عيسى مشعوف الألمعي - العَلقم

عثر فجأة على أحلامه وقد أصابها الهزال، بعد أن فتش عنها ليجدها في أرشيف العمر المرير، بين تراكمات من آلام وذكريات موحشة متآكلة، حملها بين ذراعيه مُسجاة كما الغريق، كانت قد نَحفتْ ويَبِستْ واكتسحها الفتور والملل، من هول الجدب والصعوبة في تحقيق المستحيلات التي سطرتها لغة القوة، أسفر وجهه عابساً متورماً وهو يتأملها بروح مهزومة مأسوفة، شرع ينفض رماد الغَبَرَة المتراكم على جبهته وأنفه، وبُقع التعب الرمادية والسوداء تظهر على سحنته وشخصيته، وأحزان تنحت في جدران قلبه تشبه الألم.
ارتسمت الألوان المشؤومة ترسم حالته المترعة بالهموم، وتنهدات الندم تسلبه الهدوء والسكينة. أخذته خطوات الأيام معها للتنزه على مرافئ اليأس.. شاهد الهزائم النفسية لبني جلدته وكيف يهربون هرعاً إلى حدود ومتاهات تقذفهم جميعاً في البحر! لم تبعث فيه سحنة المكان ذلك السرور الأزليّ فبكى بحرقة.. زاغت عيناه.. تدحرجت دموعه على خديه كحبات اللؤلؤ.. لم يكترث ببكائه مخلوق؛ فالكل يهرب إلى مأوى يجيره.
تزاحمت المآسي أمام ناظريه حتى كونت أهرامات من عصور الانحطاط، أزمنة عديدة عاشها كالكانس مخلفات الفشل والبؤس اللذين تراكما في دروب المعيشة، وعلى هوامش التاريخ، وفوق أديم الأرض المحترقة. غادر بعدها مكانه يحمل الجوع متكئاً على عصا الخوف إلى سهول مكسوّة بأشواك سامة وثمار مثل الحنظل، تذوق ثمرة واحدة منها استطاب مذاقها.. عاود الكرة، قطف إلى فمه كثيراً من ثمار العلقم، تمتم مع نفسه: إنها لذيذة جداً تشبه الألم الذي يصيب الجسد، يقولون في الأمثال إن طعم الأسى كالعلقم.. لكني لا أجد إلا طعماً يشبه الموت، لكنه عند الجائعين ألذ من الشهد.. سارع في الأكل والتمتمة يبلع عصارة العلقم ويتقيأها. أحس بأن جدار بطنه يتصدع عسراً.
دعا معه للأكل أناساً آخرين يتضورون جوعاً، طفقوا يلتهمون ثمار الحنظل بلا تمييز أو تقرف! ولا يزال طعم العلقم والحنظل يغلي في أحشائهم كالمهل، عطشوا حتى احترقت لهاتهم، وتقطعت حبال أصواتهم. ارتشفوا واغترفوا أكواباً من عصير المُرّ المُنسكب أنهاراً وعيوناً جارية، يتجرعونه ولا يكادون يُسيغونه. أظلمت الدنيا في عينيه وفي عيونهم حتى لم يبقَ إلا ألق ضئيل يضيء في آخر النفق المظلم الذي سلكه هرباً مع الهاربين إلى المجهول.. ثم مشى وحيداً حافياً في طريق التعاسة تتجاذبه الحياة بمدّ وجزر وتلاطم، تحت لهيب الشموس تصلى.. تضنك كثيراً.. وتألم من طحن المعارك الشرسة التي مزقت كيان جسده والكيانات التي تشبه أجساد الأخوة، حتى شارف على خط النهاية.

هذا النص

ملف
عيسى مشعوف الألمعي
المشاهدات
230
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى