غانية ملحيس - من صلابة المفاوض إلى شروط إنتاج الصلابة: إعادة التفكير في النموذج التفاوضي العربي

الملخص التنفيذي

ينطلق المقال من نقد المقاربة الشائعة التي تُرجع قوة الموقف التفاوضي أو ضعفه إلى خصائص شخصية للمفاوض أو إلى مستوى مهاراته التفاوضية، ويقترح بديلا تفسيريا ينقل مركز التحليل من الفاعل إلى الشروط البنيوية التي تنتج الفعل التفاوضي.
وانطلاقاً من هذا المنظور، يفترض المقال أن ما يُعرف بـ” الصلابة التفاوضية” ليس سمة فردية مستقلة، بل هو نتاج تفاعل بين ثلاثة عناصر مترابطة:
تماسك المشروع السياسي، واتساق مصادر الشرعية، وقوة البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية الحاضنة لهما.
ولتوضيح هذه الفرضية، يقدم المقال إطارا مفاهيميا يحدد الاستخدام الإجرائي لمفاهيم السيادة والشرعية والمشروع السياسي والبنية، ثم يوظف مقارنة تحليلية بين الحالة الإيرانية من جهة، والحالتين الفلسطينية واللبنانية من جهة أخرى، بوصفها حالات تفسيرية تكشف اختلاف شروط إنتاج الموقف التفاوضي، وليس بهدف إصدار أحكام معيارية على هذه التجارب.
ويبين التحليل أن استقرار المشروع السياسي، وتماسك البنية المؤسسية، والقدرة على تحمل كلفة الصراع، تمنح المفاوض هامشا أوسع للحفاظ على ثبات أهدافه. في حين يؤدي تعدد مصادر الشرعية، وسيولة المشروع السياسي، وهشاشة البنية الداخلية إلى تقليص هذا الهامش وتحويل التفاوض إلى عملية مستمرة لإعادة تعريف الأهداف والتكيف مع الضغوط.
ويخلص المقال إلى أن فهم الفعل التفاوضي يقتضي إعادة ترتيب أولوية التفسير، بحيث تُدرس البنية المنتجة للموقف التفاوضي قبل تقييم أداء المفاوض نفسه، مع الإقرار بأن العلاقة بين البنية والفاعل تظل علاقة تفاعلية يمكن، في الأمد التاريخي الطويل، أن تسمح للفاعلين بإعادة تشكيل بعض عناصر البنية ذاتها.
وبناء على ذلك، يدعو المقال إلى إعادة تعريف شروط إنتاج “الصلابة التفاوضية” من خلال بناء مشروع سياسي واضح، وتنظيم العلاقة بين الشرعية والتمثيل، وتعزيز البنية المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يحوّل التفاوض من استجابة ظرفية لضغوط اللحظة، إلى امتداد استراتيجي لمشروع وطني مستقر.


المقال الكامل: من صلابة المفاوض إلى شروط إنتاج الصلابة: إعادة التفكير في النموذج التفاوضي العربي

تمهيد: إشكالية الصلابة التفاوضية
في النقاشات العربية الراهنة حول مسارات التفاوض، تتكرر مقارنات بين نماذج تفاوضية إقليمية مختلفة، وعلى رأسها النموذج الإيراني من جهة، وبعض النماذج العربية، ولا سيما الفلسطينية واللبنانية من جهة أخرى. وغالباً ما تُختزل هذه المقارنة في ثنائية تبسيطية بين “مفاوض صلب” و“مفاوض مرن”، أو بين “إرادة سياسية متماسكة” وأخرى “متذبذبة”، بما يوحي بأن الفارق الأساسي يعود إلى خصائص سلوكية أو شخصية لدى الفاعل السياسي.

غير أن هذه المقاربة، رغم جاذبيتها التفسيرية السريعة، تُخفي سؤالاً أكثر جوهرية يتعلق بطبيعة الشروط التي تُنتج الفعل التفاوضي ذاته: هل “الصلابة التفاوضية” هي سمة إرادية لدى المفاوض، أم أنها نتيجة لبنية أوسع تحدد إمكانات الفعل وحدوده؟ بمعنى آخر، هل نحن أمام اختلاف في الأشخاص، أم أمام اختلاف في شروط إنتاج القرار السياسي نفسه؟

أولا: الإطار المفاهيمي
يستند هذا المقال إلى توظيف مجموعة من المفاهيم المركزية بوصفها أدوات تحليل إجرائية، وليس بوصفها مفاهيم فلسفية مجردة، أو تعريفات معيارية عامة.
ويهدف هذا التحديد إلى ضبط الاستخدام الدلالي لهذه المفاهيم بما يحدّ من التداخل المفهومي أثناء التحليل، ويتيح قراءة أكثر دقة للعلاقة بين الفاعل السياسي والبنية التي ينتج ضمنها.

1. السيادة: يقصد بالسيادة هنا درجة قدرة الفاعل السياسي أو الدولة على اتخاذ قرارات استراتيجية في القضايا المصيرية بمعزل عن الإملاءات الخارجية المباشرة، بما يعكس مستوى الاستقلال الفعلي في إدارة المجال السياسي وليس مجرد الإعلان الرمزي عنه.
2. الشرعية: تُفهم “الشرعية” هنا بوصفها مفهوماً متعدد المصادر، يمكن تمييز ثلاثة أنماط رئيسية له:
ا. شرعية تمثيلية/مؤسساتية: تنشأ من آليات انتخابية أو مؤسسات دولة رسمية.
ب. شرعية ثورية/نضالية: تستند إلى تاريخ من المقاومة أو الفعل التحرري أو الرمزي.
ج. شرعية توافقية/طائفية أو فئوية: تنشأ من التوازن بين مكونات اجتماعية أو سياسية داخل النظام.
1. المشروع السياسي: مجموعة الأهداف والاستراتيجيات طويلة المدى التي تشكل اتجاه الفعل السياسي، وتُترجم إلى سياسات ومواقف عملية، بما يعكس درجة تماسك الرؤية السياسية واستمراريتها عبر الزمن.
2. البنية: تُستخدم “البنية” في هذا المقال بوصفها مفهوماً مركباً يتضمن ثلاث مستويات مترابطة:
ا. البنية المؤسسية: وتشير إلى طبيعة النظام السياسي، وآليات صنع القرار، وتوزيع السلطة داخل المؤسسات الرسمية.
ب. البنية الاقتصادية - الاجتماعية: وتشمل مستوى الموارد، وأنماط الإنتاج، وتوزيع القوة الاقتصادية داخل المجتمع، وما ينتج عنها من قيود أو إمكانات سياسية.
ج. البنية الأمنية/الجيوسياسية: وتشير إلى موقع الفاعل في البيئة الإقليمية والدولية، وطبيعة التهديدات والتحالفات التي يواجهها.
لا يُستخدم هذا التفكيك بغرض التجزئة النظرية، بل بهدف تحديد أي مستوى من مستويات المفهوم هو الأكثر تأثيراً في الحالة المدروسة.
وانطلاقاً من هذا التصور، يفترض المقال أن العلاقة بين هذه المفاهيم ليست علاقة فصل، بل علاقة تفاعلية مركبة، حيث تؤثر البنية في تشكيل المشروع السياسي وحدود إمكاناته، وتحدد الشرعية نطاق التمثيل السياسي، بينما تعكس السيادة مستوى القدرة على تثبيت هذا المشروع في مواجهة الضغوط والتوازنات الخارجية.
وبناء عليه، لا تُفهم “الصلابة التفاوضية” بوصفها صفة فردية، بل بوصفها نتاجا لشروط بنيوية سابقة على لحظة التفاوض نفسها.

ثانيا: الحالة الإيرانية: نموذج تحليلي للعلاقة بين المشروع السياسي والموقف التفاوضي
بغض النظر عن تقييم طبيعة سياساتها أو اتجاهاتها الإقليمية، يمكن ملاحظة أن الفعل التفاوضي لا يظهر بوصفه سلوكا منفصلا عن البنية العامة للدولة، بل بوصفه امتدادا لمشروع سياسي أكثر تماسكا واستقرارا نسبيا. فالمشروع السياسي هنا، وفق معناه الإجرائي، يبدو أكثر قدرة على الاستمرار عبر الزمن، وعلى تحويل مجموعة من الأهداف الاستراتيجية إلى محددات شبه ثابتة للفعل الخارجي.
في هذا السياق، لا يعمل التفاوض كمساحة لإعادة تعريف الهدف، بل كأداة لإدارة الصراع ضمن سقوف مسبقة التحديد.
ويعني ذلك أن “الصلابة التفاوضية” لا تُفهم هنا كسمة شخصية للمفاوض، بل كنتيجة مباشرة لدرجة اتساق العلاقة بين المشروع السياسي من جهة، والبنية الداعمة له من جهة أخرى، بما في ذلك مستويات التنظيم المؤسسي، وتراكم الخبرة التفاوضية، وقدرة الدولة على تحمل كلفة الاستنزاف السياسي والاقتصادي.
وبذلك، يصبح الفعل التفاوضي جزءا من منطق أوسع لإدارة الصراع، لا لحظة منفصلة عن هذا المنطق أو بديلا عنه.
لا يعني ما سبق أن النموذج الإيراني يخلو من التناقضات، أو أن مواقفه التفاوضية ظلت ثابتة في جميع المراحل. فقد شهدت السياسة الإيرانية تغيرات في أولوياتها وأساليبها التفاوضية تبعا لتحولات البيئة الإقليمية والدولية. كما عرفت نقاشات داخلية حول إدارة العلاقة بين متطلبات الأمن القومي، والاعتبارات الاقتصادية، وأهداف السياسة الخارجية.
إلا أن هذه التحولات جرت - في حدودها العامة - داخل إطار مشروع سياسي حافظ على قدر من الاستمرارية في تعريف المصالح العليا للدولة، الأمر الذي جعل التفاوض أقرب إلى إعادة ترتيب وسائل تحقيق الأهداف منه إلى إعادة تعريف الأهداف نفسها.
ومن ثم، فإن الاستشهاد بالحالة الإيرانية في هذا المقال لا يرمي إلى تقديمها نموذجا معياريا يحتذى، ولا إلى تقييم خياراتها السياسية، وإنما إلى توظيفها بوصفها حالة تحليلية تساعد على إبراز العلاقة بين تماسك المشروع السياسي وحدود الفعل التفاوضي.

ثالثا: الحالة العربية/الفلسطينية - اللبنانية: إشكالية في تماسك المشروع وليس في سلوك المفاوض فقط
لا يمكن اختزال الإشكال في السياقات العربية، ولا سيما الفلسطينية واللبنانية، في ضعف “الصلابة التفاوضية” بوصفها سمة سلوكية لدى الفاعلين السياسيين فحسب. بل يرتبط الأمر بدرجة أعمق بتفاوت مستويات تماسك المشروع السياسي نفسه، وبطبيعة العلاقة بين المشروع ومصادر الشرعية، والبنية الحاضنة له.
في الحالة الفلسطينية، يمكن ملاحظة أن المشروع السياسي عرف عبر مراحل مختلفة تحولات في تعريف الهدف النهائي، من التحرير الكامل إلى الدولة المستقلة، وصولا إلى صيغ الحكم الذاتي وإدارة الواقع القائم .
ولا يعكس هذا التحول مجرد تبدل تكتيكي، بل يشير إلى تباين مستمر في مستوى الاتفاق على تعريف “الهدف السياسي النهائي”، وهو ما ينعكس بدوره على طبيعة التمثيل السياسي وتعدد مراكزه، وتداخل مستويات الشرعية بين الفاعلين والمؤسسات.
هذا التعدد في مراكز التمثيل لا يعني فقط تعدد الأصوات السياسية، بل يشير إلى بنية تمثيلية غير مكتملة الاستقرار، تتداخل فيها المرجعيات التاريخية والتنظيمية والمؤسساتية، بما يجعل العلاقة بين المشروع السياسي وأدوات تنفيذه علاقة غير خطية، قابلة لإعادة التشكيل تبعا لتغير موازين القوة والسياقات الإقليمية والدولية.

أما في الحالة اللبنانية، فإن الإشكال يتصل بطبيعة البنية السياسية نفسها، حيث تشكل النظام حول توازنات طائفية مؤسسية أنتجت نموذجا معقدا لتوزيع السلطة. هذه البنية جعلت تعريف المشروع السياسي العام للدولة محل تفاوض دائم بين مكونات داخلية متعددة، ما أدى إلى صعوبة إنتاج تصور موحد ومتماسك للسيادة بوصفها مشروعاً جامعا، لا مجرد توازن إداري بين مكونات متجاورة.
وبذلك، فإن التباين في “الصلابة التفاوضية” لا يعود إلى اختلاف في الإرادة السياسية فقط، بل إلى اختلاف في درجة تماسك العلاقة بين المشروع السياسي من جهة، والبنية وشرعيات التمثيل من جهة أخرى.
انطلاقاً من هذا التحليل، يمكن القول إن الفارق بين النماذج محل المقارنة لا يكمن في مستوى “صلابة المفاوض”، بل في درجة استقرار المشروع السياسي، وتماسك البنية الحاضنة له، واتساق مصادر الشرعية التي يستند إليها الفعل السياسي. فكلما كان هذا المثلث (المشروع - الشرعية - البنية) أكثر تماسكا، اتسعت قدرة الفاعل على تحويل التفاوض إلى أداة إدارة صراع، لا إلى لحظة إعادة تعريف للهدف ذاته.

رابعا : البنية قبل الفاعل - إعادة تموضع سؤال “الصلابة التفاوضية
انطلاقا من المعطيات السابقة، يصبح من الصعب تفسير ما يُسمى بـ“الصلابة التفاوضية” بوصفه خاصية فردية مستقلة لدى المفاوض أو نتيجة مباشرة لأسلوبه السياسي. فالفعل التفاوضي لا ينتج في فراغ، بل يتحرك داخل حدود بنية أوسع تحدد شروط إمكانه قبل لحظة التفاوض نفسها.
في هذا السياق، يمكن إعادة تعريف موقع الفاعل السياسي بوصفه حلقة وسيطة بين المشروع السياسي من جهة، والبنية الحاضنة له من جهة أخرى. وبقدر ما تكون هذه البنية متماسكة - سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ومؤسسيا - بقدر ما يتسع هامش الفاعل في تثبيت الموقف التفاوضي وتقليل مستويات التكيف القسري مع الضغوط الخارجية.
وعلى العكس من ذلك، عندما يكون المشروع السياسي نفسه في حالة إعادة تعريف مستمرة، أو عندما تتعدد مراكز إنتاج الشرعية داخله، فإن الفاعل التفاوضي لا يعود قادرا على تمثيل موقف ثابت، بل يتحول إلى مرآة لحالة السيولة البنيوية التي تحيط به.
في هذه الحالة، لا يكون التفاوض أداة لتثبيت الهدف، بل مساحة لإعادة إنتاج التوازنات المتغيرة بين الداخل والخارج.
بناءً على ذلك، لا يمكن فهم “قوة الموقف التفاوضي” باعتبارها نتاجا لإرادة سياسية معزولة، بل بوصفها انعكاسا لدرجة التماسك البنيوي الذي يسبق الفعل التفاوضي ويؤطره. فالمفاوض لا يبتكر حدود الممكن السياسي، بل يتحرك داخلها، ويعيد تمثيلها في لحظة التفاوض.
ومن هنا، يصبح السؤال المركزي أقل ارتباطا بخصائص الفاعل التفاوضي، وأكثر ارتباطا بشروط إنتاج هذا الفاعل نفسه:
كيف تُبنى البنية التي تمنح المفاوض قدرة على الثبات؟ وكيف يُعاد إنتاج المشروع السياسي بما يقلل من تذبذب تعريف الهدف وحدود التمثيل؟

خامساً: العلاقة التفاعلية بين البنية والفاعل: حدود المقاربة
على الرغم من أن هذا المقال ينطلق من أولوية البنية في تفسير الموقف التفاوضي، فإن العلاقة بين البنية والفاعل لا تُفهم هنا بوصفها علاقة أحادية الاتجاه أو حتمية. فقد يسهم الفاعلون السياسيون، في ظروف تاريخية معينة، في إعادة تشكيل البنية ذاتها، أو في إعادة تعريف المشروع السياسي الذي يتحركون في إطاره. كما قد يصبح التفاوض، في بعض الحالات، أداة لإحداث تحولات بنيوية، وليس مجرد انعكاس لها.
غير أن هذه الإمكانية لا تنفي الفرضية التي يقوم عليها هذا التحليل، بل تحدد نطاقها. فالمقال يميز بين مستويين زمنيين للتحليل: ففي الأمد القصير، يتحرك الفاعل التفاوضي غالبا ضمن حدود البنية القائمة، فتظل قدرته على تجاوزها محدودة. أما في الأمد التاريخي الأطول، فقد يسهم تراكم القرارات السياسية، والتحولات الاجتماعية، ونتائج التفاوض نفسها، في إعادة تشكيل بعض عناصر البنية، أو في إعادة تعريف المشروع السياسي.
وبذلك، لا يدعو هذا المقال إلى استبدال الفاعل بالبنية، بل إلى إعادة ترتيب أولوية التفسير، بحيث يُفهم سلوك المفاوض أولا في ضوء الشروط البنيوية التي تنتجه، قبل الانتقال إلى دراسة قدرة هذا السلوك على تعديل تلك الشروط أو إعادة إنتاجها.

سادسا: نحو إعادة تعريف شروط إنتاج الصلابة التفاوضية
إذا كان التحليل السابق قد أظهر أن “الصلابة التفاوضية” ليست سمة فردية بقدر ما هي نتاج تفاعل بين المشروع السياسي والشرعية والبنية، فإن السؤال المركزي ينتقل من مستوى توصيف الفعل التفاوضي إلى مستوى شروط إنتاجه.
أي: كيف يمكن بناء سياق سياسي يجعل من الثبات في التفاوض نتيجة طبيعية لبنية مستقرة، لا استثناء مرتبطا بظرف أو شخصية؟
في هذا الإطار، يصبح إعادة بناء “الصلابة التفاوضية” مرتبطا بثلاثة مستويات مترابطة.
1، مستوى تعريف المشروع السياسي ذاته
بما يعني تثبيت الحد الأدنى من الإجماع حول الأهداف النهائية، بحيث لا تبقى هذه الأهداف عرضة لإعادة الصياغة المستمرة تحت ضغط التحولات في موازين القوى المتغيرة. فغياب هذا الحد الأدنى يحوّل التفاوض من أداة إدارة صراع إلى مساحة دائمة لإعادة تعريف الغاية نفسها.
2، مستوى إعادة تنظيم العلاقة بين الشرعية والتمثيل السياسي
بحيث لا تبقى الشرعية موزعة بشكل يخلق مراكز قرار متوازية أو متنازعة، بل تُعاد صياغتها ضمن إطار يسمح بتقليل التناقض بين المرجعيات السياسية المختلفة. فكلما تعددت مصادر الشرعية دون آلية حاكمة واضحة، ازداد تذبذب الموقف التفاوضي وتعدد تعبيراته.
3، مستوى تعزيز البنية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية بوصفها الحاضن الفعلي للمشروع السياسي، وليس مجرد سياق له. فالبنية المتماسكة لا توفر فقط الموارد، بل تنتج أيضا قدرة على تحمّل الكلفة السياسية والعسكرية للتفاوض طويل الأمد، وتمنح الفاعل التفاوضي هامشا أوسع للثبات في مواجهة الضغوط الخارجية.
وعليه، فإن “الصلابة التفاوضية” في هذا التصور لا تُبنى عبر تحسين أداء المفاوض أو تغيير أسلوبه الخطابي فحسب، بل عبر إعادة إنتاج الشروط التي تجعل من الثبات خيارا بنيويا ممكنا.
فكلما كان المشروع أوضح، والشرعية أكثر انتظاما، والبنية أكثر تماسكا، تقلصت الحاجة إلى التذبذب التفاوضي بوصفه استجابة لضغوط اللحظة.
وبهذا المعنى، لا يعود التفاوض ساحة لاختبار الإرادات الفردية، بل يصبح انعكاساً لبنية سياسية قادرة على تحويل الهدف الوطني إلى مسار طويل الأمد، لا يتغير بتغير الظروف، بل يديرها ضمن حدود واضحة ومحددة مسبقا.

سابعا: من سلوك المفاوض إلى شروط إنتاج الموقف التفاوضي
يخلص هذا التحليل إلى أن مقاربة “الصلابة التفاوضية” بوصفها سمة شخصية أو أسلوبا تفاوضيا مستقلا تظل مقاربة قاصرة تفسيريا، لأنها تتجاهل الشروط البنيوية التي تسبق لحظة التفاوض وتؤطرها. فالمفاوض، في هذا التصور، ليس فاعلا حرا تماما في إنتاج مواقفه، بل هو تعبير مكثف عن تفاعل مركب بين المشروع السياسي، ومصادر الشرعية، والبنية الاجتماعية - السياسية التي تمنحه حدود الحركة وإمكاناتها.
وعليه، فإن الفارق بين النماذج التفاوضية لا يُفهم على نحو دقيق من خلال مقارنة الإرادات أو تقييم “المرونة” و“الصلابة” بمعايير سلوكية، بل من خلال تحليل درجة تماسك هذه العناصر الثلاثة: وضوح المشروع السياسي، انتظام الشرعية، وتماسك البنية الداعمة لهما. حيث يؤدي ارتفاع مستوى الاتساق بينها إلى إنتاج موقف تفاوضي أكثر استقرارا وقدرة على الاستمرار. في حين أن تداخلها أو تباينها المستمر يفضي إلى تفاوض يتسم بالتكيف الدائم وإعادة التعريف المتكرر للأهداف.
وبهذا المعنى، لا يعود التفاوض مجرد مساحة لإدارة الصراع الخارجي، بل يصبح انعكاسا مباشرا لطبيعة البناء السياسي الداخلي نفسه. فكلما كان الداخل أكثر قدرة على إنتاج مشروع متماسك وشرعية واضحة وبنية مستقرة، كلما تحولت عملية التفاوض إلى امتداد طبيعي لهذا التماسك، لا إلى ساحة لتعويض غيابه.

إن إعادة التفكير في شروط إنتاج “الصلابة التفاوضية” تقود بالتالي إلى إعادة ترتيب السؤال من جذوره:
ليس من هو المفاوض الأكثر صلابة؟
بل ما هي البنية التي تجعل الصلابة ممكنة أصلا؟
وفي هذا التحول من الشخص إلى البنية، ومن السلوك إلى الشروط المنتجة له، تتحدد إمكانية بناء فهم أكثر دقة وواقعية للفعل التفاوضي في السياقات المعقدة.



غانية ملحيس
28/6/

تعليقات

د. ليد عبدالحي

تحياتي
شكرا على جهودك. تعليقا على مقالك:
لا اعتقد ان هناك "باحث جاد أو مَفكر متخصص" في العلاقات الدولية يعطي وزنا أكبر "لقدرات المفاوض" الفرد او الفريق التفاوضي على حساب الأبعاد البنيوية للمتفاوضين.. لكن دور المفاوض هو فن إدارة وتوظيف متغيرات القوة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب (إذا كان الميزان لصالحه) او اقل قدر من الخسائر إذا كان الميزان لغير صالحه.. فهي اشبه بمدرب كرة القدم الذي يستطيع إدراك مستويات كل لاعب ويعمل على توظيف نقاط القوة واضعاف أثر نقاط الضعف..
فلو أعطينا مبلغا ماليا متساويا لشخصين أحدهما لديه معرفة عالية بإدارة الأعمال، بينما الآخر لا تتوفر لديه هذه المعرفة.. النتيجة معروفة رغم تساوي الامكانيات في هذا المثال، ومفهوم المعرفة التفاوضية يغطي جوانب كثيرة... لذا لا يمكن الفصل بين قدرات المفاوض وبين البعد البنيوي لان قدرات المفاوض هي جزء من القدرة البنيوية..
هناك مراجع أكاديمية تناقش مهارات المفاوض وقدراته الإدراكية وتأثيرها في نتائج التفاوض، وإن كانت لا تعطي عادةً "وزنًا كميًا" لذكاء المفاوض، بل تعتبره متغيرًا يتفاعل مع عوامل القوة والمؤسسات والسياق. من أهم المراجع:
Howard Raiffa، The Art and Science of Negotiation (1982).
من أوائل الكتب التي تربط بين التحليل العقلاني، واتخاذ القرار، وقدرة المفاوض على تحسين النتائج. ايضا هناك دراسة
Roger Fisher، وWilliam Ury، Getting to Yes. 1982
يؤكد أن نجاح المفاوض يعتمد على مهاراته في إعادة صياغة المشكلات وإدارة المصالح، وليس فقط على القوة.
Dean G. Pruitt، Negotiation Behavior (1981).
يقدم إطارًا علميًا يوضح كيف تؤثر القدرات الإدراكية والاستراتيجية للمفاوض في السلوك التفاوضي.
I. William Zartman، وMaureen Berman، The Practical Negotiator (1982).
يناقش التفاوض الدولي، ويبين أن شخصية المفاوض وخبرته تؤثران، لكن ضمن قيود البيئة السياسية.
Harold H. Saunders، A Public Peace Process (1999).
يعتمد على خبرته الدبلوماسية، ويبرز أهمية الحكم السياسي والذكاء العاطفي في إدارة المفاوضات
إن دراسات Zartman هي من أفضل المراجع؛ فهو يرى أن نتائج التفاوض هي محصلة تفاعل ثلاثة أبعاد:
1- هيكل القوة
2- (Structure) 2-العملية التفاوضية (Process)
3- الأفراد (Agency)،
وليس نتاج مهارة المفاوض وحدها.

التحية والتقدير
د. وليد عبد الحي



******


غانية ملحيس



الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي المحترم

جزيل الشكر لكم على هذه القراءة الدقيقة والملاحظات القيّمة، وعلى إحالتكم إلى عدد من المراجع الأساسية في أدبيات التفاوض، وهي بالفعل تضيف بعدا مهما للنقاش، وسأحرص على العودة إليها والاستفادة منها في تطوير المقال.
وأتفق مع ما تفضلتم به من أن أدبيات التفاوض الرصينة لا تختزل نتائج التفاوض في شخصية المفاوض أو مهاراته، بل تنظر إليها بوصفها حصيلة تفاعل البنية، والعملية التفاوضية، والفاعلين، وهو ما يتقاطع مع ما أشار إليه زارتمان وغيره. ولعل من أبرز ما يميز إسهام زارتمان تأكيده أن نجاح التفاوض يرتبط بتوافر شروط بنيوية وسياسية تجعل التسوية ممكنة، بينما يتمثل دور المفاوض في حسن استثمار تلك الشروط وتوظيفها، لا في خلقها من العدم. ومن ثم فإن النتائج التفاوضية تتحدد بتفاعل ميزان القوى، والإدراك المتبادل، والضغوط الداخلية والخارجية، أكثر مما تتحدد بالمهارة الفردية وحدها.
غير أن المقال لا يستهدف مناقشة نظرية التفاوض في العلاقات الدولية، بقدر ما يسعى إلى تصويب النقاش العربي، وخصوصا الفلسطيني واللبناني، حيث يلاحظ ميلٌ متكرر إلى تفسير الإخفاقات التفاوضية من خلال سلوكيات القيادة أو “ضعف المفاوض” أو “قوة المفاوض”، وكأن تغيير الأشخاص وحده كفيل بإنتاج نتائج مختلفة.
ومن هنا جاءت محاولة نقل مركز النقاش من تقييم أداء المفاوض إلى مساءلة الشروط التي تنتج الموقف التفاوضي نفسه:
هل نمتلك مشروعًا وطنيًا جامعًا ومستقرًا؟
وهل تتوافر شرعية سياسية متماسكة ومستقلة؟
وهل لدينا بنية سياسية واقتصادية واجتماعية ومؤسسية وعسكرية قادرة على إسناد القرار التفاوضي وتحمل كلفته؟
ففي تقديري، تكمن الأزمة الأساسية في اختلال هذه الشروط البنيوية أكثر مما تكمن في خصائص المفاوض ذاته.
ولذلك حرصت في القسم الخامس من المقال على التأكيد أن العلاقة بين البنية والفاعل ليست علاقة إقصاء أو حتمية، وأن الفاعلين قادرون، في ظروف تاريخية معينة، على الإسهام في إعادة تشكيل البنية نفسها، سلبًا أو إيجابًا. لكن ما يركز عليه المقال هو إعادة ترتيب الأولوية التفسيرية، بحيث يُفهم سلوك المفاوض أولا في ضوء الشروط البنيوية التي تنتجه، قبل الانتقال إلى دراسة أثر مهاراته وخياراته.
وبعبارة أخرى، فإن المقال لا ينفي أثر الفاعل، وإنما يجادل بأن البنية والمشروع السياسي والشرعية تظل المتغيرات الأكثر تفسيرا لقدرة أي مفاوِض على الثبات أو المناورة.
أكرر شكري وامتناني لقراءتكم العميقة، وملاحظاتكم الثمينة التي ستسهم بلا شك في جعل الصياغة أكثر دقة ووضوحا.
خالص الشكر والامتنان

غانية ملحيس
 
نائل التونسي

الأستاذة الدكتورة غانية ملحيس العزيزة،
كل التقدير والاحترام لهذا الجهد البحثي الرصين، الذي يعكس حرصًا مستمرًا على مقاربة القضايا السياسية المفصلية بمنهجية علمية تتجاوز الوصف إلى بناء الأطر التفسيرية. وما يميز هذه الورقة أنها لا تقدم قراءة لحالة تفاوضية بعينها، بل تسعى إلى إعادة صياغة أحد الأسئلة المركزية في الفكر السياسي العربي من خلال مقاربة نظرية تستحق الوقوف عندها.
في تقديري، تكمن القيمة الأساسية لهذه الورقة في أنها لا تعيد تفسير السلوك التفاوضي فحسب، بل تعيد تعريف وحدة التحليل ذاتها. فهي تنتقل من المقاربة التي تتمركز حول الفاعل السياسي إلى مقاربة تتمركز حول الشروط البنيوية المنتجة للفعل التفاوضي، وهو انتقال معرفي مهم ينسجم مع أحد أبرز النقاشات في العلوم السياسية حول العلاقة بين البنية والفاعل. وبهذا المعنى، فإن الورقة لا تبحث في خصائص المفاوض بقدر ما تبحث في الشروط التي تجعل إنتاج موقف تفاوضي مستقر وقادر على الاستمرار أمرًا ممكنًا.
وتبرز أهمية هذا الطرح أيضًا في أنه يحرر النقاش من التفسيرات التي تميل إلى اختزال النجاح أو الإخفاق في السمات الشخصية أو المهارات الفردية، ليعيد توجيه التحليل نحو تماسك المشروع السياسي، واتساق الشرعية، وقوة البنية المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية باعتبارها المحددات التي ترسم حدود الممكن السياسي قبل أن تبدأ عملية التفاوض نفسها. ومن هنا، لا يعود المفاوض منتجًا مستقلًا للموقف، بل يصبح التعبير الأكثر تركيزًا عن البيئة السياسية التي أنتجته.

وربما تفتح هذه الفرضية بابًا لسؤال بحثي مكمّل لا يقل أهمية: إذا كانت البنية هي التي تنتج الصلابة التفاوضية، فما هي الشروط التي تضمن استدامة تماسك هذه البنية نفسها في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة؟ فالبنى السياسية ليست معطيات جامدة، بل تخضع بصورة مستمرة لإعادة التشكل تحت تأثير التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية، الأمر الذي يجعل الحفاظ على القدرة التفاوضية عملية تاريخية متواصلة، لا حالة ثابتة.
ومن زاوية أخرى، قد يكون من المفيد توسيع النموذج التحليلي الذي تقترحه الورقة بإدخال بعدٍ إضافي يتمثل في إدارة الزمن الاستراتيجي. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن القدرة على إدارة الوقت، وتحمل كلفة الصراع، والمحافظة على تماسك البنية خلال المدى الطويل، تشكل هي الأخرى عنصرًا مؤثرًا في إنتاج القوة التفاوضية، إلى جانب المشروع السياسي والشرعية والبنية المؤسسية.
كما تثير الورقة، بصورة غير مباشرة، سؤالًا منهجيًا يستحق المزيد من البحث: هل يبقى التفاوض انعكاسًا للبنية فحسب، أم يمكن، في بعض اللحظات التاريخية، أن يتحول إلى أداة لإعادة تشكيلها؟ إن مناقشة هذا البعد قد تمنح النموذج التفسيري الذي تطرحه الورقة قدرة أكبر على تفسير العلاقة الجدلية بين الفعل السياسي والبنية المنتجة له.
في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الدراسة في النتائج التي توصلت إليها فقط، بل في أنها تنقل النقاش من سؤال: «من هو المفاوض الأكثر صلابة؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «ما هي الشروط البنيوية التي تجعل الصلابة التفاوضية ممكنة أصلًا؟» وهذا التحول يمثل، في رأيي، إسهامًا نظريًا مهمًا في تطوير النقاش حول النماذج التفاوضية، لأنه يدعو إلى قراءة القوة التفاوضية بوصفها نتاجًا لبناء سياسي ومؤسسي متكامل، لا مجرد انعكاس لخصائص الفاعلين أو مهاراتهم الفردية.
أكرر خالص التقدير لكم على هذه الورقة النوعية، التي أراها إضافة فكرية جادة، ليس لأنها تقدم إجابات فحسب، بل لأنها تعيد صياغة الأسئلة من مستوى الأشخاص إلى مستوى البنى المنتجة للفعل السياسي، وهو ما يمنحها قيمة نظرية تتجاوز حدود الحالة التطبيقية إلى آفاق أوسع في دراسة التفاوض وصناعة القرار.

نائل التونسي


****

غانية ملحيس


الصديق العزيز نائل التونسي
خالص الشكر والامتنان لهذه القراءة العميقة، التي تتجاوز حدود التعليق إلى حوار فكري مع الفرضية المركزية للمقال.
وأسعدني التقاط ما حاول الدفاع عنه بدقة، وهو أن الإشكالية لا تكمن في إعادة تقييم أداء المفاوض بقدر ما تكمن في إعادة النظر في الشروط التي تنتج الموقف التفاوضي ذاته.
لقد لفتّ الانتباه، بحق، إلى أن الأهمية الأساسية لا تتمثل في المقارنة بين نماذج تفاوضية مختلفة، وإنما في محاولة إعادة تعريف وحدة التحليل، بالانتقال من التركيز على الفاعل السياسي إلى التركيز على البنية المنتجة للفعل السياسي. وهذا، في تقديري، هو جوهر الإشكالية التي حاولت مقاربة النقاش العربي، ولا سيما الفلسطيني واللبناني، من خلالها، حيث يميل هذا النقاش في كثير من الأحيان إلى تفسير الإخفاقات أو النجاحات بخصائص الأشخاص أو القيادات، بينما يظل السؤال الأعمق متعلقا بطبيعة المشروع السياسي، ومستوى الشرعية، وتماسك البنية التي يتحرك في إطارها الفاعلون.
ولفتتني الأسئلة التي تضمنها التعليق، لأنها تفتح أفقا بحثيا أوسع. فالسؤال المتعلق بشروط استدامة تماسك البنية في ظل التحولات الإقليمية والدولية بالغ الأهمية، لأن البنية ليست معطى ثابتا، وإنما كيان تاريخي يتأثر باستمرار بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية. فالتماسك البنيوي لا يعني الجمود، بل القدرة على المحافظة على الهوية الاستراتيجية مع التكيف مع المتغيرات.
ومن ثم، فإن الحفاظ على القدرة التفاوضية لا يتوقف على بناء البنية فحسب، بل يمتد إلى القدرة على تجديدها وصيانتها وإعادة إنتاجها بما يحافظ على تماسكها وقدرتها على التكيف دون التفريط في أهدافها الاستراتيجية.
كما أجد أن الاقتراح بإدخال مفهوم إدارة الزمن الاستراتيجي يمثل إضافة نظرية مهمة. فالتفاوض لا يجري في فراغ زمني، بل يرتبط بقدرة الفاعل على إدارة الوقت، وتحمل كلفة الصراع، واستثمار التحولات في البيئة الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل الزمن نفسه أحد عناصر القوة، وليس مجرد إطار محايد تتحرك داخله السياسة.
وأعتقد أن هذا البعد يمكن أن يثري النموذج التحليلي الذي اقترحه المقال، من خلال إدراج عنصر القدرة على الصمود والاستمرارية بوصفه أحد محددات إنتاج القوة التفاوضية.
وأتفق معكم أيضا في أهمية السؤال المنهجي المتعلق بالعلاقة الجدلية بين التفاوض والبنية. وقد حاولت الإشارة إلى هذا البعد في الفقرة الخامسة من المقال، عبر التمييز بين الأمد القصير، الذي يتحرك فيه المفاوض غالبا ضمن حدود البنية القائمة، والأمد التاريخي الأطول، الذي قد تصبح فيه نتائج التفاوض نفسها أحد العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل البنية أو إعادة تعريف المشروع السياسي.
وربما يحتاج هذا الجانب إلى مزيد من التوسيع والإيضاح، حتى تتجلى بصورة أوضح الطبيعة التفاعلية للعلاقة بين البنية والفاعل، بعيدا عن أي فهم حتمي أو أحادي الاتجاه.
المقال لا يسعى الى تقديم إجابات، بقدر ما يسعى إلى إعادة صياغة الأسئلة لتعميق النقاش. لان إعادة تعريفها قبل البحث عن الإجابة عنها، تحدد إلى حد كبير طبيعة النتائج التي يمكن الوصول إليها. ومن هذا المنطلق، فالهدف الأساسي للمقال نقل النقاش من سؤال: «من هو المفاوض الأكثر صلابة؟» إلى سؤال: «ما الشروط البنيوية التي تجعل الصلابة التفاوضية ممكنة أصلا؟»، باعتبار أن هذا التحول في زاوية النظر يفتح المجال لفهم أكثر عمقا لأسباب التباين بين التجارب التفاوضية.
ولعل القيمة الحقيقية لهذا الحوار الفكري لا تكمن في تثبيت الإجابات، بل في توسيع نطاق الأسئلة التي تستحق البحث.

أثمن عاليا هذه القراءة الثرية، وما تضمنته من ملاحظات وأسئلة منهجية وفكرية عميقة. وأراها تشكل عناصر برنامج بحثي يمكن البناء عليه في أعمال لاحقة، تسهم في ترشيد وتصويب النقاش الفلسطيني والعربي وإيلاء الأولوية لمستلزمات الفاعلية التفاوضية على صعيد البنية والفاعلين.

غانية ملحيس
 
عبد الكريم جنيدي


باختصار شديد..
قبل أن نسأل: كيف نبني صلابة تفاوضية؟ يجب أن نسأل: هل نملك أصلا ما نتفاوض به؟ فالتفاوض يفترض طرفين مستقلين. وحيث تغيب السيادة، لا يكون هناك تفاوض، بل إدارة للخضوع. هو وهم "الفعل السياسي العربي" في زمن غياب الفاعل العربي الحقيقي... فلا يوجد سيادة عربية ولا يوجد تفاوض صلب ولا طري. بل خضوع وتنفيذ أوامر ... وعناية تلطيفية إعلامية لتهدئة الجمهور يمكن أن تنفذ أحيانا بأساليب ليست لطيفة

عبد الكريم جنيدي


*****


غانية ملحيس


الاستاذ عبد الكريم جنيدي
أشكرك على هذا التعليق، لأنه يلفت الانتباه إلى شرط أساسي لا يمكن إغفاله، وهو أن التفاوض يفترض وجود حد أدنى من الاستقلال في القرار السياسي. وأتفق معك في أن غياب السيادة أو تآكلها ينعكس بالضرورة على هامش الحركة التفاوضية، وقد يحوّل التفاوض في بعض الحالات إلى إدارة لواقع تفرضه موازين القوى أكثر مما يعكس قدرة على التأثير فيها.
ومع ذلك، فإن ما حاول المقال طرحه لا ينطلق من افتراض توافر السيادة الكاملة، ولا من نفي حجم الاختلال القائم في البيئة العربية، بل من سؤال مختلف: لماذا تمتلك بعض الأطراف، حتى في ظل الضغوط الخارجية، هامشا تفاوضيا أوسع من غيرها؟ ومن هنا جاء التركيز على شروط إنتاج الموقف التفاوضي، وفي مقدمتها تماسك المشروع السياسي، ومصادر الشرعية، والبنية المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية.
فالسيادة، في هذا التصور، ليست معطى ثنائيا (موجودة أو غائبة)، بل هي قدرة نسبية تتفاوت بين الدول والفاعلين، وتتأثر بدرجة تماسك بنيتهم الداخلية وقدرتهم على إدارة الضغوط الخارجية. ولذلك، فإن البحث في شروط إنتاج الفاعلية التفاوضية لا يتعارض مع تشخيص محدودية السيادة، بل يسعى إلى فهم الكيفية التي يمكن من خلالها توسيع هامشها تدريجياً.
ولعل هذا هو السؤال الذي حاول المقال إثارته: إذا كان ضعف السيادة يحد من الفاعلية التفاوضية، فما الشروط السياسية والمؤسسية والاجتماعية التي يمكن أن تسهم في استعادة جزء من هذه الفاعلية؟ ففي تقديري، يبقى هذا السؤال مدخلا أكثر إنتاجية من الاكتفاء بوصف واقع الاختلال، مهما كانت دقة هذا الوصف.
غانية ملحيس
 
حميد تيطراوي



قرات مقالك القيم وفي تقديري أن المقارنة بين الوفد المفاوض الايراني والوفد اللبناني او الفلسطيني غير صائبة،
1. لأن الوفد الايراني يفاوض من منطلق قوة وندية للوفد الأمريكي. بينما الوفد اللبناني او الفلسطيني في جناحه سلطة أوسلو ضعيف وليس ندا للوفد الإسرائيلي، بل اراه انه تفاوض بين سيد وعبد ولماذا لم تفاوض إسرائيل حزب الله مثلا
2. الميدان والقوة الصلبة هي التي تفرض شروطها وهذا مافعله الوفد الايراني الذي هو تجسيد للقوة الصلبة لبلاده وهو مااشرت اليه في مقالك ويذكرني هذا بالوفد الجزائري في مفاوضات ايفيان وعدم رضوخه للمطالب الفرنسية والوفد الفيتنامي ومفاوضاته مع الوفد الامريكي في باريس واخرها الوفد الافغاني ومفاوضات الدوحة والخروج الامريكي المذل من افغانستان.
حميد تيطراوي



*******




غانية ملحيس



الاستاذ حميد تيطراوي
أشكرك على هذا التعليق الذي يضيف زاوية مهمة للنقاش، خاصة فيما يتعلق بدور ميزان القوى الميداني في تشكيل شروط التفاوض. ولا شك أن عنصر القوة الصلبة، كما أشرت، كان حاضرا في تجارب تاريخية متعددة مثل الجزائر وفيتنام وأفغانستان، وهو عنصر لا يمكن تجاهله في تحليل أي عملية تفاوضية.
غير أن ما حاول المقال التركيز عليه لا يتعلق بنفي أثر القوة الميدانية أو ميزان الردع، بل بتوسيع زاوية التحليل لتشمل ما يسبق لحظة التفاوض نفسها، أي طبيعة “المشروع السياسي” ودرجة تماسكه، وكيف ينعكس ذلك على الفعل التفاوضي حتى في الحالات التي تتفاوت فيها مستويات القوة.
فالمقال لا يفترض تماثل الشروط بين الحالات المختلفة، بل يحاول فهم كيف تتفاعل عناصر القوة (العسكرية والسياسية والاقتصادية) مع البنية المؤسسية ومصادر الشرعية في إنتاج أنماط تفاوضية مختلفة. ومن هنا، فإن المقارنة ليست بين “قوي وضعيف” بوصفها معادلة مباشرة، بل بين نماذج تتباين في كيفية تحويل القوة، أيّا كان مصدرها، إلى موقف تفاوضي مستقر أو متغير.
أما بخصوص توصيف العلاقة التفاوضية بين الأطراف المختلفة، فإن المقال يتجنب توصيفها بمنطق ثنائي (سيد/تابع)، لأن هذا التوصيف، رغم تعبيره عن اختلالات حقيقية في ميزان القوى، قد لا يفسّر وحده ديناميات التحول داخل مسارات التفاوض ذاتها، ولا اختلاف درجات الفاعلية حتى داخل شروط غير متكافئة.
وفي هذا السياق، تبقى الإشكالية الأساسية التي يطرحها المقال هي: كيف تتحول عناصر القوة أو الضعف النسبية إلى “قدرة تفاوضية” مستقرة أو غير مستقرة، وما هي الشروط التي تتحكم في ذلك عبر الزمن والتجربة السياسية.
غانية ملحيس
 
خالد عطية



العزيزة الدكتورة غانية،

ربما لأننا فلسطينيون، يصعب علينا أن نقرأ سؤال التفاوض بوصفه سؤالًا تقنيًا. فكل تجربة تفاوضية مررنا بها لم تكن مجرد اختبار لمهارة المفاوض، بل كانت تكشف في كل مرة شيئًا أعمق عن بنية النظام السياسي نفسه، وعن حدود ما يستطيع أن يحمله أو يعجز عن حمله.
إذا كانت الصلابة التفاوضية تُنتَج من تماسك المشروع السياسي، وانتظام الشرعية، وقوة البنية، فهل تكفي هذه العناصر وحدها لتفسير اختلاف الحالات؟
يخيل إليّ أن مفهوم “البنية” نفسه يحتاج إلى مزيد من التفكيك. فليست كل البنى المتصدعة تتصدع بالطريقة نفسها.
فالحالة اللبنانية، في تقديري، لا يفسرها تعدد الشرعيات أو هشاشة المشروع السياسي وحدهما، بل أيضًا بنية طائفية يتوزع فيها القرار بين فواعل داخلية وامتداداتها الإقليمية، بحيث تصبح السيادة نفسها موضع تفاوض دائم.
أما الحالة الفلسطينية، فتبدو أكثر تعقيدًا؛ لأن الفاعل السياسي لا يتحرك داخل بنية وطنية هشة فحسب، بل داخل بنية استعمارية استيطانية إحلالية تعيد، بصورة مستمرة، إنتاج شروط الفعل السياسي ذاته، وتعيد تشكيل المجال الذي يتحرك فيه. هنا لا يضغط الاستعمار على القرار فقط، بل يسهم في إنتاج البيئة التي يُصنع فيها القرار.
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال فقط: ما الذي ينتج الصلابة التفاوضية؟
بل أيضًا: أي نوع من البنى ينتج أي نوع من الفعل التفاوضي؟
وأعتقد أن الإشارة التي أثارها الأستاذ نائل التونسي حول الزمن والقدرة تستحق أن تُدمج في هذا الإطار. فالزمن، في بعض الصراعات، ليس مجرد وعاء للتفاوض، بل أحد عناصر الصراع نفسه؛ يُستثمر لإعادة تشكيل الوقائع واستنزاف الخصم وإعادة تعريف الممكن السياسي.

خالد عطية






*******


غانية ملحيس


العزيز خالد
خالص الشكر والتقدير، على هذه القراءة المتأنية، التي لا تكتفي بمناقشة الفرضية، بل تسعى إلى توسيع أفقها. وقد لفتَّ الانتباه إلى نقطة منهجية مهمة، وهي أن مفهوم “البنية” نفسه ليس مفهوما متجانسا، وإنما يختلف باختلاف السياقات التاريخية والسياسية التي ينتج داخلها الفعل السياسي.
أتفق تماما في أن الحالة اللبنانية لا يمكن اختزالها في تعدد الشرعيات أو ضعف المشروع السياسي وحدهما، بل إن البنية الطائفية، بما تتيحه من تشابك بين الداخل والامتدادات الإقليمية، تجعل مسألة السيادة نفسها موضع تفاوض دائم، وهو ما ينعكس مباشرة على حدود الفعل التفاوضي.
لكن البنية اللبنانية، وإن كانت الأكثر وضوحا وتعقيدا، ليست استثناء في العالم العربي.
فالكثير من الدول العربية والإسلامية الحديثة تشكلت في سياق إعادة رسم الإقليم بعد الحرب العالمية الأولى، ثم تعمقت الانقسامات البنيوية بفعل قيام إسرائيل عام 1948، واستقطابات الحرب الباردة، وصولا إلى مرحلة العولمة وما رافقها من تدخلات وصراعات أعادت إنتاج التشظي بأشكال جديدة.
وأجد الملاحظة بشأن الحالة الفلسطينية بالغة الأهمية، لأن وجود بنية استعمارية استيطانية إحلالية ذات وظائف إقليمية ودولية، يضيف مستوى آخر من التعقيد. فهنا لا يقتصر أثر الاستعمار على ممارسة الضغط على القرار السياسي الفلسطيني، وخصوصا بعد انعطافة أوسلو، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المجال الذي يُنتج فيه هذا القرار، بما في ذلك الجغرافيا والاقتصاد والمجتمع والمؤسسات، ويفاقم محدودية هوامش الحركة السياسية. وربما يستدعي ذلك، كما أشرت، التمييز بين أنواع مختلفة من البنى، لا الاكتفاء بالحديث عن “البنية” بوصفها مفهوما عاما.
وفي هذا السياق، تبدو ملاحظتك وملاحظة الصديق نائل التونسي حول الزمن ذات أهمية خاصة. وهو ما يستدعي إدماج البعد الزمني في هذا النموذج التحليلي. فالزمن، في كثير من الصراعات الممتدة، ليس مجرد إطار تتحرك داخله السياسة، بل مورد استراتيجي يوظفه الفاعلون لإعادة تشكيل موازين القوى والوقائع على الأرض، بما ينعكس على تعريف الممكن السياسي وحدود التفاوض.
وفي هذا الإطار، يتوجب الإشارة إلى أن الزمن لا يعمل في صالح طرف بعينه، وإنما تتحدد قيمته بقدرة الفاعل على قراءة التحولات التي أعقبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتداعياته البنيوية على المستويات الفلسطينية، والإسرائيلية، والعربية، والإقليمية، والدولية، واستثمارها. فالتشظي لم يعد ظاهرة تخص الأطراف وحدها، بل بات يطال النظام الدولي نفسه ومراكزه المهيمنة، التي بدت أكثر انقساماً في مواقفها الداخلية والخارجية. ومن هنا، فإن ما تغير ليس فقط موازين القوى، بل أيضا إدراك الفاعلين لطبيعة البيئة الدولية التي يتحركون فيها. وربما يكمن أحد الفروق بين النماذج التفاوضية في أن بعض الفاعلين أحسنوا قراءة هذه التحولات وتوظيفها لتعزيز موقعهم التفاوضي، بينما ظل آخرون أسرى افتراضات وأدوات تشكلت في سياقات سابقة
ولعل هذا يؤكد مجددا أن الفاعلية التفاوضية لا ترتبط بميزان القوة وحده، وإنما أيضا بالقدرة على إعادة قراءة البيئة الاستراتيجية والتكيف معها، دون التفريط بالأهداف الأساسية.
ولعل سؤالك حول: “أي نوع من البنى ينتج أي نوع من الفعل التفاوضي؟” يمثل امتداداً طبيعياً للسؤال الذي حاول المقال طرحه، ويفتح باباً لتطوير المقاربة من البحث في شروط إنتاج الصلابة التفاوضية إلى دراسة أنماط البنى السياسية وآثارها في إنتاج أنماط مختلفة من السلوك التفاوضي.
وأرى أن هذه زاوية تستحق أن تُفرد لها دراسة مستقلة، لأنها توسع النموذج التحليلي، وتزيد من قدرته على تفسير التباين بين الحالات المختلفة.
أكرر شكري على هذه الإضافة القيمة، التي تثري النقاش، وتؤكد، مرة أخرى، أن قيمة البحث العلمي لا تكمن في تقديم إجابات نهائية، بقدر ما تكمن في إعادة صياغة الأسئلة على نحو يفتح آفاقًا أوسع للفهم والتفسير.

غانية ملحيس
 
أعلى