غانية ملحيس - من «نائب الفاعل» إلى فاعل داخل البنية: قراءة نقدية في أطروحة الدكتور إياد البرغوثي حول جدلية القوة والضعف في النظام العربي

يطرح الدكتور إياد البرغوثي في مقاله المتميز «النظام العربي.. جدلية القوة والضعف حين تعوّم الكرامة» المنشور في صحيفة القدس 6/9/2026، سؤالا يتجاوز التفسير التقليدي للضعف والعجز. فهو لا يتعامل مع ضعف النظام العربي باعتباره مجرد نتيجة لفشل في إنتاج القوة، وإنما يفتح احتمالا أكثر عمقا: ماذا لو كان الضعف نفسه، في بعض مستوياته، جزءا من آليات اشتغال النظام واستمراره؟
أهمية هذه المقاربة أنها تنقل النقاش من سؤال النتائج إلى سؤال الوظيفة:
هل ما يبدو ضعفا من منظور الدولة والمجتمع هو بالضرورة ضعف من منظور النظام؟ وهل يمكن أن تكون بعض أشكال التبعية أو التجزئة أو تعطيل مصادر القوة متوافقة، في ظروف معينة، مع مصالح النظام والنخب التي تدير الدولة؟
لكنني أعتقد أن هذا السؤال يحتاج إلى العودة خطوة أبعد، إلى ما قبل نشوء الأنظمة نفسها، بل إلى السؤال عن نشأة الدولة العربية الحديثة والمعمار الذي تشكلت داخله.
فإذا أردنا أن نفهم قوة الدول العربية وضعفها، فلا يكفي أن ننظر إلى أداء الأنظمة التي حكمتها بعد الاستقلال، وإنما علينا أن نسأل أولا: كيف تشكلت هذه الدول؟ ومن صاغ حدودها ووظائفها وشروط سيادتها؟ وهل كان تشكلها تعبيرا عن تطور طبيعي للمجتمعات العربية، أم جزءا من عملية أوسع لإعادة هندسة المنطقة بعد هزيمة الأمة في الحرب العالمية الاولى وتفكيك دولة الخلافة الإسلامية.
فالدولة العربية الحديثة لم تتشكل كلها بوصفها حصيلة تطور داخلي طبيعي للمجتمعات العربية، وإنما جاءت، في جانب أساسي منها، ضمن عملية إعادة هندسة استعمارية للمنطقة بعد الحرب العالمية الأولى. وكانت سايكس - بيكو 1916 إحدى محطاتها المبكرة، ثم جاءت معاهدة سان ريمو 1920 ونظام الانتدابات لتبلورا الإطار السياسي والقانوني لهذا المعمار، قبل أن تتبلور الكيانات العربية المستقلة لاحقا داخل حدود وبنى وعلاقات تشكلت إلى حد كبير خلال الحقبة الاستعمارية.
وفي هذا السياق جاء إنشاء الكيان الاستيطاني الصهيوني في فلسطين ليضيف إلى المعمار الإقليمي بعدا إمبرياليا واستراتيجيا دائما، إذ أصبح وجوده جزءا من منظومة القوة والصراع الإقليمي والدولي في المنطقة. ومن ثم فإن إعادة تشكيل المنطقة لم تكن مجرد عملية تقسيم إداري للأراضي، وإنما كانت إعادة هندسة للحيز السياسي والاستراتيجي العربي بأكمله.
ومن هنا يصبح سؤال الدولة سابقا على سؤال النظام: ما الوظيفة التي صُممت الدولة الحديثة لأدائها داخل هذا المعمار؟
وفي هذا السياق أرى أن التمييز بين الدولة والنظام والنخب يحتاج إلى قراءة مختلفة. فهذه المستويات ليست بالضرورة متناقضة أو فاعلين منفصلين، بل يمكن النظر إليها بوصفها مستويات مترابطة ضمن البنية السياسية الفوقية: الدولة تؤدي وظيفة، والنظام يديرها، والنخب تتولى مواقعها داخلها وتتحرك وفق شروطها. لذلك فإن السؤال ليس فقط عمن يحكم الدولة، وإنما عن الوظيفة التي تؤديها الدولة داخل المعمار التاريخي الذي نشأت فيه.
ولذلك فإن العلاقة بينها ليست بالضرورة علاقة تناقض، بل قد تتداخل أدوارها ضمن تكامل وظيفي، من دون أن يلغي ذلك ما بينها من تناقضات ومصالح وصراعات.
وهنا تحديدا أرى أن مفهوم «نائب الفاعل» الذي يطرحه الدكتور إياد البرغوثي يحتاج إلى مزيد من التفكير. فإذا كان المقصود أن الأنظمة العربية مجرد وكلاء لفاعل خارجي، فقد يكون المفهوم غير كاف لتفسير الواقع. فنائب الفاعل يفترض وجود فاعل أصلي يحل محله، بينما قد تكون الصورة أكثر تعقيدا:
الدولة والنظام والنخب فاعلون بالفعل، لكنهم يمارسون فاعليتهم داخل بنية تاريخية تشكلت قبلهم وشكلت جزءا أساسيا من شروط فعلهم وحدود حركتهم.
وهذا التفريق لا يعني بأي حال إعفاء الأنظمة والنخب من المسؤولية. على العكس، فهو يجعل مسؤوليتها أكثر وضوحا؛ فالفاعل الذي يعمل داخل بنية موروثة يستطيع أن يتكيف معها، وأن يستفيد منها، وأن يعيد إنتاجها، بل وأن تتكون له مصالح خاصة في استمرارها.
وعند هذه النقطة قد يكون السؤال الأهم: إذا كان النظام والنخب فاعلين داخل هذه البنية، فمن هو المفعول به؟
هنا أعتقد أن المجتمع يجب أن يحتل مركز التحليل. فالمجتمعات العربية لم تكن صاحبة القرار في تشكيل المعمار السياسي والجغرافي الذي نشأت داخله دولها الحديثة، وإنما وجدت نفسها داخله ثم تعاملت معه، عبر مسارات تاريخية مختلفة، باعتباره الإطار القائم للدولة والسياسة. ومن ثم يمكن القول إن المجتمع ظل، إلى حد بعيد، المفعول به في هذه العملية التاريخية، بينما تولت الدولة والنظام والنخب موقع الفاعل داخل البنية.
وهنا يصبح مفهوم «نائب الفاعل» بحاجة إلى إعادة صياغة: المشكلة ليست بالضرورة أن النظام العربي نائب عن فاعل خارجي، وإنما أنه فاعل داخل بنية لم يكن المجتمع هو الذي صاغها. وهذه نقلة مهمة؛ لأنها تنقل النقاش من علاقة الوكيل بالموكل إلى علاقة الفاعل بالبنية التي تشكل مجال فعله وحدود حركته.
كما أنها تفتح سؤالا أكثر حساسية: هل كان الاستقلال العربي قطيعة مع المعمار الاستعماري، أم أن الاستقلال في كثير من الحالات أصبح إدارة وطنية لبنية موروثة؟
وهنا تتصل أطروحة البرغوثي حول «إنتاج الضعف» بسؤال أعمق: هل الضعف مجرد نتاج لممارسات الأنظمة، أم أن الأنظمة نفسها تعمل داخل بنية تاريخية أنتجت شروط الضعف، ثم أصبحت بعض النخب والأنظمة تشارك في إعادة إنتاجها؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن استعادة القوة لا يمكن أن تكون مجرد مشروع لبناء القدرات العسكرية أو الاقتصادية، ولا مجرد تغيير نظام سياسي بآخر.
فالمسألة أعمق من ذلك: إنها تتعلق باستعادة القدرة على إعادة تعريف وظيفة الدولة ومصالحها وموقعها داخل الإقليم والعالم. وهنا ينتقل النقاش من الدولة والنظام إلى المجتمع، بوصفه المجال الذي يمكن أن تُستعاد فيه الفاعلية التاريخية.
فما دام المجتمع في موقع المفعول به، فإن تغيير الواجهة السياسية وحده لا يكفي لإحداث تحول تاريخي حقيقي. أما إذا استطاع المجتمع أن يستعيد موقعه بوصفه فاعلا في إنتاج الدولة وتعريف وظائفها وتحديد مصالحها، فإننا نكون أمام انتقال من إدارة البنية الموروثة إلى محاولة إعادة تشكيلها. ولذلك ربما يكون السؤال الذي يمكن أن نضيفه إلى سؤال د. إياد البرغوثي هو: كيف ينتقل المفعول به إلى موقع الفاعل؟
فاستعادة الفاعلية العربية لا تعني فقط أن تصبح الدولة أقوى، أو أن يصبح النظام أكثر استقلالا، وإنما أن يستعيد المجتمع نفسه قدرته على التأثير في تحديد شكل الدولة ووظيفتها ومصالحها وعلاقاتها، وأن يصبح قادرا على مساءلة المعمار السياسي الذي تشكلت داخله هذه الدولة منذ أكثر من قرن.
وربما يكون التحول الحقيقي عندما يخرج المجتمع من موقع المفعول به، فلا يعود مجرد متلق لسياسات النظام، وإنما يصبح هو نفسه فاعلا في إنتاج الدولة وإعادة تعريف وظيفتها وموقعها التاريخي.
غير أن هذا الانتقال من موقع "المفعول به" إلى "الفاعل" لا يتأتى عبر الهبات الموسمية، بل عبر خوض معركة تراكمية تُفعل أدوات الفاعلية المجتمعية: عبر استعادة المجال العام الموازي وبناء مساحات التفكير المستقلة، وتفعيل المؤسسات الوسيطة (نقابية، أهلية، وفكرية) لبناء هامش حركة مستقل يمارس الضغط من أسفل إلى أعلى، وصولا إلى فرض عقد اجتماعي معرفي يُعيد تعريف وظيفة الدولة ومساءلتها بناء على المصلحة الجمعية والكرامة الوطنية لا على شروط البنية الموروثة.
ومن هذه الزاوية، ربما لا يكون السؤال النهائي: لماذا أصبح النظام العربي نائب فاعل؟ بل: كيف أصبح المجتمع العربي مفعولا به، وكيف يمكن أن يستعيد موقعه كفاعل في التاريخ؟
وهنا، في تقديري، يمكن أن تتوسع أطروحة البرغوثي من نقد ضعف النظام العربي إلى سؤال أعمق عن إنتاج الدولة، وإنتاج الفاعلية، وإعادة إنتاج البنية، وإمكان تجاوزها.
فالمسألة في جوهرها ليست فقط: من يمتلك القوة؟ بل: من يملك حق تعريف وظيفة الدولة، ومن يحدد المصلحة، ومن يصوغ البنية التي تتحرك داخلها الدولة، ومن يكون فاعلا فيها ومن يقع عليه الفعل؟



جريدة القدسجريدة القدس › ar › postsالنظام العربي.. جدلية القوة والضعف حين تُعَوّم الكرامة

تعليقات

1. د. إياد البرغوثي

أنت محقة تماما دكتورة في أن المشكلة أساسا هي في نشأة الدولة والتشوه "الخَلقي" الذي وُلدت به. موضوع الدولة العربية وبعد تفحص كبير هو نوع جديد من "الدولة" ببعدها المفاهيمي وهذا بتقديري ما بستحق البحث المطَوّل الذي يستحق العمل عليه.
يعطيك العافية دكتورة
إياد البرغوثي


*********



غانية ملحيس

بداية، كل التقدير لمقالك المتميز الذي أتاح هذا الحوار، وفتح مساحة للتفكير في «إنتاج الضعف» بعيدا عن التفسيرات التقليدية.
وأقدّر اتفاقك مع الفكرة التي حاولت أن أفتح من خلالها نافذة أخرى على سؤالك حول «إنتاج الضعف».
وأظن أن الإشارة إلى «التشوّه الخَلقي» في نشأة الدولة العربية تفتح بالفعل سؤالا أعمق من سؤال النظام أو النخب: ما طبيعة هذه الدولة أصلا؟ وكيف تشكّل مفهومها ووظيفتها وعلاقتها بالمجتمع، وما الذي جعلها تختلف عن مسار الدولة في تجارب أخرى؟
وأتفق معك أن هذا الموضوع يستحق بحثا مطولا، وربما يكون الحوار حوله أهم من الوصول السريع إلى إجابات نهائية؛ لأنه قد يعيد ترتيب كثير من الأسئلة التي اعتدنا طرحها عن القوة والضعف والسيادة والفاعلية العربية.
كل الشكر والتقدير لك دكتور، وسعيدة بأن يكون مقالك قد فتح هذا الحوار الممتد.
غانية ملحيس
 
2. د. عادل الأسطة

بالمختصر المفيد:
أنظمة أنشئت وأنظمة جاءت عبر الانقلابات.
مرة سمعت سياسيا عراقيا يحكي عن الانقلابات: ما من انقلاب حدث في العراق إلا بعد محادثات مع السفارة الأمريكية في بيروت، باستثناء عبد الرحمن عارف.
عادل الأسطة



*********


غانية ملحيس

ربما يكون هذا هو «المختصر المفيد» فعلا، لكنه يفتح في الحقيقة سؤالا أكبر: ليس فقط كيف جاءت الأنظمة، وإنما كيف تشكّلت الدولة التي جاءت هذه الأنظمة لتديرها، وما الوظيفة التي أُريد لها أن تؤديها؟
فالانقلابات، كما الأنظمة التي جاءت دونها، لا يمكن فصلها عن البنية السياسية والتاريخية التي تشكّلت قبلها. ولذلك أظن أن العودة إلى نشأة الدولة نفسها قد تكون مفتاحا لفهم كثير مما جاء بعدها، بما فيه الانقلابات وعلاقة السلطة بالمجتمع وبالخارج.
أما الرواية التي أشرت إليها عن العراق، فهي بحد ذاتها تستحق التوقف والتحقق، لأنها تفتح سؤالا مهما حول حجم التدخل الخارجي في إعادة تشكيل مسارات السلطة العربية.
غانية ملحيس
 
3. جواد عقل

هذه قراءة معمقة لطبيعة الاسئلة التي طرحها الدكتور اياد والتي أثارت تساؤلات مشروعة. حول إعادة النظر في مفهوم تعاطي النخب مع الدولة والنخب الحاكمة والمجتمع.ومدى قدرتها على المساهمة في أحداث تراكمات تسهم أو تساعد في استعادة المجتمع لدوره بما يوسس على المدى البعيد لإعادة النظر في تلك المفاهيم والتي جرى هندستها وتشكيلها من قبل القوى الخارجية الاستعمارية والتي تقدم دورا متميزا للاستلاب والارتهان والخضوع.وعدم زجاعة الحلول والتي تعجز عن استيعاب أن معادلة الضعف والارتهان والذي يساعد في تفسير المالات أن الربيع الكارثية الربيع العربي والتي لم تخرج عن سياقات الهندسة والاستثمار الغربي مجددا في ترميم أو على الإيحاء بمحاولات ترميم النخب باعتبارها عجزت عن التعاطي بإيجابية مع مفهوم الدولة المرسوم والتي جرى هندسته ليخدم استراتيجيا تسهيل عمليات النهب وهندسة الضعف التي لم تتوقف حتى يومنا هذا. طبعا بغض النظر عن النوايا الحسنة للجماهير العربية الغاضبة والطامحة الحقيقية للتغيير. وهكذة تمخض الجبل فولد فارا بحيث أتت نتائج ماسمي بالربيع العربي مخيبة للامال ومنتجة لنخب لا تقل كفاءه عن النخب السابقة، بل تجاوزتها في عمليات النهب والسرقة واستشراء الفساد والمحسوبية وتراكم الثروات في أيدي الحكام الجدد وبعضا يسيرا من مريديدهم. لهذا فالمدخل الصحيح كيف يمكن إعادة الاعتبار للمجتمع وما هي المفاتيح الحقيقية المتوفرة في نخبنا الثقافية والفكرية اولا لوضع العجلة في المسار الصحيح. وإعادة تفعيل دور المجتمع في صياغة مستقبل عربي جديد على أسس وقواعد راسخة.
جواد عقل


**********


غانية ملحيس

أشكرك على هذه القراءة التي أضافت إلى الفكرة أكثر مما علّقت عليها. وأتفق معك أن استعادة دور المجتمع لا تبدأ فقط بتغيير النخب الحاكمة، وإنما بإعادة النظر في علاقة الدولة بالنخب والمجتمع، وفي المفاهيم التي تشكّلت تاريخيا وأنتجت حالة الاستلاب والارتهان.
وأعتقد أن إحدى مشكلات الحراكات العربية أنها نجحت في تحريك المجتمع، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تحويل هذه الحركة إلى فاعلية تراكمية ومشروع قادر على إعادة تشكيل البنية؛ فغالبا ما جرى التعامل مع تغيير الرأس باعتباره غاية، بينما بقيت البنية التي تنتج المسار على حالها.
ومن هنا يصبح السؤال الذي طرحته هو الأهم: كيف نعيد الاعتبار للمجتمع، وكيف تستطيع نخبنا الفكرية والثقافية أن تسهم في بناء الوعي والمؤسسات والأدوات التي تجعل المجتمع فاعلا بصورة مستدامة، لا مجرد قوة تظهر في لحظة غضب ثم تعود إلى موقع المفعول به؟
وأظن أن هذا هو التحدي الحقيقي أمام أي مشروع عربي يريد أن يغيّر المسار، لا أن يكتفي بتغيير الوجوه.
غانية ملحيس
 
4. يحيى بركات

د. غانية العزيزة،
قرأت مقالك، وكتبت تعليقًا عليه، ثم توقفت. شعرت أنني دخلت إلى الحوار من الباب الخطأ.
كنت أقرأ ما كتبته أنتِ عن مقال د. إياد البرغوثي، من دون أن أكون قد قرأت مقال إياد نفسه. فذهبت أبحث عنه، قرأته كاملًا، ثم عدت إليك وقرأت مقالك مرة ثانية. في القراءة الثانية تغير المشهد.
إياد، كما فهمته، لا يقول ببساطة إن النظام العربي ضعيف. هو يسأل سؤالا أكثر إزعاجا: ماذا لو كان ما نراه نحن ضعفا، يراه النظام مصلحة؟ ماذا لو كانت القوة التي نطالبه بها تقلقه أكثر مما يغريه امتلاكها؟
نحن ننظر إلى الدولة ونقول: لماذا لا تكون أقوى وأكثر استقلالا؟
وهو يقول لنا: قبل أن تسألوا، تأكدوا أن من يحكم يريد فعلا ما تريدونه أنتم.
ثم جاء تعبيره الجميل «نائب الفاعل». في البداية قرأته من خلال مقالك، ثم عندما قرأت إياد نفسه وجدته لا يقول إن النظام مجرد دمية يحركها آخرون. فالنظام عنده يعرف ماذا يريد حين يتعلق الأمر ببقائه ومصالحه. لكنه قد يقبل أن يحدد آخرون حدود الملعب، ثم يلعب داخله ويتحدث كأنه هو من رسم الخطوط. وهنا، في رأيي، جاءت إضافتك الأجمل.
أنتِ أبعدتِ الكاميرا قليلا. قلتِ لنا، قبل أن ننظر إلى النظام، انظروا إلى الدولة نفسها: كيف تشكلت؟ من رسم حدودها؟ وأي تاريخ ترك وراءه هذا البناء الذي ورثناه؟
لكن الأهم أنك لم تجعلي هذا التاريخ شماعة نعلق عليها كل شيء. فالأنظمة والنخب لم تبقَ واقفة تتفرج على بناء صنعه غيرها؛ عاشت داخله، وأدارت مصالحها من خلاله، واستفادت منه أحيانا، وساهمت في بقائه وإعادة إنتاجه.
ثم وصلتِ إلى السؤال الذي أوقفني طويلا: إذا كان هؤلاء هم الفاعلين، فمن هو المفعول به؟ وقلتِ: المجتمع.
هنا بالنسبة لي بدأ المقال الحقيقي. لأن المشكلة لم تعد فقط فيمن يحكم، ولا فيمن يؤثر على من يحكم، بل في ذلك الإنسان الموجود خارج غرفة القرار، والذي يفترض أن الدولة قامت أصلا من أجله.
لكن هنا بقي عندي سؤال. هل يكفي أن يتحرك المجتمع حتى يصبح فاعلا؟
خرجت ملايين الناس إلى الشوارع فيما سُمّي بالربيع العربي. هتفت، واحتجت، وأسقطت أنظمة في بعض البلدان. في تلك اللحظة بدا المجتمع وكأنه عاد إلى المسرح بعد غياب طويل. لكن بعد أن هدأ الشارع، من بقي على المسرح؟
هذا، في رأيي، هو السؤال الأصعب. فقد يستطيع المجتمع أن يسقط حاكما، ثم يعود إلى مقعد المتفرج. وقد يذهب إلى صندوق الانتخابات، ثم يكتشف أن دوره انتهى لحظة وضع الورقة في الصندوق.
لذلك ربما لا تكون القضية فقط أن ينتقل المجتمع من «المفعول به» إلى «الفاعل»، بل أن يمتلك ما يبقيه فاعلا.
أن تكون له مؤسسات لا تتحدث باسمه ثم تستغني عنه، ونخب لا تستمد شرعيتها من نفسها، وسلطة تعرف أن المجتمع الذي أوصلها يستطيع أن يسألها ويحاسبها ويغيرها.
بعد أن قرأت إياد، ثم عدت إليك، شعرت أنكما تنظران إلى المشهد نفسه من موقعين مختلفين. إياد يسأل: من يمسك بالفعل؟
وأنتِ تسألين: وأين المجتمع من كل ذلك؟
أما السؤال الذي خرجتُ به أنا من المقالين فهو أبسط في كلماته، وربما أصعب في جوابه: كيف نجعل المجتمع فاعلا، لا في لحظة غضب فقط، ولا في يوم انتخابات فقط، بل كل يوم؟
وكيف نضمن، بعد أن يخرج من مقعد المتفرج ويصعد إلى المسرح، ألا يأتي من يعيده إليه مرة أخرى؟
يحيى بركات



*********


غانية ملحيس

يحيى العزيز
أشكرك على قراءتك المتأنية، وعلى أنك عدت إلى مقال الدكتور إياد نفسه قبل أن تعود إلى قراءتي. أعتقد أن هذا ما جعل الحوار بين المقالين أكثر وضوحا، وأتاح طرح سؤال مهم لم أذهب إليه في قراءتي بالقدر الكافي.
أنت محق في أن السؤال لا يتوقف عند: كيف ينتقل المجتمع من موقع «المفعول به» إلى موقع «الفاعل»؟ بل يمتد إلى سؤال أصعب: كيف يحافظ المجتمع على فاعليته، ولا يسمح بإعادته إلى موقع المفعول به؟
وأظن أن هذا السؤال يقودنا، في ضوء تجارب الحراكات الشعبية، ومنها الربيع العربي، إلى مراجعة بعض الفرضيات التي انطلقت منها تلك الحراكات، ليس بهدف تحميل الشعوب مسؤولية إخفاقاتها، وإنما لفهم أسباب تعثرها.
في تقديري، كان من أبرز مواطن الضعف التركيز على النظام السياسي بوصفه المشكلة الأساسية، من دون إعادة النظر بما يكفي في الدولة نفسها ووظيفتها، وفي العلاقة المتداخلة بين الدولة والنظام والنخب داخل البنية التاريخية التي تشكلت قبلهم. وكأن تغيير النظام كاف لإحداث التحول، بينما قد يكون النظام، في كثير من الحالات، أقرب إلى سائق للعربة: يستطيع أن يسرّع أو يبطئ أو يغير بعض الاتجاهات، لكنه يتحرك على سكة تشكلت تاريخيا قبل أن يتولى القيادة. ولذلك فإن تغيير السائق وحده لا يضمن تغيير المسار، وقد تصل العربة في النهاية إلى الوجهة نفسها.
وهنا تظهر أهمية النخب بوصفها حلقة ثالثة لا يمكن إغفالها. فالنخب ليست مجرد امتداد للنظام، كما أنها ليست دائما قوة تغيير في مواجهته؛ بل قد تتكيف مع البنية القائمة، وتستفيد منها، وتشارك في إعادة إنتاجها، حتى عندما تتغير الواجهات السياسية. ولذلك فإن إسقاط النظام دون تغيير أدوار النخب ووظائفها وموقعها من الدولة والبنية الأوسع قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلة بأشكال جديدة.
وأظن أن هذا يقود إلى خطأ آخر، هو التعامل مع تغيير بنية تاريخية تشكلت وتراكمت على مدى أكثر من قرن بمنطق الهبة أو رد الفعل أو القطاف السريع. فالبنى التاريخية لا تتغير بمجرد إسقاط واجهة سياسية، وإنما تحتاج إلى رؤية ومشروع، واستراتيجيات طويلة ومتوسطة وقصيرة المدى، وبرامج تنفيذية، ومؤسسات قادرة على تحويل المشروع إلى تراكم متصل.
وهنا ربما نحتاج إلى أن نتعلم أكثر من تاريخنا، لا أن نستدعيه للاحتفاء فقط. فصلاح الدين الأيوبي لم يبدأ من الصفر، ولم يكن انتصاره ثمرة لحظة منفردة؛ سبقه مسار طويل من العمل والتراكم بدأ مع عماد الدين زنكي وتواصل مع نور الدين زنكي، وتراكمت خلاله الشروط التي أتاحت لاحقا للحظة الحسم أن تنضج . العبرة هنا ليست في الأشخاص وحدهم، وإنما في أن التحولات الكبرى تحتاج إلى أجيال تبني، وأجيال تراكم، ثم تأتي لحظة يصبح فيها الحصاد ممكنا.
أما نحن فكثيرا ما نريد اختصار هذا المسار، ونستعجل القطاف قبل أن ينضج الزرع؛ فتُجهض الحراكات، وتُبدد الإنجازات، وترتفع كلفة الفشل على الشعوب.
ولهذا أجد أن سؤالك يضيف إلى المقال المتميز للدكتور إياد البرغوثي، وإلى قراءتي للمقال طبقة أخرى مهمة. فالمطلوب ليس فقط أن يخرج المجتمع من مقعد المتفرج إلى المسرح، وإنما أن يمتلك ما يبقيه على المسرح: مؤسسات مستقلة، ومجالا عاما حيا، ونخبا قادرة على التجدد، وأدوات للمساءلة، ووعيا تاريخيا يجعل المجتمع قادرا على التمييز بين تغيير السائق وتغيير الطريق. وبهذا المعنى، ربما نحتاج إلى ثلاثة أسئلة متتابعة:
كيف ينتقل المجتمع من موقع المفعول به إلى موقع الفاعل؟
وكيف يحافظ على فاعليته؟
وكيف يحول هذه الفاعلية من لحظة احتجاج إلى مشروع تاريخي تراكمي قادر على إعادة تشكيل البنية نفسها؟
أظن أن السؤال الثالث الذي أضفته يكمل ما بدأه الدكتور إياد البرغوثي، وما أضافته قراءتي
فإياد فتح سؤال «إنتاج الضعف»، وأنا حاولت أن أفتح سؤال «إنتاج الفاعلية»، وأنت أضفت سؤال «استدامة الفاعلية». وربما تكون هذه الأسئلة الثلاثة، مجتمعة، مدخلا لحوار أوسع حول كيف تستعيد المجتمعات العربية قدرتها على أن تكون فاعلا في تاريخها، لا مجرد مستجيب لما يُفرض عليها.
غانية ملحيس



*********


يحيى بركات

د. غانية العزيزة،
أسعدني ردك، والأجمل عندي أن السؤال لم يتوقف عند حدود المقال، بل أخذنا جميعا خطوة أخرى.
وأحببت كثيرا صورة السائق والعربة والسكة. نعم، قد نغيّر السائق ونكتشف بعد مسافة طويلة أننا ما زلنا نسير على السكة نفسها.
لكن بقيت عندي لقطة أخرى: من يحدد وجهة العربة أصلًا؟
هنا أعود إلى المجتمع. ليس المطلوب فقط أن يغيّر السائق، ولا حتى أن يغيّر السكة، بل أن يستعيد حقه في أن يقول إلى أين يريد الذهاب، وأن يبقى حاضرا طوال الرحلة، لا أن يُطلب منه النزول بعد أن يدفع العربة في لحظة الغضب.
أعجبني تلخيصك للحوار: إياد فتح سؤال «إنتاج الضعف»، وأنتِ فتحتِ سؤال «إنتاج الفاعلية»، وجاء سؤالي عن «استدامة الفاعلية».
وربما نكون أمام سؤال رابع يولد طبيعيا من الثلاثة:
كيف تتحول فاعلية المجتمع إلى شرعية دائمة، لا يستطيع سائق جديد أن يصادرها منه بعد أن يستقر خلف المقود؟
هنا، في ظني، يبدأ الطريق الأصعب.
يحيى بركات




*******



غانية ملحيس


يحيى العزيز
أظن أنك هنا نقلت السؤال إلى مستوى أعمق. فبعد «إنتاج الضعف»، و«إنتاج الفاعلية»، و«استدامة الفاعلية»، يأتي سؤال «شرعنة الفاعلية»: كيف تتحول فاعلية المجتمع إلى حق مستدام في تحديد الوجهة؟
لكن هذا السؤال الأخير لا تكفيه صياغة نظرية؛ فهو يحتاج إلى موجبات ومستلزمات وشروط يمكن أن تجعل الإجابة ممكنة. وهنا تبدأ مسؤوليتنا نحن: أن نبحث عن هذه الشروط، ونبني مؤسساتها وأدواتها، ونضع المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس انتقال المجتمع من فاعلية عابرة إلى فاعلية مستدامة ومؤثرة في صناعة القرار.
فالمجتمع لا يستعيد فاعليته بمجرد أن يغيّر السائق أو يشارك في تغيير السكة، وإنما حين يمتلك من الوعي والمؤسسات وآليات المساءلة ما يجعله قادرا على تحديد الوجهة، ومراقبة المسار، ومنع السائق الجديد من الاستئثار بالمقود.
وربما هنا يبدأ الطريق الأصعب فعلا: أن ننتقل من سؤال كيف تتحول فاعلية المجتمع من لحظة تاريخية إلى بنية دائمة، إلى سؤال أكثر عملية: ما موجبات هذه الفاعلية، وما مستلزماتها، وكيف نبني مؤشرات تدل على تحققها واستدامتها؟
غانية ملحيس

5
 
5. د. عبد المجيد سويلم
في واحدة من النقاشات التي جرت حول مفهوم، أو المفهوم الأعمق للدولة النامية والذي أداره المشرف العلمي على رسالتي قال:
الدولة النامية هي تلك التي نشأت وتطورت وما زالت محكومة في تطورها الداخلي ببنية ومصالح خارجية غربية على الاغلب
وفعلا فان هذه الرأي ما زال هو المحدد الأول للمفهوم
وفقط عندما تنفصل العلاقة بين تحكم العلاقات الخارجية بقوانين التطور الداخلي، وتتحول المصالح الداخلية الى قوانين تحكم وتنظم العلاقة مع الخارج، تكف الدولة عن أن تكون نامية
أظن أن هذا المفهوم بساهم في في شرعية النقاش الذي أثاره الدكتور اياد باقتدار وتناولته الدكتورة غانية بعمق ورصانة
احتراماتي
عبد المجيد سويلم


*********


غانية ملحيس

أشكرك على هذه الإضافة الفكرية المهمة، وأعتقد أن تعريف الدولة النامية الذي أشرت إليه يضيء جانبا أساسيا من السؤال الذي نحاول مقاربته.
فالمسألة، وفق هذا المنظور، لا تتعلق فقط بضعف الدولة أو ارتهان بعض أنظمتها، وإنما بالسؤال الأعمق: من الذي يحدد قوانين تطورها الداخلي ومصالحها واتجاهاتها؟ فإذا كانت هذه القوانين ما تزال محكومة إلى حد كبير بعلاقات ومصالح خارجية، فإن الحديث عن استعادة الفاعلية لا يمكن أن ينفصل عن استعادة القدرة على إنتاج القرار وتحديد المصلحة من الداخل.
وهنا يلتقي طرحك مباشرة مع ما أثاره د. إياد حول «إنتاج الضعف»، ومع ما حاولتُ إضافته حول انتقال المجتمع من موقع «المفعول به» إلى موقع الفاعل. فالمطلوب في النهاية ليس مجرد دولة أقوى، ولا نظام أكثر استقلالا، وإنما دولة تصبح مصالح مجتمعها وقوانين تطوره الداخلي هي التي تحدد علاقتها بالخارج، لا العكس.
وأظن أن هذه زاوية بالغة الأهمية لاستكمال هذا الحوار.
كل التقدير والاحترام.
غانية ملحيس
 
6. أسعد شابيطا
انتهى الوقت الذي فيه من الممكن ان يقوم الشعب بالتغيير. الآن الشعوب تقبل التغيير من الرأس وليس من القاعده.
أسعد شابيطا



**********


غانية ملحيس

أتفهم هذا الرأي، لكنني لا أرى أن انتظار الشعوب للتغيير من الرأس يعني انتهاء دور القاعدة؛ بل يكشف أنها ما تزال في موقع «المفعول به».
فالتغيير من القاعدة لا يعني فقط إسقاط نظام، وإنما بناء الوعي والمؤسسات والنخب والقدرة على التأثير، وهي عملية تراكمية. أما تغيير الرأس وحده فقد يعني ببساطة تغيير السائق مع بقاء السكة والوجهة.
لذلك فالسؤال ليس: هل انتهى زمن التغيير من القاعدة؟ بل: كيف يستعيد المجتمع فاعليته بحيث لا يكتفي بتغيير الرأس، بل يصبح قادرًا على تغيير المسار نفسه؟
غانية ملحيس
 
أعلى