحليل، ويتيح قراءة أكثر دقة للعلاقة بين الفاعل السياسي والبنية التي ينتج ضمنها.
1. السيادة: يقصد بالسيادة هنا درجة قدرة الفاعل السياسي أو الدولة على اتخاذ قرارات استراتيجية في القضايا المصيرية بمعزل عن الإملاءات الخارجية المباشرة، بما يعكس مستوى الاستقلال الفعلي في إدارة المجال السياسي وليس مجرد الإعلان الرمزي عنه.
2. الشرعية: تُفهم “الشرعية” هنا بوصفها مفهوماً متعدد المصادر، يمكن تمييز ثلاثة أنماط رئيسية له:
ا. شرعية تمثيلية/مؤسساتية: تنشأ من آليات انتخابية أو مؤسسات دولة رسمية.
ب. شرعية ثورية/نضالية: تستند إلى تاريخ من المقاومة أو الفعل التحرري أو الرمزي.
ج. شرعية توافقية/طائفية أو فئوية: تنشأ من التوازن بين مكونات اجتماعية أو سياسية داخل النظام.
1. المشروع السياسي: مجموعة الأهداف والاستراتيجيات طويلة المدى التي تشكل اتجاه الفعل السياسي، وتُترجم إلى سياسات ومواقف عملية، بما يعكس درجة تماسك الرؤية السياسية واستمراريتها عبر الزمن.
2. البنية: تُستخدم “البنية” في هذا المقال بوصفها مفهوماً مركباً يتضمن ثلاث مستويات مترابطة:
ا. البنية المؤسسية: وتشير إلى طبيعة النظام السياسي، وآليات صنع القرار، وتوزيع السلطة داخل المؤسسات الرسمية.
ب. البنية الاقتصادية - الاجتماعية: وتشمل مستوى الموارد، وأنماط الإنتاج، وتوزيع القوة الاقتصادية داخل المجتمع، وما ينتج عنها من قيود أو إمكانات سياسية.
ج. البنية الأمنية/الجيوسياسية: وتشير إلى موقع الفاعل في البيئة الإقليمية والدولية، وطبيعة التهديدات والتحالفات التي يواجهها.
لا يُستخدم هذا التفكيك بغرض التجزئة النظرية، بل بهدف تحديد أي مستوى من مستويات المفهوم هو الأكثر تأثيراً في الحالة المدروسة.
وانطلاقاً من هذا التصور، يفترض المقال أن العلاقة بين هذه المفاهيم ليست علاقة فصل، بل علاقة تفاعلية مركبة، حيث تؤثر البنية في تشكيل المشروع السياسي وحدود إمكاناته، وتحدد الشرعية نطاق التمثيل السياسي، بينما تعكس السيادة مستوى القدرة على تثبيت هذا المشروع في مواجهة الضغوط والتوازنات الخارجية.
وبناء عليه، لا تُفهم “الصلابة التفاوضية” بوصفها صفة فردية، بل بوصفها نتاجا لشروط بنيوية سابقة على لحظة التفاوض نفسها.
ثانيا: الحالة الإيرانية: نموذج تحليلي للعلاقة بين المشروع السياسي والموقف التفاوضي
بغض النظر عن تقييم طبيعة سياساتها أو اتجاهاتها الإقليمية، يمكن ملاحظة أن الفعل التفاوضي لا يظهر بوصفه سلوكا منفصلا عن البنية العامة للدولة، بل بوصفه امتدادا لمشروع سياسي أكثر تماسكا واستقرارا نسبيا. فالمشروع السياسي هنا، وفق معناه الإجرائي، يبدو أكثر قدرة على الاستمرار عبر الزمن، وعلى تحويل مجموعة من الأهداف الاستراتيجية إلى محددات شبه ثابتة للفعل الخارجي.
في هذا السياق، لا يعمل التفاوض كمساحة لإعادة تعريف الهدف، بل كأداة لإدارة الصراع ضمن سقوف مسبقة التحديد.
ويعني ذلك أن “الصلابة التفاوضية” لا تُفهم هنا كسمة شخصية للمفاوض، بل كنتيجة مباشرة لدرجة اتساق العلاقة بين المشروع السياسي من جهة، والبنية الداعمة له من جهة أخرى، بما في ذلك مستويات التنظيم المؤسسي، وتراكم الخبرة التفاوضية، وقدرة الدولة على تحمل كلفة الاستنزاف السياسي والاقتصادي.
وبذلك، يصبح الفعل التفاوضي جزءا من منطق أوسع لإدارة الصراع، لا لحظة منفصلة عن هذا المنطق أو بديلا عنه.
لا يعني ما سبق أن النموذج الإيراني يخلو من التناقضات، أو أن مواقفه التفاوضية ظلت ثابتة في جميع المراحل. فقد شهدت السياسة الإيرانية تغيرات في أولوياتها وأساليبها التفاوضية تبعا لتحولات البيئة الإقليمية والدولية. كما عرفت نقاشات داخلية حول إدارة العلاقة بين متطلبات الأمن القومي، والاعتبارات الاقتصادية، وأهداف السياسة الخارجية.
إلا أن هذه التحولات جرت - في حدودها العامة - داخل إطار مشروع سياسي حافظ على قدر من الاستمرارية في تعريف المصالح العليا للدولة، الأمر الذي جعل التفاوض أقرب إلى إعادة ترتيب وسائل تحقيق الأهداف منه إلى إعادة تعريف الأهداف نفسها.
ومن ثم، فإن الاستشهاد بالحالة الإيرانية في هذا المقال لا يرمي إلى تقديمها نموذجا معياريا يحتذى، ولا إلى تقييم خياراتها السياسية، وإنما إلى توظيفها بوصفها حالة تحليلية تساعد على إبراز العلاقة بين تماسك المشروع السياسي وحدود الفعل التفاوضي.
ثالثا: الحالة العربية/الفلسطينية - اللبنانية: إشكالية في تماسك المشروع وليس في سلوك المفاوض فقط
لا يمكن اختزال الإشكال في السياقات العربية، ولا سيما الفلسطينية واللبنانية، في ضعف “الصلابة التفاوضية” بوصفها سمة سلوكية لدى الفاعلين السياسيين فحسب. بل يرتبط الأمر بدرجة أعمق بتفاوت مستويات تماسك المشروع السياسي نفسه، وبطبيعة العلاقة بين المشروع ومصادر الشرعية، والبنية الحاضنة له.
في الحالة الفلسطينية، يمكن ملاحظة أن المشروع السياسي عرف عبر مراحل مختلفة تحولات في تعريف الهدف النهائي، من التحرير الكامل إلى الدولة المستقلة، وصولا إلى صيغ الحكم الذاتي وإدارة الواقع القائم .
ولا يعكس هذا التحول مجرد تبدل تكتيكي، بل يشير إلى تباين مستمر في مستوى الاتفاق على تعريف “الهدف السياسي النهائي”، وهو ما ينعكس بدوره على طبيعة التمثيل السياسي وتعدد مراكزه، وتداخل مستويات الشرعية بين الفاعلين والمؤسسات.
هذا التعدد في مراكز التمثيل لا يعني فقط تعدد الأصوات السياسية، بل يشير إلى بنية تمثيلية غير مكتملة الاستقرار، تتداخل فيها المرجعيات التاريخية والتنظيمية والمؤسساتية، بما يجعل العلاقة بين المشروع السياسي وأدوات تنفيذه علاقة غير خطية، قابلة لإعادة التشكيل تبعا لتغير موازين القوة والسياقات الإقليمية والدولية.
أما في الحالة اللبنانية، فإن الإشكال يتصل بطبيعة البنية السياسية نفسها، حيث تشكل النظام حول توازنات طائفية مؤسسية أنتجت نموذجا معقدا لتوزيع السلطة. هذه البنية جعلت تعريف المشروع السياسي العام للدولة محل تفاوض دائم بين مكونات داخلية متعددة، ما أدى إلى صعوبة إنتاج تصور موحد ومتماسك للسيادة بوصفها مشروعاً جامعا، لا مجرد توازن إداري بين مكونات متجاورة.
وبذلك، فإن التباين في “الصلابة التفاوضية” لا يعود إلى اختلاف في الإرادة السياسية فقط، بل إلى اختلاف في درجة تماسك العلاقة بين المشروع السياسي من جهة، والبنية وشرعيات التمثيل من جهة أخرى.
انطلاقاً من هذا التحليل، يمكن القول إن الفارق بين النماذج محل المقارنة لا يكمن في مستوى “صلابة المفاوض”، بل في درجة استقرار المشروع السياسي، وتماسك البنية الحاضنة له، واتساق مصادر الشرعية التي يستند إليها الفعل السياسي. فكلما كان هذا المثلث (المشروع - الشرعية - البنية) أكثر تماسكا، اتسعت قدرة الفاعل على تحويل التفاوض إلى أداة إدارة صراع، لا إلى لحظة إعادة تعريف للهدف ذاته.
رابعا : البنية قبل الفاعل - إعادة تموضع سؤال “الصلابة التفاوضية
انطلاقا من المعطيات السابقة، يصبح من الصعب تفسير ما يُسمى بـ“الصلابة التفاوضية” بوصفه خاصية فردية مستقلة لدى المفاوض أو نتيجة مباشرة لأسلوبه السياسي. فالفعل التفاوضي لا ينتج في فراغ، بل يتحرك داخل حدود بنية أوسع تحدد شروط إمكانه قبل لحظة التفاوض نفسها.
في هذا السياق، يمكن إعادة تعريف موقع الفاعل السياسي بوصفه حلقة وسيطة بين المشروع السياسي من جهة، والبنية الحاضنة له من جهة أخرى. وبقدر ما تكون هذه البنية متماسكة - سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ومؤسسيا - بقدر ما يتسع هامش الفاعل في تثبيت الموقف التفاوضي وتقليل مستويات التكيف القسري مع الضغوط الخارجية.
وعلى العكس من ذلك، عندما يكون المشروع السياسي نفسه في حالة إعادة تعريف مستمرة، أو عندما تتعدد مراكز إنتاج الشرعية داخله، فإن الفاعل التفاوضي لا يعود قادرا على تمثيل موقف ثابت، بل يتحول إلى مرآة لحالة السيولة البنيوية التي تحيط به.
في هذه الحالة، لا يكون التفاوض أداة لتثبيت الهدف، بل مساحة لإعادة إنتاج التوازنات المتغيرة بين الداخل والخارج.
بناءً على ذلك، لا يمكن فهم “قوة الموقف التفاوضي” باعتبارها نتاجا لإرادة سياسية معزولة، بل بوصفها انعكاسا لدرجة التماسك البنيوي الذي يسبق الفعل التفاوضي ويؤطره. فالمفاوض لا يبتكر حدود الممكن السياسي، بل يتحرك داخلها، ويعيد تمثيلها في لحظة التفاوض.
ومن هنا، يصبح السؤال المركزي أقل ارتباطا بخصائص الفاعل التفاوضي، وأكثر ارتباطا بشروط إنتاج هذا الفاعل نفسه:
كيف تُبنى البنية التي تمنح المفاوض قدرة على الثبات؟ وكيف يُعاد إنتاج المشروع السياسي بما يقلل من تذبذب تعريف الهدف وحدود التمثيل؟
خامساً: العلاقة التفاعلية بين البنية والفاعل: حدود المقاربة
على الرغم من أن هذا المقال ينطلق من أولوية البنية في تفسير الموقف التفاوضي، فإن العلاقة بين البنية والفاعل لا تُفهم هنا بوصفها علاقة أحادية الاتجاه أو حتمية. فقد يسهم الفاعلون السياسيون، في ظروف تاريخية معينة، في إعادة تشكيل البنية ذاتها، أو في إعادة تعريف المشروع السياسي الذي يتحركون في إطاره. كما قد يصبح التفاوض، في بعض الحالات، أداة لإحداث تحولات بنيوية، وليس مجرد انعكاس لها.
غير أن هذه الإمكانية لا تنفي الفرضية التي يقوم عليها هذا التحليل، بل تحدد نطاقها. فالمقال يميز بين مستويين زمنيين للتحليل: ففي الأمد القصير، يتحرك الفاعل التفاوضي غالبا ضمن حدود البنية القائمة، فتظل قدرته على تجاوزها محدودة. أما في الأمد التاريخي الأطول، فقد يسهم تراكم القرارات السياسية، والتحولات الاجتماعية، ونتائج التفاوض نفسها، في إعادة تشكيل بعض عناصر البنية، أو في إعادة تعريف المشروع السياسي.
وبذلك، لا يدعو هذا المقال إلى استبدال الفاعل بالبنية، بل إلى إعادة ترتيب أولوية التفسير، بحيث يُفهم سلوك المفاوض أولا في ضوء الشروط البنيوية التي تنتجه، قبل الانتقال إلى دراسة قدرة هذا السلوك على تعديل تلك الشروط أو إعادة إنتاجها.
سادسا: نحو إعادة تعريف شروط إنتاج الصلابة التفاوضية
إذا كان التحليل السابق قد أظهر أن “الصلابة التفاوضية” ليست سمة فردية بقدر ما هي نتاج تفاعل بين المشروع السياسي والشرعية والبنية، فإن السؤال المركزي ينتقل من مستوى توصيف الفعل التفاوضي إلى مستوى شروط إنتاجه.
أي: كيف يمكن بناء سياق سياسي يجعل من الثبات في التفاوض نتيجة طبيعية لبنية مستقرة، لا استثناء مرتبطا بظرف أو شخصية؟
في هذا الإطار، يصبح إعادة بناء “الصلابة التفاوضية” مرتبطا بثلاثة مستويات مترابطة.
1، مستوى تعريف المشروع السياسي ذاته
بما يعني تثبيت الحد الأدنى من الإجماع حول الأهداف النهائية، بحيث لا تبقى هذه الأهداف عرضة لإعادة الصياغة المستمرة تحت ضغط التحولات في موازين القوى المتغيرة. فغياب هذا الحد الأدنى يحوّل التفاوض من أداة إدارة صراع إلى مساحة دائمة لإعادة تعريف الغاية نفسها.
2، مستوى إعادة تنظيم العلاقة بين الشرعية والتمثيل السياسي
بحيث لا تبقى الشرعية موزعة بشكل يخلق مراكز قرار متوازية أو متنازعة، بل تُعاد صياغتها ضمن إطار يسمح بتقليل التناقض بين المرجعيات السياسية المختلفة. فكلما تعددت مصادر الشرعية دون آلية حاكمة واضحة، ازداد تذبذب الموقف التفاوضي وتعدد تعبيراته.
3، مستوى تعزيز البنية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية بوصفها الحاضن الفعلي للمشروع السياسي، وليس مجرد سياق له. فالبنية المتماسكة لا توفر فقط الموارد، بل تنتج أيضا قدرة على تحمّل الكلفة السياسية والعسكرية للتفاوض طويل الأمد، وتمنح الفاعل التفاوضي هامشا أوسع للثبات في مواجهة الضغوط الخارجية.
وعليه، فإن “الصلابة التفاوضية” في هذا التصور لا تُبنى عبر تحسين أداء المفاوض أو تغيير أسلوبه الخطابي فحسب، بل عبر إعادة إنتاج الشروط التي تجعل من الثبات خيارا بنيويا ممكنا.
فكلما كان المشروع أوضح، والشرعية أكثر انتظاما، والبنية أكثر تماسكا، تقلصت الحاجة إلى التذبذب التفاوضي بوصفه استجابة لضغوط اللحظة.
وبهذا المعنى، لا يعود التفاوض ساحة لاختبار الإرادات الفردية، بل يصبح انعكاساً لبنية سياسية قادرة على تحويل الهدف الوطني إلى مسار طويل الأمد، لا يتغير بتغير الظروف، بل يديرها ضمن حدود واضحة ومحددة مسبقا.
سابعا: من سلوك المفاوض إلى شروط إنتاج الموقف التفاوضي
يخلص هذا التحليل إلى أن مقاربة “الصلابة التفاوضية” بوصفها سمة شخصية أو أسلوبا تفاوضيا مستقلا تظل مقاربة قاصرة تفسيريا، لأنها تتجاهل الشروط البنيوية التي تسبق لحظة التفاوض وتؤطرها. فالمفاوض، في هذا التصور، ليس فاعلا حرا تماما في إنتاج مواقفه، بل هو تعبير مكثف عن تفاعل مركب بين المشروع السياسي، ومصادر الشرعية، والبنية الاجتماعية - السياسية التي تمنحه حدود الحركة وإمكاناتها.
وعليه، فإن الفارق بين النماذج التفاوضية لا يُفهم على نحو دقيق من خلال مقارنة الإرادات أو تقييم “المرونة” و“الصلابة” بمعايير سلوكية، بل من خلال تحليل درجة تماسك هذه العناصر الثلاثة: وضوح المشروع السياسي، انتظام الشرعية، وتماسك البنية الداعمة لهما. حيث يؤدي ارتفاع مستوى الاتساق بينها إلى إنتاج موقف تفاوضي أكثر استقرارا وقدرة على الاستمرار. في حين أن تداخلها أو تباينها المستمر يفضي إلى تفاوض يتسم بالتكيف الدائم وإعادة التعريف المتكرر للأهداف.
وبهذا المعنى، لا يعود التفاوض مجرد مساحة لإدارة الصراع الخارجي، بل يصبح انعكاسا مباشرا لطبيعة البناء السياسي الداخلي نفسه. فكلما كان الداخل أكثر قدرة على إنتاج مشروع متماسك وشرعية واضحة وبنية مستقرة، كلما تحولت عملية التفاوض إلى امتداد طبيعي لهذا التماسك، لا إلى ساحة لتعويض غيابه.
إن إعادة التفكير في شروط إنتاج “الصلابة التفاوضية” تقود بالتالي إلى إعادة ترتيب السؤال من جذوره:
ليس من هو المفاوض الأكثر صلابة؟
بل ما هي البنية التي تجعل الصلابة ممكنة أصلا؟
وفي هذا التحول من الشخص إلى البنية، ومن السلوك إلى الشروط المنتجة له، تتحدد إمكانية بناء فهم أكثر دقة وواقعية للفعل التفاوضي في السياقات المعقدة.
غانية ملحيس
28/6/