1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة استخدام موقعنا، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

نص روائي كامل غريبان - الفصل الأول : ملامح الغربة

نشر: ملفات سردية · ‏8/1/18 ·
  1. les-deux-étrangers1.jpg

    الإهـــــــــــــــداء

    إلى والدي المرحوم صالح عباس



    ملامح الغربة



    المشهد الأول:

    باب يفتح على ربيع قادم... في سمائه شمس دافئة وفي أفقه بعض الغيوم المتقلبة.

    الصوت يخبر عن " السيد فيقول ":

    هذا القلق الساكن فيه منذ أمد، دفعه أن يترك القرية وأن يستقر ببيت مهجور صغير قرب نهر يسمى "نهر النورس " بعد أن أرهقه السهد وأصبح عاجزا عن فهم هذا اللغو الذي يملأ صدره بصدى الأشياء وأنغام الكلمات وصخب الذكريات كل هذا العمر الذي مر في لمح البصر.

    تراءى له أن يلتجأ إذا إلى النهر كي يروي له ومضات حيرته المتجذرة فيه منذ زمن والتي كان ينفيها كي يحقق أمانيه..

    فالنهر مرآته الصادقة، هو الصمت الذي سيحتضن كلماته كي يكتب على صفحاته بعض أفكاره، أفكار سيحملها الماء الوديع المنقاد إلى فجوات الأرض أو إلى مسالك البحر، كي يردد صداها الفجر وتغنيها الأيام حسب وتيرة فصولها، سيغتسل هناك من كان شيء ويرتقب ساعة مولده، نعم لقد اختار "السيد" أن يحضر ساعة مولده الثاني لأنه لم يختر ساعة مولده الأول، وقد يطول انتظاره وقد يقصر وقد ينتابه اليأس ويعاوده الأمل، فمولده الثاني ليس أيسر من الأول، هو يطمح الى أن يزيل عن كيانه جميع المخاوف والهواجس والأوهام التي تحجب عنه وجه حقيقته، يريد أن ينهل من معرفة نفسه وأن يتخلص من متاهات جهله، التي ما انفكت تعصف به وترمي به في ثنايا لم يخترها، وكان عليه أن يخلق لنفسه لغة لا يفهمها إلا تيار النهر الجارف، لأنه سيحملها في اتجاه واحد قد يقيها مشقة التأويل والتفسير."

    ويبتعد الصوت شيئا.. فشيئا.. عن ضفة النهر.

    المشهد الثاني:


    رجال يفرغون القوارب من الشباك المحملة سمكا، ويضعونها في صناديق.

    يهمس بعضهم في أذن الآخر: ليس لبحار أن يهجر البحر.

    وكأن صوت أحدهم يصل الى مسامع مسعود فيقول:" قطعا ليس لبحار أن يهجر البحر."

    كان ذلك آخر الظهر.

    ويقول علي:" السيد" رجل غريب الأطوار،لا يشبه بحارة هذه القرية ، يقال إنه اعتزل قرب كوخ صغير على ضفة نهر النورس.

    يقول سعيد وهو يقهقه بصوت عال: " هل لرجل في مقامه أن يهجر البحر، ليستقر على ضفة نهر صغير؟."

    يقول خليل أحد رفاقه:" أظنه ركب البحر ردحا من الزمن حبا للمغامرة، لقد كان من أشد رجالنا بأسا وأكثرهم إقداما وشجاعة."

    يقول يحي: " كانت له أفكار غريبة جمعها من بعض الكتب القديمة، يبدو لي أحيانا أنه كان حاضرا بيننا غائبا عنا."

    يقول خليل: " كانت نفسه الطموحة بقدر ما تطمح إلى نيل العلى وبلوغ القمة، بقدر ما تقنع بحظها من الدنيا، فكان تارة يعتزل ويختار التزهد، وطورا يعود إلى الدنيا بنهم كبير وبشهية لا توصف، جمع ثورة طائلة ثم بددها، مل المغامرة ولم يقدر على التزهد، أحب زوجته وأبناءه ثم انفصل عنهم، كانت له قدم في الارض وقدم في السماء."

    ولما انتهوا من إفراغ القوارب تفرقوا وانتشر بقرية ميناء خبر اعتزاله.

    المشهد الثالث:

    زوجته أمينة جالسة وسط الدار، وقد التفت حولها بعض النسوة.

    تقول خديجة:" كنت أسكن قريبا من بيتهم وأزور والدته رحمها الله، أساعدها على قضاء شؤون بيتها، وكانت أمه تخشى، إذا غادر البيت وهو صغير أن يتيه عن الطريق ولا يعود إليها، كانت دائما تقول إنه شريد الذهن هائم، غالبا ما يترك الصبيان منهمكين في لهوهم ليبتعد عنهم كأنه يبحث عن شيء ضاع منه، وكانت والدته تقول والله أعلم، إنه بلي بداء أحلام اليقظة، يرى أشياء لا ترى ولم يكن أحد يصدق ما تقول."

    تقول أمينة:" كان في غاية الفطنة والذكاء، عميق التفكير قليل الكلام، سريع الحركة لا تفوته أدق الأمور وأكثرها تشعبا، حتى كأني به يسمع دبيب النمل على الأرض، لكنه كان يهوى المغامرة، تستهويه الشهوات، كان محبا للنساء قريبا منهن، يرغب في الجاه والمال لكنه بلي بداء عدم الرضاء، إذا نال شيئا سئم منه بسرعة واختار أن يتخلص منه، فكان يهجر الدنيا أشهرا ليبقى منعزلا. لقد علمت أنه كان يتردد على أحد شيوخ القرية ويدعي "عمر"، لكنه اختار أن لا يعود إليه هذه المرة.

    أدعو الله أن يمنحني الصبر على فراقه إلى عودته...".

    المشهد الرابع:

    خليل يدخل على الشيخ "عمر"، ليعلمه خبر اعتزال "السيد"، ويرفع الشيخ "عمر" رأسه ويقول: " كانت روحه ميالة إلى الحيرة والشك لا تركن ليقين ولا تقتنع بحجة.

    كان رجل شديد البأس، حازما مع نفسه ومع الآخرين يكره الخضوع والخنوع، شهما، كريما، لا يهاب المواجهة، إذا ما أحس بقيود تربطه بمكان أو بزمان أو بشخص كسرها."

    يصمت قليلا ثم يتابع، " لا البحر يعنيه ولا النهر بل المدى البعيد، سيعود إلينا، يوما أرجو أن لا يجلب إليه غضب شيوخ القرية، بعد أن اختاروه حكما بين الصيادين."

    المشهد الخامس:

    يبدو على وجه الشيخ "مصطفى" بعض القلق والتوتر، بينما كان واقفا أمام بيت الشيخ "محسن" يطلب مقابلته.

    ثم يجلس الشيخ "مصطفى" إلى الشيخ "محسن" فيقول له : "لقد أصبح خبر اعتزال "السيد" على كل لسان، لابد أن نضع حدا لاهتمام أهل القرية به، أشع يا شيخ "محسن" بينهم خبر كساد السوق حتى يلهيهم ذلك عن "السيد."

    الشيخ "محسن" : " لا تقلق إنه يستفز فضولهم، دون أن يعلم، غدا سأكلف من يتولى إشاعة الخبر، رغم أن "السيد" وعد البحارة بالرجوع قريبا."

    يقول "مصطفى" : " لم تعد بنا حاجة إليه."


    المشهد السادس:

    مازال ذلك الممر المحفوف بالأشجار يحمل وقع مشيتها، القامة الطويلة، والقد الرشيق، الجسد نحيل رسمت أطرافه بدقة، ولون العينين والشعر أسود حالك. مازال ذلك الممر، يذكر ملامح طيفها.

    حدثوا عنها فقالوا: " تدعى "سلمى"، مات زوجها وهي في العشرين من العمر، وترك لها ابنا أبكم أصم يدعى "أحمد."

    كان جمالها الفتان قد جلب اهتمام الرجال بها، فكانوا يحاولون التقرب منها، وكانت تتمنع بعد أن اختارت التفرغ لتربية ابنها أحمد، تجلس إليه كل أمسية تحدثه فلا يجيبها. ولما بلغ السادسة من عمره، أخذت سلمى ترسم له صورا، ثم تنحت له حروفا من الخشب تطابقها وتشير عليه أن ينطق بأسمائها، لكنه كان سجين صمته. وكان لا بد لسلمى أن تختلق لغة يفهمها "أحمد"، تفرحه وتبكيه وتجعله قريبا منها، قادرا على أن يخاطب من حوله فتعلمت لغة إشارات حتى برعت في إتقانها."

    يقول البعض:" إنها أتقنت تلك اللغة بعد أن مكثت أياما عديدة قرب النهر صامتة تتأمل ما حولها."

    ويقول البعض الآخر:

    إن "أحمد" كان يجيبها بإشارات مبهمة لم تكن قادرة على فهم معانيها، فكانت تتابع حركاته بانتباه شديد حتى تعلمت منه "حديث الإشارات" وأصبحت تحدثه بلغته، لكن لا أحد كان يعلم كيف أجادت "سلمى" صيغ الحكي، وترجح بعض الأخبار التي شاعت عنها، أنها تمكنت من ملكة الحكي إثر قصة حب عنيفة جمعتها بالسيد.

    ويقال أيضا إنها هامت به كما لم تهم امرأة برجل قط ، فلم تقدر على كتمان حبها طويلا وعلى إبقائه في السر فكانت تجهر به علنا ، كأن قوة مجهولة المصدر تملكها، فأطلقت لسانها وحررته من جميع العقد لتتحدث عن حبها للسيد في كل مرة .

    إلا أن الرواة لم يتفقوا على هذا التفسير، فقد ادعى بعضهم، والله أعلم، أن "سلمى" تعلمت صيغ الحكي بعد أن هجرها "السيد"، فانكبت تكتب له رسائل عديدة، كانت تمزقها بعد حين.

    حتى عاد إليها الهدوء، ولازمتها السكينة فلم تذكره سرا ولا جهرا.


    المشهد السابع

    تحف بنهر النورس من الجهتين أشجار الغابة الكثيفة، فهو يشق الجهة الغربية من القرية ميناء، ليصب في بحرها. وكان نهر النورس مأوى الصيادين، وملتقى العشاق والساهرين، وملجأ التائهين، ويحكى قديما، أنه كان وكرا للنوارس.

    الفصل الأول
    يوميات على ضفة نهر النورس



    اليوم الأول:

    "السيد" جالس بالضفة الغربية للنهر، قرب بيت صغير غالبا ما يأوي إليه الصيادون، يهمس :

    " لي جرح عميق أيها النهر، لم أشأ أن أبوح به لصديق و لا لقريب، وكنت في كل مرة أصعد الى الجبل أتأمل الصخر، وكان يخيل إلي أني لو بحت له بآلامي لتفتت ، لكني جئتك أيها النهر أبحث عن الصفاء، صفاء الروح، لا أريد أن أرى وجهي هنا على سطحك بل أريد أن أغتسل من جراحي.

    ثم تنهد وتابع :" لم كل هذه الشرور يا صاح؟ فقد دمرتني يا صاح! أأكون الضحية أم أكون الجاني، أم ارتكبت ذنبا، أم يكون وجودي هنا عبثا أم خطأ ؟ أجبني يا صاح.."

    من الضفة الشرقية، تقول الحاكية وقد لبست لحافها الرمادي وهي ترقب "السيد" عن كثب تراه فلا يراها:"

    رأيت شجرة الصنوبر العالية تسقط بعد هبوب عاصفة عاتية، ومن أعلى الصنوبر تهشم عش عصفورة غنت هذا الصباح. ما الشر؟ ما الشر؟ أليست حلقة الحياة تليها حلقة الفناء. كنت أخير أن لا أدرك يقين زوالي حتى لا يكون للشر معنى."

    اليوم الثاني:

    يقول "السيد" للنهر: " هذه الورقة التي سقطت فجأة من إحدى الأشجار المحيطة بك لتسبح فوق مائك، كأني مثلها رميت هنا، أبحث عن الفرع الذي منه بعثت.

    أتذكر في عهد صباي أنني كنت كلما نظرت الى الطين يخيل إلي أنني أعرفه منذ زمن بعيد وكلما نظرت إلى الشجر كأني عايشته قبل مولدي وإلى الأرض كأنني سكنتها أبدا ثم تنتابني حيرة شديدة فأقلب الاشياء كأني أراها لأول مرة. من كتب على جبيني حروف الأشياء قبل أن أعيها أو أفقهها؟

    كأني غريب غربة تلك الورقة السابحة التي تبحث عن الفرع الذي سقطت منه فلا تعود إليه أبدا كأنني عهدت العالم منذ الأزل."



    تقول الحاكية: " ألم تر أن الأشياء لا تفقد لونها وشكلها إذا ما غمرها الماء. شفافية الماء تجعله دائما محايدا هادئا، لذلك فهو يطهر كل شيء. الماء والصمت يتقبلان كل شيء. ماذا لو كانت قلوبنا شبيهة به ؟

    اليوم الثالث:

    يقول السيد: أيها الماء المطهر من كل أسى ،منك ينمو الشجر والزهر وعلى صفحاتك يتبخر نور الشمس، وبين قطراتك تنطفئ ألهبة النار. منذ سنتين مات على ذراعي طفلي وهو يصارع لفحات الحمى، لم أنس وجهه البريء ولا بسمة الصبا التي كانت ترتسم على محياه لتملأ علي الدنيا بهجة ومسرة، جئتك زائرا أيها الماء السخي بعد أن هدأت لوعتي وقبلت أن أفارقه وأن لا أراه مرة أخرى. فتح لي فقدانه صفحة لم أكن قادرا على قراءتها، كل شيء متحول، متغير ثم زائل، كل شيء سائر الى أجل أو محطة أو مرسى. كنت قبل موته أسعى جاهدا إلى أن أشيد وأبني وأدخر حتى أهيئ له الطريق فلا يشقى وها أنا الآن باق من بعده. أي يقين يا صاح بعد يقين الموت؟ أي يقين؟ إن يكن هو اليقين الوحيد فلم الخوف؟ وعلام الخوف؟ وممن يا صاح؟ أتعلم أيها النهر أن موته هدأ من روعي ومن لهفتي، أصبحت أفكر ما الذي سيبقى مني بعد موتي. إن كنت على يقين أنني فان فلم تتردد علي نفس الأسئلة؟ لم يعذبني وعيي؟ وأي مولد أترقب إن كان رحيلي حتميا؟".

    من الضفة الأخرى للنهر كانت الحاكية تسرد روايات الماء فتقول: " يسيل الماء دون رجعة ولا ندم لأنه لا يتراجع أبدا". يسقيه المطر كلما جف فهو لا ينفذ أبدا، ولا يتآكل من قدمه، يستعيد شبابه من صمته..."

    اليوم الرابع:

    يقول السيد: هذا الخوف الكامن فينا أبدا ما انفك يصور لنا الأشياء بريشته، هذا الخوف الكامن فينا أبدا، جعلنا نشعر بالحر وبالبرد ونتقي لهيب الشمس ونختفي من الظلمة إذا ما طاردتنا. لا نحب أنفسنا ولا الآخرين.

    هذا الخوف الكامن فينا أبدا، جعلنا نشيد المباني والجدران والحواجز ونختلق الهوية والإسم واللقب والبيت والقبر، لكننا لا نبوح به نعيشه ملء جوارحنا، نمنحه أسماء جديدة، حذرا، فشلا، وحدة، عجزا والحقيقة، إنه الخوف من المجهول من اللامعنى، من العدم، من الألم.

    هذا الخوف الكامن فينا أبدا، لعله بداية حكايتنا وأصلها ومعناها ولغتها.

    تقول الحاكية: لو توقف كل شيء عن الحركة، لعلمنا أن الخوف من الفراغ هو من أشد مخاوفنا وطأة."

    اليوم الخامس:

    يقول السيد: " ليس لدي ما أقوله اليوم أيها النهر، استعصت علي الكلمات وتشعبت معانيها وتشابهت وغاب عني قبس النور الذي كان يملأ صدري يوم مثلت أمامك ،كيف أقول لك ما لا يقال أيها النهر الصامت كيف أعبر عن أمور ضاقت بها الكلمات؟ هبني هدوؤك عساك تنيربصيرتي، فالحقيقة لا تتشكل إلا من خلال الكلمات لانها حاملة لتآويل متعددة ، لذلك قد يتيه التاريخ بين معانيها .

    الحاكية: " جميع الأصوات تقول لكننا لا نسمعها. وجميع الأنغام وإن تشتت تشدو منسجمة، لكننا لا ندرك انسجامها. غرباء نحن عن جميع اللغات، بعد أن سجنتنا لغة الكلمات، لأنها تعكس حيرتنا، لذلك لا يمر يوم إلا ورجعت إليك أيها النهر، أبحث في صفحاتك عن لغة الأشياء".

    اليوم السادس:

    اعتكفت أشهرا في بيت صغير، رفقة رجل فقيه يدعى الشيخ عمر، كان يقرأ علي كل ليلة بعض ما أنزل على الرسل من أديان، بعد أن اختار العيش وحيدا حتى يتفرغ للعبادة، وكان قد عرف بعلمه وتسامحه الشديد وكرمه، اطمأنت له نفسي الحائرة منذ أول لقاء. كنت آكل القليل، وأنام القليل وانقطعت صلتي أو كادت بزوجتي وأبنائي وأقاربي وأصدقائي. حفظت منه الكثير، وأخذت عهدا على نفسي، أن لا أخطئ في حق أحد، أن لا أعتدي، أن لا أخالف وعدا، أن لا أخون وأن لا أكذب.

    واعتقدت أن روحي تطهرت من جميع ذنوبها وأن الطمأنينة عادت إلى نفسي، وأني أصبحت أقودها وأسيرها دون ألم ولا تردد كما يقود السيد عبده، ثم خرجت إلى الدنيا كأني أراها من جديد.

    عدت إلى بيتي، وكان لا بد لي أن أجابه فاقتي بعد أن أهملت شؤون الدنيا أشهر عدة، ورجعت أعمل وأكد ومر علي عام وأنا على تلك الحال ثم عاودني القلق من جديد ولم تعد تستهويني الحياة بملذاتها ومباهجها فابتعدت عن زوجتي وأبنائي.

    وذات يوم التقيت بأرملة تسكن قريتنا تدعى "سلمى" كانت على غاية من الجمال، همت بحبها ،فكان بيننا ما كان من عشق ومعاشرة ، حتى أصبحت علاقتنا حديث جميع أهل قرية "ميناء"، لم أعبأ، كنت أشعر أنني أصبحت سجين هواها، لا أرى غيرها ولم يعد لي من هم في هذه الدنيا سوى إرضائها، فهجرتها، وأصبحت شريدا تأويني كل ليلة حانات البلدة، حتى إذا ما صعدت الى رأسي الخمرة، واستبد بي شوق إلى ملاقاة حبيبتي بحثت عن غيرها من النساء.

    ودامت حالتي بعض الأشهر، نسيت كل ما حفظته من الفقيه، وراودتني الشكوك ولم يجدني دعائي نفعا، وكنت أود أن تمتد لي يد كي تنقذني من الغرق الذي غمرني، لكني كنت وحيدا مع كأسي وآهاتي وشوقي المحموم لعشيقتي بعد أن عز علي فراقها، ولم تنسني أجمل نساء القرية ما كان بيننا حتى كرهت بؤسي وضعفي، فعقدت العزم على أن أعود إلى ما كنت عليه من قبل ذلك اللقاء، فخفتت وطأة حزني بعد أن وجدت إلى النسيان طريقا وانهمكت أجمع المال كمن تملكته قوة أخرى.

    بعت أرضا كنت قد ورثتها عن أبي واشتريت مركبا كبيرا وجمعت حولي فتيانا أقوياء بعد أن كنت صيادا مثلهم، ولما ازدهرت تجارتي كثر عدد البحارة الذين التفوا حولي وأصبح مركبي مركبين ثم ثلاثة ثم أربعة وتمكنت من السيطرة على السوق.

    وذات يوم من الأيام الشتاء، اشتدت فيها الريح والبرد قررت الخروج صحبة البحارة وأنا أعلم أننا قادمون على مجابهة الغرق، فخرجت بالمركب الأول، فتبعني البحارة وهم منقادون بحماس شديد خلف حبهم للمغامرة ومواجهة الموت، فلما اشتدت الريح وتمايل المركب الذي كنت عليه، اكفهرت السماء عابسة، كأنها تنبئ بحلول غضبها، تغيرت سمات وجوه البحارة، وكان لا بد لأحدنا أن يقرر الرجوع قبل الولوج في أعماق البحر، ولم يلق أحد منا بشباكه، وكان يرافقنا أحد كبار بحارة القرية عهد البحر منذ ثلاثين سنة، فصاح بنا : "سوف نهلك إن واصلنا التوغل في البحر، لا بد من الرجوع حالا وإلا سنغرق جميعا."

    وقال أحدنا : "أنظروا.. إنهم ما زالوا يتصارعون مع الموج لدخول أعماق البحر "، فصاح سالم: " أشر عليهم بالرجوع".

    فأشرت عليهم، لكن لم يرني أحد منهم ، فصاح بنا سالم: " لن نستطيع الإلتحاق بهم فقد رماهم البحر في اتجاه الريح من الناحية الغريبة، فلنعد ".

    مكثنا نصارع هبوب الموج دون أن نجابه الموج المتصاعد، ونفرغ المركب من الماء كلما امتلأت، بعد أن انتشر الرعب بين صفوفنا، وما إن هدأت الريح هنيهة حتى حولنا اتجاه المركب، وأخرجناه من الغرق بسرعة، ونجونا من الهلاك، بينما غرق المركبان، ولم يستطيع البحارة الرجوع بهما وانقاذهما من الغرق.

    نزلت من المركب منهك القوى، مهزوما، كنت أود أن أواجه الموت ولو لحظة، لكني لم أقدر، وكان علي أن أواسي أقارب البحارة الذين غرقوا، فلم أقو على مواجهتهم، وصاح في أحدهم بعد أن شد خناقي:" لقد قتلت ابني في عز الشباب". ثم أجهش بالبكاء.

    وحملني سعيي في أن أجمع ثروة طائلة وأن يكون لي الجاه والسلطة إلى مواجهة الموت، فبعت المراكب وهجرت البحر، وعدت إلى عمر أحدثه عن شكوكي، وأشكو له حالي وما آلت إليه، وأناشده أن يساعدني على التوبة، فاعتكفت أشهرا عدة ببيته، أطلب من الله الرحمة والغفران.

    وكنت أثناء خلوتي، أذكر من حين لآخر نشوة الخمرة، ولوعة الحب ونخوة الانتصار على الموت والبحر، وأحيانا أخرى كان يعتريني أثناء خشوعي شيء من الهدوء والراحة لم أعهدهما من ذي قبل، وكنت كلما زادت ظنوني، تشبثت بإيماني كمن وقع في كهف عميق الظلمة فتراءت له أضواء شمعة أنارت له بعض الأركان فأخذ يتبع نورها لعله ينجو من الظلام المخيم حوله، فلم يكن إيماني أكثر قوة وترسخا من الشكوك التي كانت تسكنني.

    وكان الفقيه من حين لآخر يحدثني عن العقائد وسننها وقد بدا لي أثناء حديثنا فاقدا لكل رغبة، لا ينتظر من الدنيا سوى ساعة موته، كمن ينتظر لحظة خلاصه الأخير، فلم تكن الدنيا تعنيه بشرورها ومآسيها، ولم يجد الشك طريقا الى نفسه المطمئنة منذ زمن بعيد.

    واستيقظت، ذات فجر، على صوته المبحوح، وهو يردد دعاء، ثم فوجئت به يجهش بالبكاء، فاستغربت لذلك أشد الاستغراب، فلم أره قبل ذلك اليوم فرحا ولاحزينا، ووقفت على بابه أسأله: " لما لم تساعد جميع التعاليم والعقائد والسنن الإنسان على أن يحقق العدل؟ لما لم تجعله الإنسان الأكمل؟".

    فأجابني دون أن يلتفت: " لأنه لم يفهم مراميها فكان خارقا لتعاليمها".

    فقلت لكنها حاملة لحقيقته فلم فشلت إذا؟ ألأنها لم تفهمه أم لأنه لم يفهمها؟".

    فقال: " خلق الشر بلاء... بل هو أعظم بلاء نحاول جاهدين أن نقهره كي نصبح أفضل لكننا قد لا نوفق دائما". ثم تلهى عني بدعائه دون أن يتوقف، فغادرت المكان، ولم أعد إليه حتى بعد وفاة ابني أيسر.

    حين أتم السيد حكايته عم السكون.

    على الضفة الاخرى من النهر شرعت الحاكية في الاغتسال ثم همست وهي تقول: " لا يمكن للحقيقة أن تتحول إلى سلطة ." و غادرت المكان.

    اليوم السابع:

    يقول السيد: لم أنس تعاليم الفقيه عمر، أدركت أنني لا بد أن أكبح جماح رغباتي حتى لا أذنب، كنت أجاهد نفسي حتى لا أعود إلى سكري، وحتى لا يغريني حب المغامرة وركوب البحر، وكنت أطارد كالمجنون طيف "سلمى"، وهو يلاحقني حيث ما حللت.

    كنت شبيها بذلك السجين الذي وضعوه في قصر تعددت غرفه، وأوصوه بأن لا يفتح أية غرفة منها، وأن يترقب ساعة سراحه، لكنني أيها النهر، كنت قد فتحت البعض منها لأعيش الأسى والفرح بملء جوارحي ، فكيف لا أفتح ما تبقى منها؟ من سيفرج عني؟ وما الذي يترقبني عند خروجي؟

    وذات فجر، رأيت رغبة الشمس في أن تشرق كعادتها ورغبة الزهر في أن ينبت بعد أن انكسر، ورغبة السماء في أن تمطر بعد جفاف.

    كل شيء يستمر، كل شيء يطمح أن يكون مرة أخرى، وتذكرت وجه الفقيه لا يحب ولا يكره لا يذنب ولا يغضب، ثم وجه عمر اليائس الباكي وهو يطمح إلى الكمال دون أن يبلغه، كنت أحاول جاهدا أن أتغلب على شهواتي كي أحقق نفس الأمنية، ولم أدرك بعد أن كل شيء من حولي، يستمر، ويحيا، ثم يفنى قبل بلوغه الكمال. وتذكرت قصة آدم كيف نزل أرضا ليشقى، لأنه رغب في قطف تفاحة من إحدى أشجار الجنة.

    وعاودتني أسئلة أخرى: " هل نحن أحرار إذا ما حرمنا جميع الشهوات والرغبات؟ وهل نصبح لها أسرى إذا ما أبحناها جميعا؟ هل لحريتنا معنى ونحن نجهل من نكون؟ أم أننا لا نعي من نكون إلا إذا ما تحررنا من جميع القيود؟

    من يقرر الحد الفاصل بين العبودية والحرية والخير والشر..؟ ذواتنا أم الأخرون؟ الرغبة في الخير أم الشيطان الرجيم؟ من...؟ من....؟

    وعينا... إدراكنا...؟ فترتعش أوراق الشجر بعد هبوب ريح خفيفة، ويدوي صوت "السيد" في الفضاء، يعود صداه ليردد نفس الأسئلة.

    على الضفة الأخرى للنهر تقول الحاكية : " العبادة الصامتة في رهبة هذه الغابة" وعلى كتفها يحط عصفور.

    اليوم الثامن:


    يقول السيد:" نبض الحياة يستمر في هذه الرغبة الجامحة التي أحملها، كمن يحمل بذرة أول ذنب.

    كم رغبة تولدت عنها، مئات الرغبات، كيف أعدها؟ كيف أصفها؟

    جسد إمرأة تحجبه الجداول المنهمرة، وشمس حمراء قد غرقت في كأس من الخمر آخر الليل لتطفو على سطحه من جديد ، وتقص ما كان من الهجير، آثار أقدام مرسومة بدقة على صدر الرمل لم تطلها الشواطئ الهائمة تتنفس هواء التيه، فتترك بصماتها وترحل. الزهر الذي يحمل حس السماوات وشيئا من النور وبعضا من الماء يتفتح بسرعة ليبعث أبهى صور الجمال ثم يذبل، فلا يبقى منه سوى عبير يلتحم بالتراب فيزداد عطره انتشارا. كأن جسدي الحائر يلتقي بالكون لحظة يطوف به، ليحويه بين ذراعيه. ولأن اللقاء مستحيل، يزداد الشوق، وتستبد بي الرغبة في أن أسود.

    الحاكية: " خلق الشيطان من نار الرغبة، لذلك فهو لا يهزم إلا لينتصر من جديد".

    اليوم التاسع:

    ...وطلع الصباح، فتح السيد عينيه بعد غفوة قصيرة، وكأن النهر انسحب من تحت بساط كلماته، وابتعد عنه مسافات، فعم الصمت بينهما، فانزاح عن السماء غطاؤها وتعرت، ولم تعد مهدا لماضيه ولا لحاضره بل بدت له فضاء ممتدا سابحا إلى حدود الأزل. في وحدته القاتلة، كان السيد يترقب لحظة مولده الثاني، وهو يتأمل ما حوله بعيون أخرى.

    الحاكية: " لا يركع العالم إلا لصيرورته المتجددة، غريب هو عن أوهامنا عن أحلامنا، نحن لا ندرك نواميسه لإخضاعه لمشيئتنا، لكننا لا نفقه لغته..."

    اليوم العاشر:

    السيد يضع رأسه بين يديه ويقول: " لم أعد أتحمل هذا الدوي الذي يملأ رأسي، كأني أرى في الأفق دخانا يغطي زرقة السماء. تجتاح خيالي صور رهيبة لموتى يتكاثرون يتكدسون أياد مزقتها الجراح، وأنا قابع هنا، أتأمل الشجر، كأن الحرب مندلعة في هذا المكان، أنتظر أن يحمل الكون شيئا من الهدوء والطمأنينة. أسمع الآن صوت رجل، يتلو هذا الخطاب: " لا بد أن نسترجع الحق المهضوم لا بد للحرب أن تندلع حتى يعم السلام والعدل." وصوت الرجل آخر يجيب: " هذه الحرب إبادة، مات فيها الآلاف الرجال والأطفال والنساء حتى يستولي العدو على أراضينا وثرواتنا".

    تليها أصوات أخرى، كل منها يردد خطابا، تحيط بالمشهد مدن العالم تتابع الحدث، وهي تنتظر بفارغ الصبر أن يصدر حكم الغالب على المغلوب. ويرفع السيد رأسه، ويرى النهر هادئا ساكنا والمكان خاليا من البشر، فيدرك أن جرحا قديما أصاب كيانه قد تفجر في تلك الاونة فينهض من مكانه، كمن اعتراه هذيان،متسائلا : " أين القوانين أين الأنظمة والتشاريع؟ ألا من حاكم يأمر بوقف هذا الدمار؟ أين الله؟ "أين الله؟ أين الذي وهب الحياة في أجمل تجلياتها؟".

    الحاكية تقول: " لم يخلق بعد نظام يطمح إلى تحقيق النظام، ولا عدل أرسي من أجل العدل، هذا النبع الفياض الذي يحركنا ويصرخ فينا أن نحيا، ليس مصدره أفكارنا، بل حبنا للبقاء، فأفكارنا في أسمى معانيها ليست إلا شكلا من أشكال التجريد. الغريزة تغلب الذكاء، الغريزة تغلب الذكاء، بل هي التي تحكمه، هي التي تدفعنا إلى أن نقتل من أجل أن ننتصر.

    لا تنتظر مدن العالم غير لحظة الانتصار، كي يملي الغالب على المغلوب شروطه.

    السيد: " أين الله؟ أين الله؟ لم لا يخلصني إما من هذه الرغبة الجامحة القادرة على الدمار وإما من نزوعي إلى العدل والسلام؟."

    الحاكية: " خالق الأزل، باعث الحياة والموت، لقد وهبنا الحياة والحكمة والذكاء لن يسترجعها منا لنصبح له عبيدا وذلك هو من ثمن حريتنا..." ويبكي السيد ويعود إلى النهر صمته وهدوئه.

    اليوم الحادي عشر:

    تسرح الشمس بحار نورها لتغطي البقاع بشعاعها الباهر، وتسبح الأشياء في موج الضوء الباهر، ترمي بظلالها الوارفة على بساط الأرض، فترسم صورا سوداء تحاصرها هالة من النور من كل جهة وجانب.

    يقول السيد:" أنا هنا، كي أحضر هذا المشهد، في هذا اليوم، الذي لن يعود أبدا. أنا هنا أمام هذا المشهد، كأنه يدعوني كي أكون جزءا منه، لكنه لن يعود بنفس التفاصيل مرة أخرى.

    فما معنى وجودي؟ وأنا حاضر هنا الآن بكيان يعي العالم كأنه منفصل عنه، ومدرك في الآن نفسه أنه جزء لا يتجزأ منه، كأني ذلك المسافر التائه الذي يشق هذه البقاع، وهو يعلم أنه لن يعود إليها أبدا، فينهب منها كل ما يشتهي ، وهل لعابر السبيل أن يفكر وهو يكتشف في كل مرة البقاع التي يزورها؟ ففي كل يوم يتقمص المكان هيئة جديدة، وفي كل يوم أشعر أنني أسافر إلى غربة أخرى، وفي كل يوم أنتظر الغد وأخشاه لأني أجهله.

    الحاكية تلبس لحافا أبيض وتتحلى بأجمل الحلي، تسدل شعرها الأسود الحالك على كتفيها، تتمشى برشاقة على ضفة النهر، ثم تقف فجأة لتنظر إلى "السيد" من الضفة الأخرى للنهر وهي تقول بينما كان مستغرقا في تفكير عميق : " لا شيء يضاهي روعة هذا النهر، في هذا المشهد شعرت بمتعة وجودي، ووجدت فيه عزاء لشكي وخوفي وألمي وحزني. لن أكون هنا سوى مرة واحدة فقط، يالها من متعة !ياله من جنون ! لحظة خاطفة، تحمل أبدع صور الجمال وتمر".

    اليوم الثاني عشر:

    يقول السيد: " كيف لي أن أهب عشقي وجهدي وأرقي وفرحي لغيري، وأنا لا أملك حتى عمري؟

    ماذا سأعطي وأنا راحل غدا أو بعد غد، لا أعلم ؟ كيف لي أن أحب فأخلص للمحبوب وأنا زائر هذه الدنيا؟ أليست الرغبة هي ملاذي الوحيد حتى أحيا فكل ما سيبنى سيدمر، وكل ما سيدمر سيبنى حتما، لا شيء باق ولا حتى الذكرى، ولا حتى حروف أنقشها على هذا الصخر لأنها بمرور الزمن ستبلى.

    أيها النهر، أجبني كيف أصبت فجأة بحلم الخلود، وأنا أحضر كل يوم موت الكائنات أمامي ثم مولدها ؟

    كيف أصبت بحلم الخلود، وقد مات صغيري على ذراعي هذا وبقيت من بعده، مازلت أذكر كيف توقف فجأة عن التنفس وأصبحت أعضاؤه باردة إذ تحول إلى جثة هامدة بعد أن قاوم الحمى ساعات طويلة، حملته على ذراعي لأدفنه في تربة القبر؟ لم بليت بهذا الحلم المستحيل؟ حتى يصبح الكون بنجومه وشموسه وسماواته وأشجاره من ألد أعدائي؟ كيف أنا عاشقه ومحبه، وأنا أبغض سنة الفناء التي تحكمه؟ ما معنى أن أخلق وأنا مدرك لموتي؟ ألكي أترقبه كل لحظة، أم لأنساه، فأحيا لأذنب؟ أتكون الحياة أجمل هبة، أم أكبر بلاء يهدى؟

    يخيل إلى أحيانا، أني شبيه بذلك البلهوان الذي في كل يوم يعيد نفس اللعبة، يمشي على خيط نحيل، فترتعش يداه الحاملتان لقصبة طويلة، وتتمايل رجلاه خوفا من أن يسقط، ومن تحته فضاء سحيق، مدن وبنيان ينفتح كهوة تنتظر زلته لتبتلعه، إن هو قطع المسافة بأمان، صفق من حوله وأشادوا بشجاعته، وإن زلت قدمه فسقط، قالوا بأسف ذلك هو قدره وانفضوا من حوله.

    الحاكية: " ليس هذا النهر، سوى واحة شاسعة من العطاء لا تنفذ حتى وإن أحاطتها الصحراء، منه يعود إلى الشجر ورقه، وإلى الأرض بساطها، ومنه تستمر الحياة، العطاء مد وأخذ ،جزر لا تترك ورائها غير شواطئ القاحلة. قد تشكو النفس الراغبة دائما في الأخذ من قحط، لا ترويه حتى المنابع المتفجرة".

    اليوم الثالث عشر:

    طوائف من الأنغام تحلت بأسماء الزهر ورموز البحر وتبعثر الرياح، اجتمعت تتلو روح الكون تحت خيام البحر..

    يدير السيد ظهره عن النهر بعد أن عادت إليه ذكرى حبيبته سلمى يقول..." سلمى، عندما خلق الله الأرض ونفخ في الطين بأن أمره أن كن فيكون، كنت يا حبيبتي في الكيان الذي من أمره خلق، كنت أول الجملة وكنت آخرها، فكانت مني بذرة الخلق وكانت منك مراحل تكوينها فمولدها ووضعها، كنت أول الجملة وكنت آخرها.. وكان في تلك الجملة فصلان لا ينفصلان، فصل تجلت فيه الصورة الأولى، وفصل به تجسدت لتبعث للوجود. لقد كتب علينا منذ بدء التكوين أن نهيم بحثا عن الجزء الذي عنا انفصل.

    فالهيام يا حبيبتي معنى الجملة وأصلها وروابطها، كتب علي يا حبيبتي قبل لقائك وبعد هجرانك أن أهيم بين الأسطر التي فصلتني عنك، كالنغم الذي اختطف منه الصوت فجأة، كالجذر الذي انسحب منه التراب فجف، بقيت أعيش ذكرى وصالك يوم شهدنا القمر وغطتنا أشجار الغابات، فانصهرنا في لمحة الخلود وسكرنا من خمرة الجملة الأولى : جملة التكوين، فغمرتنا نفخة الخلق الأولى وفتحت لنا أبوابا لم نطرقها قط، فدخلنا في عهد ما قبل الجسد وقبل كلمة، فكنت منك وكنت مني.

    الحاكية: يحكى أنني قبل أن أترك أهلي وقريتي، كنت قد عرفت جنون الشوق، وجربت الوصال والهجران حتى كفرت بسنتهما.

    كان قد وقف على بابي رجل يحمل ملامح الغربة حزينا، عنيدا، مغامرا، لا يهاب شيئا متعاليا وفي تعاليه شيء من الانكسار، وكانت وسامته تبعث على الدهشة، تخفي قسمات وجهه صفاته تلك، لتعلنها نظراته الهائمة. تفتح داخلي الحلم المنكمش فجأة، وانتشر عبيره فبانت منه صورة ذلك الرجل ، طلعته، وقع خطاه، نبرات صوته، حركاته كنت عالمة من يكون قبل لقائه، قد قرأت صفحات غربته وتفرده في أعماق ذاتي، وتعلمت رموز كيانه ولغة جسده، كنت مسكونة بالحروف التي لم يقلها. حين أحس ذلك، رمى بسلاحه تحت قدمي، وسلم لي نفسه دون مقاومة. وكنت أدرك أنها بداية ضياعي..

    اليوم الرابع عشر:

    السيد:" كنت يا سلمى أسطورة مستحيلة المنال..

    أجمل ما خلق وأحب ما خلق..

    منبع الشوق ومولد الدفء..

    كنت أحلام الصبا في المهد..

    وذكرى اللمسة الأولى..

    في سجنك، ملاذي الأخير كلما عصفت الريح وهاجمتني الدنيا."

    الحاكية: يوم هجرني حبيبي طوعا، رأيت الكون معبدا كبيرا تملؤه الأصنام بعد أن فارقته الحياة فهجرته الطيور والأزهار والبحار والشموس والأقمار دون رجعة فبات كصورة هامدة جامدة لا معنى لها..

    كنت في عز فقري أقتات من الذكرى، فلما نفذت ولم ترجع إلي ما كان بيننا، ثرت على تلك الاصنام أكسرها وأبني من ألمي صرحا كبيرا يقيني شر الهجران، شربت حتى الثمالة من خمرة النسيان فلم تسعفني، كنت تسري في دمي ولم أكن قادرة على أن أرى الدنيا بفكري، كنت في حاجة الى جنون الحب، لأنه كالصقر ينقض على جميع معالمها ويطير بها إلى وكره. كم كان قاسيا وباردا الشتاء دون انتظارك!

    اليوم الخامس عشر:

    يقول السيد: " في نفسي صوت خافت ما انفك يحدثني عنك يقول: إنك تعلمين عودة العصافير إلى أوكارها دون رؤيتها، وتدركين ساعة الفجر في سكرات نومك وتخبرين عن قدوم المطر قبل أن ينزل، وما تقوله العيون في صمتها، كأنك مسكونة بالمجهول وكنت أخشى المجهول حينا، وتأخذني الرغبة في أن أواجهه أحيانا أخرى.

    كنت البحر،

    وكنت المركب،

    كنت الريح وكنت الشراع الذي يخترقها،

    كنت الإشارة،

    وكنت الحرف الذي يبينها،

    هكذا كنت الظلمة، وكنت النور، وكان لابد لهجرانك أن يكون.

    الحاكية: استمع جيدا إلى هذه الألحان الموزعة بين جميع مدن العالم تغني في كل حانة، وفي كل مقهى، في كل زقاق وفي كل ركن، وفي كل ملهى، في كل بيت، في كل سجن، في كل مأوى، بجميع لغات العالم ولهجاته، بجميع الأصوات ونبراتها، تغني الحب ليلا ونهارا، الجميع يغنونه فتيانا كانوا أو كهولا أو شيوخا أو نساء أو أطفالا. يغنونه، لعلهم ينسون وحدتهم أمام الموت والعجز والألم والفقر، استمع إلى هذا العالم البشري يغني ما ضاع منه، وصوته مشحون بحزن عميق، حزن فقدان نفخة الخلق الأولى نفخة الحب الذي منها كان كل شيء، سوف لن تنقطع أغانيه أبدا سيغني الحب، كمن يغني ذكريات الجنة المفقودة.

    اليوم السادس عشر:

    يقول السيد: "سلمى حين علمت أنك ستكونين لي المرسى الذي سأحط به رحالي، المحطة الأخيرة التي بها سأحل، هجرتك يا سلمى، حتى لا تكوني سجني، هجرتك ولن أعود.

    وغادر السيد مكانه، وجلب من بيته الصغير فأسا، واتجه إلى الصخرة قريبة من النهر وشرع في تهميشها.


    الحاكية: " فرقتنا يا حبيبي عهود قديمة ولت وانقضت، كيف أقطعها لأجد طريق العودة إليك، كان يروى فيها أنني خرجت من ضلعك المعوج، ووسوست لك بأكل التفاحة وبارتكاب أول ذنب، فأغريتك، ففعلت.

    حبيبي، يقال في حكاياتهم، أنني خلقت كي أنسج لك شباك الإغراء، فكان لا بد أن أسجن بين قضبان الشر والإثم، أن لا أرى النور أبدا كي لا أرمي بشباكي وأغري بقطف ثمار أخرى، فقد كنت ذلك الصبي المغامر الذي خرج ليكتشف الدنيا ولم يدرك بعد الذنب ولا يحب أن يقهر، كنت تهاب سجني وكنت أتخبط بين قضبان سجنك، وكنت أتساءل من منا يقرر مسير الآخر، من منا يسود؟ وهل تسود الظلمة النور، وهل تسود الأرض السماء، أم السماء الأرض؟ من منا كان عبدا لسيده أنا أم أنت؟ كهذا حدثوني فلم أفهم حديثهم".

    من الضفة الأخرى للنهر يواصل السيد تهشيم الصخرة بقوة.

    اليوم السابع عشر:

    تقول الحاكية: " أتذكر؟ حين هطل علينا رذاذ من الحب لامست قطراته أجسادنا، فلسعتنا بداء الشوق، حتى تبللنا بسحره، كنا يا حبيبي بين سيل الماء، قطرة، قطرة، وألهبة النار، وحرها لفحة، لفحة، نغيب عن هذا الوجود، لنستفيق من خمرتنا، ونراه بعيون أخرى تزيد من عشقنا عشقا".

    وتصمت الحاكية لحظة من الزمن ومن الضفة الأخرى يواصل السيد تكسير الصخرة دون أن يرفع رأسه، بينما تنهض هي من مكانها توقد النار وتحرق بعض الزهور الجافة، فتنتشر في الجو رائحة غريبة فتواصل:" أتذكر هذه الرائحة الجبلية الوحشية المسكونة بأنفاس الأرض وأشواق الشمس وندى الفجر، كانت حدائقها تطوقنا، لتسجننا في جحيمها كي تخرج السر الكامن فينا، فلكل جسد لغته، ولكل نظرة أحلامها، ولكل كيان ألغازه، كنت قد دخلت قصور الصمت أقرأ ما كان منك، وأخفي همسك في أعماقي حتى لا تبدده الرياح العابرة". يرمي السيد بفأسه ويستلقي قريبا من الضفة يتأمل السماء في صمت.

    اليوم الثامن عشر:

    يقول السيد: " حجب عني حبك السحب ،وجه الشمس، وضوء القمر،فلم أدرك حقيقة نفسي ولا حقيقة الكون.."

    الحاكية: " يوم انمحت ذكراك من قلبي اغتسلت، واخترت الفقر منهجا وتجردت من كل رغبة، أرنو إلى محبة أخرى."

    اليوم التاسع عشر:

    يقول السيد: بلا ذكرى، ولا ماض، ولا حاضر، قد تكون الأشياء أعدادا متفرقة، أو مجتمعة أو منسجمة، أو متنافرة، فليكن كل شيء عددا مجردا، من كل تأويل، أو تفسير، أو معنى.

    كيف أعد إذا الكائنات منذ البدء إلى النهاية، دون أن أشعر نحوها بالغربة أو بالكراهية أو المحبة؟ كيف أنسى جسدي ورغبتي في أن أستبد بما هو حولي، فأتملكه؟ كيف أتجاوز الممكن كي أدرك المطلق ولو بالتجريد المحض؟

    الأعداد تتواتر، تغيب، تتزايد، لو أحسنت عدها لعلمت ما يحركها.

    الحاكية تقول:" قصص الحب تتزايد في كل لحظة، وإلا فما سر الجمال الذي يعم هذا الكون؟ ما سر هذا التناغم المستمر؟ أيكونان وليدي الصدفة؟".

    اليوم العشرون:

    يقول السيد:" تنسج الأعداد خيوطها وهي تبحث عن لباس يعيد مقاييس الأشياء ، الخيط تلو الخيط يرسم أشكالها كي يكشف عن خفاياها، دون الإجابة عن هذا السؤال:" من أين تعد البداية وكيف الوصول إلى النهاية؟".

    الحاكية تقول: " أي عدد يطابق المطلق؟ أي عدد يطابق المستحيل؟ وأي عدد يطابق العدم؟ لا بد للأعداد من أسماء ترمي بها في متاهات البحث عن المجهول. لقد أشعلنا أعوادا من القصب كي نحصى الأشياء، بعد أن تجردت من كل معنى، عساها تنير لنا كهوف جهلنا".

    اليوم الواحد والعشرون:

    يقول السيد: " أخذت أعد الزمن فإذا به في تزايد، العمر في تزايد، والكون يتوسع في فضاء يتجاوز العد، ولم أجد مكانا لأيامي الماضية، كأنها ضاعت مني هباء، أين الأشجار التي سقطت؟ وأين البحار التي تراجعت ثم جفت؟ وأين الفصول التي مرت؟ ألا تدخل في الحسبان؟ من أوهمنا أن لا وجود لسنة الزوال فجعلنا نتجاهلها، ندفنها في طي النسيان؟ من أوهمنا أن الزمن عقارب ساعة ،تتقدم لتزيد من عدد الأيام والأعوام؟ وذكراك يا سلمى الحاضرة الآن في كياني كيف ألغيها؟ هل أضيفها إلى عدد الساعات وهي تمر بسرعة مذهلة أم أحذفها؟ سلمى أين أنت؟ أخشى أن تبتلعني الأعداد وهي تتزايد في كل لحظة، كيف أجابه النقصان؟ كيف أجابه الفقدان والزوال وهو ملغى من قاموسنا؟ سلمى أين أنت؟ أجيبيني سلمى؟ أود الرجوع إليك كي أدفن جراحي بين ذراعيك، لم يبق لي شيء أبحث عنه غيرك ،أجيبيني سلمى ألا يعود الماضي لحظة فقط أو لا يعود؟ كي أبني صرح السماوات التي حنت علينا، وأرسم لون البحر الذي احتضننا، وأعيد شدو الطيور التي رافقتنا ،سلمى أين أنت؟ أجيبيني أين أنت؟ أين همسك حتى يوقظني من غفوة الركود و يأمرني أن أكون، لأنني راحل فعودي إلي، هجرت كل شيء من أجلك، عودي إلي".

    الحاكية : تبتعد عن ضفة النهر، دون أن تجيب.

    اليوم الثاني والعشرون:

    السيد:"... والجمال كيف نعد مقاييسه؟ والمحبة ذلك الصوت المتواصل الذي منه تبعث الموجودات، كيف نعد أمواجها ؟ وهل يخضع السحر الأبدي للعد، سلمى، هل يخضع السحر الأبدي للعد؟ كيف أعد لحظات حزني؟ كيف أعدها؟ جميع البحار ولئن تجمعت لا تضاهيه، سلمى... وفرحي كيف أعده؟ جميع الطيور ولئن انطلقت لن تحمل جناحيه، ولحظة مولدي ولحظة موتي في أي دفتر من الكون أسجله؟ أية لوحة تحفظ ذكراه؟".

    الحاكية،" لا يملك الأعمى سوى أصابع يعد بها الأشياء وهو يتلمسها لأنه لا يراها".

    اليوم الثالث والعشرون:

    يقول السيد: " ألغينا من قاموسنا سنة الفناء، نترقب أن نبعث بعد موتنا في عالم أرحم، وأخضعنا مباهج الحياة وثرواتها للعد، حتى أصبحت نقودا نتداولها. فكل لذة وكل نشوة تقدر بالنقد الذي يقابلها، شرعنا نكتنز المباهج جميعها بين جدارن بيوتنا خوفا من أن تسرق منا. نشتري ونبيع ما وهبتنا الحياة، فبات البعض منا من الفقراء. عدالتنا وسلطتنا وحروبنا ومقابرنا، حتى المحبة النابعة منا، جميعها خاضعة للعد، إذا لا بد، أن يرجع لنا ما أخذ منا وما أعطينا، كي لا يصيبنا الألم، وحرقة الفقدان والحرمان".

    الحاكية:" قد لا تخضع بعض من آلامنا وبعض أحزاننا لنظام العد، لأنها تذكرنا بعمائنا وجهلنا، إننا أولائك التائهون في كهوف مظلمة، لم نجد بعد طريقا إلى النور.

    اليوم الرابع والعشرون:

    يقول السيد: " جسدي الذي أطلقته إلى الوجود صرخة، فصاح حين وضع، كان لا بد له من اسم يميزه، وكان لا بد أن يسمي الأشياء كي يدركها، وكان لا بد له أن يعدها. جسدي الحاوي لهذا الكون، حين ينتشي، ويزهو، ويمرض، ويثأر، ويحب، ويكره، ويتألم ،هو سجين ما يهوى، سجين ما يهوى، هل للسجين أمنية سوى أن يتحرر من قضبان سجنه، لكنه يجهل إن هو تحرر إلى أية وجهة سيؤول؟ أحيانا، أشتهي أن يكشف لي لحنا لا يعزف، ولغة لا تقال، وعدد لا يحسب. أحيانا، يخلصني يقين موتي من ثقل الوجود. أحيانا، أركب البحر للوصول إلى المدى البعيد، فأود أن لا أعود. أحيانا، أضيق ذرعا بقفص العظام الذي سجنت فيه. أحيانا، يأخذني القلق إلى حدود الفراغ الرهيب، فأرى نفسي ومضة تنير فضاءها الصغير لتنطفئ فجأة، فأود أن تعاودني صرخة مولدي الأولى، وأود أن أصيح.

    الحاكية: " بعث الله في قفص العظام الذي سجنا فيه شيئا منه، كتب عليه حرف من خرير الماء، وحرف من صلابة الصخر، وحرف من ليونة الطين، وحرف من رقص الرياح.

    مكتوب علينا أن نشقى، مكتوب علينا أن نزهو، مكتوب علينا أن نبحث في الأنفاس التي نلفظها عن روح الكون المزروعة فينا..".

    اليوم الخامس والعشرون:

    يقول السيد: " أمشي الآن في ممر طويل، أدوس أديمه المكثف بقصب الأعداد ومعاني الكلمات، فلا أرى له منتهى، وأثناء رحلتي ينزل علي برد شتاء لم أعهده قط، لا لون له ولا رائحة، لا سماء أنبأت عنه ولا سحب، تهاطلت أمطاره الكثيفة حتى أغرقتني فلم أجد إلى النجاة سبيلا، وكأني بالسكون يمد إلى يده لينقذني، ما إن اقترب مني، حتى أشحت عنه بوجهي خشية أن يبتلعني.."

    الحاكية: " تخترق السكون لغات أخرى نجهلها.."

    اليوم السادس والعشرون:

    يقول السيد:" قادم، حال، متوغل، تخترقه تقلبات الكون، محلق في الفضاء منبسط على الأرض يجابه الرياح، يهدأ من روع البحر ويعيد ترتيب الأصوات على اختلافها، تنتعش تحت لحافه الحركة وتكمل بانتظام دورتها. قادم، قادم، حال، متوغل، تخترقه تقلبات الكون، يلتقط هنا وهناك أشتات الصراخ والثورة كي يدمجها في حلقة التحول المستمر، وقد يحنو على حفيف بعض الأعشاب أو يتراجع إثر زقزقة الطيور أو بروز الورق من أفواه الزهر. رهيب جبار، رحيم، رضيت به كرفيق، إنه ذلك السكون المهيمن.."

    الحاكية: " الصمت فقط كفيل بفك رموزه، لا الحروف، لأنه يأبى الحصر، وعدوه القلق والتوتر".

    اليوم السابع والعشرون:

    السيد غارق في صمته، يستقبل السكون من حوله.

    الحاكية:" وراء رهبة السكون، فراغ لا حدود له. ومن الفراغ، تتشكل صور الخلق.."

    اليوم الثامن والعشرون:

    يقول السيد: " حين حل السكون لم تقل الشمس شيئا فقط أشرقت، ولم تقل الريح حرفا فقط ولولت، ولم ينطق الشجر بحديث فقط ارتعش. حين حل السكون، تراجعت أمواج الكلام تطوي البحر طيا، ثم انسحبت منه لتجتاحه من جديد الرياح القادمة من الجنوب. حين حل السكون جميع اللغات تفجرت براكين، وتحولت إلى لغو مبهم كي يستعد الكون لغته، وعاد اللون والشكل إلى أصلهما، وعادت الطيور إلى أوكارها. حين حل السكون، نامت أحزاننا في صمت المقابر، سقطت الأشجار، ونبتت أخرى، وانهارت الجبال، وارتفعت أخرى، وجفت الأنهار، وتدفقت أخرى.

    الحاكية:" لا حزن ولا فرح هنا، فقط محبة أخرى نجهلها، لم يسكنها الخوف ولا الشك ولاهي تقلصت كلما داهمها الفناء، كنغم خفيف يخترق الزمان وهو يتسرب، ليستمر إلى الأبد دون أن يطاله الدمار.

    منها انطلقت جميع الطيور، وأينعت جميع الزهور، وأمطرت جميع السماوات، وأشرقت جميع الشموس".

    اليوم التاسع والعشرون:

    السيد جالس قرب ضفة نهر النورس، مستغرق في صمته.

    الحاكية:" هذا موكب الحب يخترق الخلود، ويصارع الفناء: ترتيل الطيور لللحظة الفارة، نفخات الريح الراقصة فوق رؤوس الأشجار وعلى صفحات البحار، فضاء يعيد ترتيب الألحان، يوزعها بين جميع الأركان، يردد عشقها علوا أو انخفاظا، فيزيد من وجدها، ويمتد الكون يبدد تيه هلوسات أخرى أو حركات، ويبقى الفضاء مهيمنا، كملك يتقدم بالموكب إلى أجل غير مسمى.

    انهض أيها المجنون ، وارقص لمولد هذه اللحظة المارة التي سينطفئ نورها كزهرة ستذبل بعد حين، انهض أيها المجنون، ولا تحزن لانطفائها، فحدائق النور أينعت الآن، في كل لحظة مولد، وفي كل لحظة رحيل، ارقص على وتيرة الكون، وهو يتمادى في عشقه المستمر، حتى كأن لا فرق بين لحظة المولد ولحظة الفناء، ولا فرق بين الفرع والشجرة، ولا بين القطرة والبحر، ولا المنبع والمنتهى، كأن الخالق والمخلوق في كل كائن حي اتحدا، ثم انفصلا، ارقص، واترك حزنك الأعمى الذي جعل من ليلك كهفا أظلم، ارقص وسيشهد القمر ليلة رقصك، وسيحكي عن جنونك وخمرتك.. ارقص.

    يقول السيد:" كأني بحياتنا الثائرة شبيهة بذلك الفرس الذي يطارد قمم المستحيل وهو يعلم أنه منكسرلا محالة، وتبدو لي لغتنا كالسيل المتواتر يمر خلف جدار الكون يسميه دون أن يراه، فهي لا تفهم ما تقول ، أما النشوة التي نسعى إليها فهي تلاحق الزمن دون أن تدركه أبدا.

    ليتني لم أكن وعيا يجابه المطلق عند حلول اللحظة الفانية، كأنني ذلك الفارس الذي حشر في حرب يعلم أنها خاسرة كي يوهب الجاه والمجد، فيكلل بتاج من قصب، تبعثره الريح على أطراف قبره.

    خلق مني السكون المهيمن فراغا لا يهدأ يصارع ما حوله بعناد شديد، حتى عاد عنادي يوهمني أنني المنتصر.

    الحاكية:" يبدو عالمنا البشري شبيها بسعينا إلى الجاه والمجد والسلطة، صاخبا، هشا، متعاليا، تملؤه الحيرة والتوتر والعنف، ويشيده الخشب والحديد، تغطيه ألوان كئيبة باهتة، قلما أضاءت بيوته الرحمة".

    في اليوم الثلاثين من شهر مارس:

    أوشكت يوميات السيد أن تكتمل قريبا من ضفة نهر النورس، فينغلق الباب الذي فتح بعد أن كشف عما قيل، ويتابع الصوت سرد ما كان من قصة السيد فيقول: " على ضفة النهر نضجت ثمار الأشجار، وتفتحت الزهور، وترعرعت الأعشاب المحيطة به، ويبدو أن الأيام التي انقضت، قد لامست بعصا سحرها المكان، فحولته شبيها بأجمل الحدائق.

    وفي غرة أفريل سنة إثنين وألفين( التي سبقها تاريخ نجهله، ربما تحدثت عنه آثار النقوش المرسومة على بعض الصخور، وربما محته الدهور) غادر السيد المكان، وآنسحبت الحاكية.

    وسادت الليالي ظلمة حالكة، تخترقها من حين إلى آخر صرخات المولد الذي ما آنفك السيد ينتظره، والذي لم يحن أوانه بعد. لم يكن أحد يعلم، ما سيحل بالسيد وما سيكون من أمره، ما عدا الفضاء الرحب أو ربما السكون".