نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

علي محمد يس - جمهوريّة الحاجّة "بتول".. قصة قصيرة

نشر: علي محمد يس · ‏14/4/19 ·
  1. · بعض مما لا أنساهُ من ذكريات طفولتي ، بأحد أحياء الخرطوم الطرفية ، تلك العجوز الطيبة الولوف ، التي تخطر ببالي كلما نظرت إلى حال إعلامنا ، أو حال حكومتنا ، أو حال "أمة الأمجاد"..

    · الحاجة بتول ، كانت امرأة ذات عقيدة راسخة في من تظن أنهم " أهل الله".. ما إن ترى درويشاً يلبس المرقع و يطلق لحية و يمشي في الطرقات حافياً ، حاملاً مسبحة لالوب (نوى ثمار شجر الهجليج) ، حتى تسارع بدعوته إلى دارها ، و إكرامه بأفضل ما لديها من طعام و شراب ، ثم تسأله أن يدعو لها الله.. هذا أمرٌ كنت شخصياً أحسبه من مناقب تلك العجوز ، فهي تفشي السلام و تطعم الطعام ..

    · و لكن الحكاية التي لن ينساها من بقي حياً من أهل ذلك الحي ، هي زيارة الشيخ "أبو طيرة".. و هو الاسم أو اللقب الذي جاء يردده و يهتف به ، ذات عصرٍ شتوي ، حوالي عشرة من الحيران "الدراويش" ، يحملون "الطارات" ، يهللون و يكبرون ، و يتغنون بمناقب شيخٍ مهيب الطلعة يتقدمهم .. كان شيخهم أنيق الملبس ، فواح العطر ، يلبس جلباباً و عباءة و ثوباً أبيض ينثني على رأس الشيخ ليلاقي لحية بيضاء وقور (تذكرت وجه ذلك الشيخ بعد ثلاثين عاماً يوم أن شهدت "أنتوني كوين" في دور الشيخ المجاهد عمر المختار في الفيلم الشهير).. كان مهيباً و هو يمشي الهوينى داخلاً إلى حينا و وراءهُ حيرانه أولئك .. فتحت الأبواب جميعها ، و جاء رجال الحي ، كل منهم يطمح في أن يأوي الشيخُ الضيفُ إلى داره ، و لكنه كان يردهم بلطف ، رافعاً كفيه بالدعاء لكل من يدعوه ، مقرراً أنه "مأمور".. كنا - جوقة أطفال الحي – نتبع موكب الشيخ ، متوقعين أن يختم زيارته بمسجد الحي ، أو دار الشيخ " يوسف" خليفة إحدى أشهر الطرق الصوفية و إمام مسجد الحي ، و لكن دهشتنا كانت عظيمة و نحنُ نرى الشيخ يجيب دعوة الحاجة بتول ، التي انطلقت معترضة طريق الشيخ ، مقسمة بالله ألاَّ ينزل إلا في بيتها .. تبسم الشيخ في وجهها ، قائلاً : (خير يا المبروكة ..) ، ثم توجه بموكبه إلى منزلها ..

    · الفرحة كانت لا تسع الحاجة بتول ، التي أسرعت تفتح باب "حوشها" الرحيب ، و ترص "العناقريب" للحيران ، و كُرسياً أثرياً فخيماً ، ليجلس عليه الشيخ .. ثم تغدو و تروح ، بالماء و "الشربات" – عصير الفاكهة الطازجة - ثم الشاي و الزلابية ..

    · أثناء خدمتها الشيخ و حوارييه ، لاحظت حاجة بتول أن الشيخ كان يطيل النظر إلى كلبتها ، التي ربضت في جانب من الحوش غير بعيد عن مجلس الموكب .. دار بخلدها أن الشيخ متضايق من وجود الكلبة ، فقالت له متوجسة : الكلبة دي نمرقها من البيت أبوي الشيخ؟؟

    · أجابها مبتسماً : لا لا يا المبروكة .. كلبتك "مبروكة" .. حتلد ليك أسد ..

    · حاجة بتول ، التي كانت تعلم أن كلبتها "حُبلى" ، اندهشت من كلمة الشيخ ، و لكن صدقتها ، و صدقها من حضر من أهل الحي ، فشيخٌ بمثل هذه المهابة لا يمكن أن يطلق الكلام على عواهنه ..

    · منذ ذلك اليوم ، ظلت الحاجة بتول ، و لفيف من نساء الحي و حتى بعض رجاله ، ينتظرون اليوم السعيد ، الذي سوف تنجب فيه كلبة الحاجة بتول أسداً .. بعضهم راح يسأل البياطرة عن مدة حمل الكلاب ، وبعضهم راح يسأل الخبراء عن إمكانية أن يلقح أسدٌ كلبة .. و كلهم راح ينتظر ..

    · بعدها بأيام ، كان بيت الحاجة بتول عامراً بالنسوة ، اللائي حضرن ولادة كلبتها .. التي أنجبت جرواً وحيداً ، و ميتاً ...
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..