1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة استخدام موقعنا، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات.. اقرأ أكثر.

آن بيتري - عزف منفرد .. قصة قصيرة من أدب الزنوج الأمريكان - ت: كريم المالكي

  1. الأوركسترا منشغلة منذ أسبوع في مسرح راندليت في برودوي شارع 42. كان اسمه يتلألأ في الأضواء التي غمرت مدخل المسرح الذي علقت فيه يافطة حملت اسم الأوركسترا، وفي الاسفل وضع اسمه لوحده.

    كان هنالك متسع من الوقت من قبل حينما يثير هذا المشهد الدهشة فيه، حيث كان يتوقف ليدع عقله وعينيه يتريثان عنده وقتا طويلا. الاسم هو اسمه - كيد جونز - فوق في الأضواء يتراقص ويتماوج تحت ضوء الشمس الساطعة وفي المساء كان هذا الاسم يتلألأ براقا كما لو أنه وهج من الماس.. كما ان الناس الذين يندفعون مسرعين عبر الشارع المزدحم ينظرون اليه ويعرفونه ويبتسم لهم.

    لقد اعتاد ألا يكترث الي ذلك ولكن ليس اليوم. وليس بعد ما حدث هذا الصباح، نظر فقط الي التوقيع واسمه عليه، انه هناك ومن ثم لاحظ ان الشمس قد أشرقت، اتجه الي داخل المسرح ليرتدي احدي البدلات الملونة الكريمية ليستقبلا سوية موسيقاه.

    وبعد ان اكمل تغيير ملابسه، لمح في المرآة الطويلة في غرفة ملابسه انه لم يتغير اي شيء. الوجه ذات الوجه، لم يكن اسمن ولا أنحف، ولا شعر أشيب، ولا شيء، قطب حاجبيه لأنه شعر أن الأشياء التي استنزفته داخليا كان يجب عليه أن يظهرها.. ولكنها لم تظهر حتي الآن، وعندما حان وقت الخروج الي خشبة المسرح، أخذ مكانه خلف الطبل من دون كلام وجلس ساكنا، بدأت الأوركسترا تعزف بهدوء قام بدوزنة النوطة الذهنية استنادا لحقيقة ان اعضاء الفرقة يقدمون سوية عطاء بمنتهي الرشاقة.

    كانت الستائر الرمادية الطويلة للمسرح قسمت الي اجزاء عدة وفي لحظة تم غلقها ومن ثم فتحت بهدوء ومثل السحر تقريبا غمرت الأضواء الكبيرة المسرح بضيائها، وكان بإمكانه مشاهدة ذرات الغبار التي تعوم من خلال شعاع الأضوية الساقطة وهناك انبثقت الوجوه ببطء رؤوسا متحررة من الاجساد متلهفة للاستماع والطرب، ضرب الطبل بخفة - انساب ايقاع مميز، تمازج مع تشديدات مكررة من البوق والبيانو والكمان. وقف عازف الترومبيت وجاءت النوطة الأولي عذبة، وصافية ومدوية.

    كيد جونز أبقي علي ايقاعات طبله مصاحبة لعزف البوق رغم انها كانت بطيئة ورخيمة وسلسة. وشعر ان حاجبه الأيسر أخذ يتحرك وبدأ يطرب كلما داعب عازف الترومبيت آلته، وأخذت النوطة تتصاعد شيئا فشيئا، حيث احس ان احشاءه تقفز من مكانها تفاعلا. ومن ثم يأخذ الصوت بالانخفاض قبل أن يصبح أقوي. ويظل الايقاع يصدح في أذنيه حتي الامتلاء.

    أراد أن يغطي أذنيه بيديه لأنه واصل سماع الصوت الذي يهمس بالشيء نفسه أعلي وأعلي من جديد. غير ان الصوت حبس في مكان ما تحت السقف وظل محصورا بالبوق.

    أنا ذاهبة، أنا ذاهبة، أنا ذاهبة أخذه الصوت مباشرة الي المطر. ذلك المطر الذي تساقط مع الصباح، بامكانه الآن ان يري مطلع اليوم الذي كان رطبا وباردا، كان في البيت يستشعر الدفء لأنها بالقرب منه يحملها بين ذراعيه.

    فيما كان المطر والريح يعولان خارج النافذة شعر كما لو أنه يعوم الي الأعلي في تلك النغمات الموسيقية الزرقاء الترومبيت، انه ذلك الصوت الذي يجعله يرتعد، يبغضه لكنه لا يستطيع فعل أي شيء حياله، اني ذاهبة الي ذلك الرجل الذي يعزف البيانو، انا اعشقه وأني ذاهبة تلك اللحظة اليوم .

    المطر في الشوارع، ذهب الدفء وغذاء الروح كل شيء قد ذهب لأن المرأة ذهبت، انها كل شيء انت تريده دائما، هو أعتقد ذلك انها كل شيء ولن يحصل عليها قط.. انها كل شيء، امتلكته علي الدوام، وكل شيء فقدته علي الدوام، كل ذلك كان في الترومبيت الألم والكره والسلام ونقيضه والهدوء والحب. لقد ظلت النوطة الأخيرة معلقة في السقف حيث يتردد ايقاعها وتوقف عازف الترومبيت عن العزف لكن كيد جونز ما زال بامكانه سماعها بأذنيه وبعقله.

    تحول ضوء المسرح وسلط علي كيد - الرجل الذي يقف خلف الطبل، وضرب شعاع ضوء ابيض طويل قمة رأسه وحوله الي شكل من الضوء والظل ولأنه يرتدي بدلة كريمية وقميصاً بدا جسده وكأنه شعلة من الضوء غير ان ظلا ما زال فوق وجهه لذا فإن تقاسيمه كانت تظهر وتختفي حيث كان أشبه برجل له وجه لا ينتهي ابدا، رجل بوجه مرتفع وطويل وبشرة سوداء، سوداء.

    ويمرر كيد فرشاة كانت بيده علي الطبل الذي أصدر صوتا خافتا جاء الايقاع من بعيد ولكنه فرض علي الآخرين الإصغاء له، ظل هكذا لوقت طويل، خفيض ومغر ومتكرر.

    ويتحول عازف البيانو الي الته حيث يبدأ ايقاع ثنائي بين البيانو والطبل ويرتفع صوت البيانو علي نحو أكثر بقليل من الطبل ولكن فيه اصرار فيما ترسم الأضواء صورة ظلية منفصلة للطبال وعازف البيانو كمحوري ضوء مشرقين ولكن في النهاية تهيمن قرعات الطبل علي ايقاعات البيانو.

    ويتغير الايقاع فيصبح أسرع، وينظر كيد الي الجمهور الذي غص به المسرح مع تواصل قرع الطبل، وبدأ يشعر كما لو أنه الطبول والطبول هو شخصيا. وأخذ الجمهور يتفاعل بقوة مع ذلك العزف الذي أطرب الجميع وبلغ الذورة حينما نسي كيد بأنه علي المسرح، هو فقط والطبول وكانوا بعيدا عن الأشياء.

    كان يحمل لولو وهيلين وسوزي وميمي - وجميعهن، جميع أولئك الفتيات - جميعهن في زوجته، تلك التي قالت: أنا راحلة قالتها مرارا ومرارا هذا الصباح فيما كان المطر ينزل مدرارا علي النافذة.

    وعندما قرع الطبل مرة ثانية كان في تصوره انه يقاتل عازف البيانو، كان يخنقه كان يضع سكينا بين أضلاعه، ويشق طوليا حنجرته بالنصل المستقيم الطويل، ان تأخذ امرأتي سأخذ حياتك .

    كانت انتقالة الطبول بغضب شديد عكست ذلك الذي في داخله، ادار اعضاء الفرقة رؤوسهم نحوه حيث بدي التعجب علي وجوههم.. تجاهلهم، أخذته الطبول بعيدا عنهم، أعادته الي ذلك الزمن والفضاء، وأبتني لنفسه وهما، انها باردة في مسار العمق في الغابة، باردة وهادئة الأشجار تتحدث همسا، تحدثت عن رقصة الليلة، الفتاة الصغيرة من عبر البحيرة ستكون هناك، وخصرها الأنحف وسيقانها أصبحتا ممتلئتين، ثم ان الكلمات التي أراد ان ينساها كانت جميعها حوله من جديد: أنا ذاهبة، أنا ذاهبة، أنا ذاهبة.

    هو لا يستطيع مساعدة نفسه، توقف عن قرع طبوله وحدق الي عازف البيانو بنظرة حقد طويلة ملؤها الكره، وحدثت حركة غير اعتيادية علي المسرح تذكر اين هو الآن، فبدأ يداعب طبوله من جديد، ومن هناك تأتي مقطوعة عزف من البوق سلسة وقصيرة وتجيب الطبول، وتتناغم الايقاعات علي نحو متكرر ولكن هذه المرة بشكل معقد. لكنه ادرك لحظة الوجع عندما أخذ يعزف علي نحو منفرد من جديد لأنه لم يكن متأكدا من اجادته لذلك، لامس الطبول بخفة، ارتجفوا جميعهم وأجابوا علي ايقاعه.

    وبعد ذلك كان الموقف وكأن الطبول تتحدث عن حياته الخاصة: المرأة التي في شيكاغو التي تكرهه، والفتاة ذات الجسد الناعم والرشيق التي هي زوجته، ومن ذهبت عنه بعيدا هذا الصباح في المطر، والمرأة العجوز التي هي امه، هي نفسها التي تعيش في شيكاغو وذلك الشخص الذي يكرهه لأنه يشبه أباه، هو أباه الذي كان يؤذيها وغادرها قبل سنين مضت.

    نسي كيد المسرح نسي كل شيء إلا الطبول التي التحم بها، بأكمله ونبضات قلبه لقد أصبح جزءاً منها وهي جزء منه.

    لقد بدا ان الصوت لا تصدره الطبول بل ينتزع من دواخله، ولأنه يصدر من داخله كان يعتقد انها قصة حبه وقصة كرهه، وكل شيء تبقي له، وكان صدي الصوت يتردد ليمتليء به المسرح.

    وعندما أوقف العزف في نهاية الأمر كان يرتجف وجسمه يتصبب عرقا ودهش لرؤية الطبول امامه وأنه لم يصبح جزءا منها ولا يزال هو نفسه، كيد جونز، سيد الطبول، وأعظم طبال في العالم، لقد أدي معزوفات من قبل، كل يوم مرة أو مرتان في الليلة لكنه اليوم بلغ قمة الأداء. هذه المرة كان عزفا مثل هذا لم يحدث لولا ما جري اليوم صباحا حيث أعطي نفسه بأكملها لأدائه في حين كان يعطي القليل في السابق.

    وفي هذه الاثناء يرفسه احدهم بقدمه، ماذا حدث لك؟ ألا تنحني للجمهور، وانحني ليبتعد عنه الضوء ويسلط علي عازف البيانو ثم يعود من جديد ليسلط الضوء علي كيد جونز.

    وعاد لينحني مرة ثانية، مرة ثانية، وفكر مع نفسه، انك لست علي ما يرام، لقد استنزفتك رقصة الجنزبجس وليس لك من مكان تذهب اليه، منذ هذا الصباح لا يوجد اي مكان تذهب اليه، انا ذاهبة الي ذلك الصديق الذي يعزف البيانو، انا عاشقة عازف البيانو الذي يعزف موسيقي عذبة، انا ذاهبة.. ذاهبة.. حدق نحو عازف البيانو لبرهة طويلة ثم وقف وانحني مرة ثانية، ومرة ثانية.


    هوامش
    البوق القرن آلة نفخ موسيقية
    ترومبيت آلة من فصيلة البوق