غسان كامل ونوس - العصا.. قصة

أمسكها من منتصفها.. العصا تدور ببطء يتسق مع رفع اليد، لا تلبث أن تتسارع..‏
ليس في عرس، ولا في عرض مهاري، أو ساحة عراك؛ إنه وحيد، والوقت ليل، والزمن يتهالك إلى برزخ غامض.‏
*‏
ثمة كائن تتقوس قامته على الطريق التي لم تعد متعرجة، يوزع نظراته في عرضها، ويسدد العصا في المدى المجدي. امتداد ينوس، ولهفة تتكاثف في دبيبها المهشم أمام خطواته التي كانت رشيدة، وإصرار يضغط رأسها براحتيه، ويستوثق بقبضتيه، كأنما أخمص، وأصابعه على الزناد.‏
قامات أخرى غير مكترثة تلهث في خببها، وصدى تركض وعر وتراشق حار في فضاء يتغلق مع اضمحلال الضوء في عينيه. الرجوع غير مشجع، والأمام ضحل، والوقت ينقضّ على جسد يتهالك.‏

*‏

لم يكن بعد متسع من الوقت.. السوق العتيق ممتد ومتكاثف؛ لم يزل عتيقاً رغم تجديد واجهاته، أمضيت غمامة الوقت متنقلاً بين أشيائه، لم تستهوني المقويات، لا تلزمني بعد، ولم تستفزني المهدئات، لا تكفي، المنضرات المطرّيات المنعشات.. استوقفتني حجارة الحف المثقبة، كانت تخرش، مع ذلك، هي أفضل من سواها! الحصى الملساء تصلح للعب، للمقلاع.. أغصان الريحان والغار المتيبسة باقات وأكواماً، الجرار والقوارير والعطور.. معلقات وأكياس وأدوات..‏

لم يكن بعد متسع من الوقت، لم أكن قد اشتريت شيئاً، لست متأكداً إن كنت أتيت لأشتري، ولماذا اخترت هذا المكان في هذا المنعطف الزمني الحاد، لم يزل حاداً كما يقولون..‏

ليس من عادتي العبور من هنا، لم تكن رغبتي، ولم أعها، لم أفهمها، ولم أقتنع بمحصلة زيارتي التاريخية هذه إلى السوق العتيق!‏

*‏

أمسكتَها من طرفها، لوحتَ بها. لو كنت في الدار العتيقة لصدمت بعض أعمدة الخشب الداكنة المتشققة، تلك التي تكاد تضيع جراء ما تعلق بها من أدوات وصور، وربما حدث ما لا يسر:‏

سيغضب أبواك، أو يفرحان، لا تستطيع التأكد من ذلك، فتحار مشاعرك..‏

لوحتَ بها قافزاً، يمكن أن تصيب أشياء تتكسر، ستغضب أم الأولاد حين تعود، إن كانت ستعود! اصطحبتهم إلى بيت أهلها، لم تستأذنك، هل حثثتها على ذلك؟! لم تعتد الذهاب من دون رأيك. المناسبة تبرر، تحب أن تعيشها كما يجب، يمكنها أن تفعل ذلك هناك، ألن تغضب؟! لم يكن ذلك يريحك.. في ما مضى، في ما مضى..!‏

وتحب الآن أن تحياها على مزاجك، أو تفضل أن لا تحياها؛ إذن.. لماذا عرجت على السوق العتيق؟! ولماذا العصا؟!‏

*‏

ثمة كائن رحب المحيا، متماسك الأعضاء، مشدود إلى الخطو الواثق والهمة الناتئة، رغم الوعورة وكثافة الجذوع والأغصان، ورغم الهدف الغامض؛ العصا في يده تساعده على التوازن، إن اختل، والعبور إن ضاقت المنافذ.. الثمار العنيدة تتساقط تحت وقعها، والكائنات تخر صرعى، أو تفر، أو ترعوي، حين يهشها.‏

لم يكن لينسى أن يمعن النظر في ما يمكن أن يكون أفضل من بين الجذوع والفروع، ليستبدله بها.‏

*‏

- هل هذه أَلِف أم عصا؟!‏

لم أرد، رغم أن الأستاذ كررها مرات!‏

ربما كنت متشككاً، هل هذه تمنع ذاك؟! وهل تحتاج (الحمدو) كل هذا الجهد؟! هل من الضروري أن أدل على كل حرف ألفظه؟! يمكنني أن أقرأها، بل أن أتلوها غيباً، مع قصار السور جميعها، وخاصة تلك التي تذكر بالجن والوسواس!‏

كان أبي مصراً على أن أحفظ (جزو عم)، لم أحقق أمنيته، فكان يتركني لسلطان الأستاذ الذي أعجبه حفظي، وأغضبه عدم قدرتي على الاستدلال؛ الكلمات المتوافقة مع اللفظ، والحروف التي تستعصي على التمييز، خاصة تلك التي لا تشبه العصا والمنجل والأدوات الأخرى..!‏

*‏

ضفاف النهر تغص، وحجارة قاعه الملونة نظيفة ناصعة..‏

ترى.. إلى أي مدى يمكن أن تصل الحصاة التي تضربها العصا؟! وما الفائدة؟!‏

*‏

الكائن يشبهك، لكنك لم تحمل عصا في حياتك، لم تحبها، لم تستسغ رفقتها المتخلفة، ورأسها الأعمى، وانتصابها الأصم، ونحولها المستفز.. هناك عصا شقت ماء البحر المالح، وعصي تحولت إلى ثعابين تتلوى.. لكنك لم تقتنع، لم تستهوك، حتى لو زينت بالألوان والأزرار المنسجمة مع الرداء المنتظم، أو ألبست جلداً أو قماشاً، أو سلسالاً مفضضاً أو مذهباً.. حتى لو اكتظت بالنتوءات، أو غصت بالمسامير..‏

لكنها الآن في يدك، وأنت وحيدن والصمت يكاد يخنق الفضاء حولك، ولا يفيد الضجيج البعيد؛ هناك وقع خطا، وربما همس متقصد التخافت.‏

ليسوا زواراً، فنورك مطفأ، أو نائس يكاد يتلاشى.. والوقت فات على الزيارات.‏

كان أبوك يخشى مثل هذه الأوقات، رغم أن العصا في حوزته، يحملها مستنفراً، ويخرج، حتى إن نسم الهواء بشكل مفاجئ، فليس من حق كائن، أي كائن، أن يدنس حرم البيت، حتى لو كان كوخاً.‏

لم يكن لديك مثل عصاه، دارك الجديدة أفضل من الكوخ، ومن البيت الترابي الذي كان؛ بل من بيوت أخرى، وما تمثله أكثر وأغنى!‏

الآن تحتاج إليها.. لكنك لا تعرف كيف تستخدمها، لم تجرب، لم تتدرب، ولن تفعل بَعْدُ ذلك، هل من فائدة؟!‏

- هراء!!‏

كنت تقول:‏

في زمن الصواريخ العابرة للقارات، والقذائف الموجهة بالأشعة، والأجساد المفخخة، ما فائدة العصا؟!‏

كنت تظن أنك في منأى عن هذه المواجهة، وفي منجى من أي عراك داخلي أو خارجي. ليس لديك أعداء يُخشَون.‏

لكنك الآن تحتاج إليها، ليس لديك أفضل منها، وليس بمقدور جسدك أن ينفجر، لم تحضره لذلك. أين خيارك الأجدى؟! الآن!!‏

*‏

هي لمن عصا ويعصو..‏

في يدي ليست كذلك، رغم أن هناك من يستحق. وتمنيت مراراً أن أراه يعاقب، يتألم، لا أن يموت، ولا أن يبقى متفاخراً بما فعل ويفعل، بل مقيماً الحد بنفسه على الآخرين، آمراً باستخدامها ليتلذذ،حتى يتعب، فيكون الأفظع!‏

هي جديرة بالعقاب، تلك التي غادرت مع أولادها. فعلت ذلك مرات، استحقت ذلك مرات، واستحق سواها، ويستحقون. رغم أن ذهابها اليوم كان من دون خصام، ولست غاضباً لذلك، الآن على الأقل!‏

لكنني لست من يفعل، ومن يفعل لا يحسن الاختيار. لست جلادا، ولا راعباً، ولا مسؤول انضباط..‏

في يدي ليست للزينة، أيضاً؛ لست خليفة، ولا أريد. ليست رقيقة شفافة، لا معنى لذلك، لست قائداً لفرقة موسيقية، ليس ذلك من هواياتي.‏

ليست لرفع الرايات، لست مكلفاً في مسيرة؛ كنت أتهرب من حملها، ولست مساقاً إلى حرب، ولم أستسلم، رغم أن هناك من يظن ذلك، من يتمنى، لأنني لا أواجه؛ أصمت، لا أشارك في أفعالهم أو أقوالهم؛ هل هذا قليل؟‍!‏

العصا شهوة وانتقام، أو انسجام مع الحال المستنفرة للكائنات، الكائنات التي لا تنسى ولا تتوب، ولا تكتفي، ولا تشبع؛ الكائنات التي تتنافس حتى في الغناء، وتتصارع حتى تدمى من أجل عصفور، ويتقاتل عقلاؤها في السر والعلن من أجل إله غير محدد، وتعاليم لا يتبعون، وفتاوى حسب اتجاه الرياح..!‏

*‏

العصا في يدي توقفت عن الدوران. استقامتها تثير، تفرح.. انتصابها يبهج، وتحتاج إلى توجيه.‏

يمكن أن تحفظ قامتي، فتضيع قامات أخرى.. يمكن أن تستلقي، فتئن انحناءاتي التي كابرت طويلاً من أجل تأجيلها، لكنه الزمن وأشياء أخرى أقسى..‏

أحركها، أنتقل في البيت معها، أنظر إليها منتشياً، متسائلاً، متأملاً، متمنياً، مبتسماً.. تنوس الابتسامة مع ازدياد أصداء الوقع المتقارب.‏

الباب مقفل جيداًن سأكمن خلفه.. ولدى أية محاولة جدية للدخول، سأستخدمها، لا حل آخر..‏

لكن..‏

ما الذي يمكن أن تفعله أمام أسلحة من أنواع مختلفة؟!‏

المهم أنني هنا، في بيتي، وهي في يدي، وأنا مهدد، وكياني، ومصيري!‏

هل كان علي أن أتحصن أكثر؟! أستعد أكثر؟! وما السلاح الذي يجدي؟!‏

ليس الآن وقت التساؤل، وليس مهماً من يكون القادمون. الأهم أنني في بيتي، وحيد ومهدد.‏

من حسن الحظ أنها والأولاد خارج هذا المكان. أم أن وجودهم إلى جانبي كان سيقوي من عزيمتي؟! وهل لغيابها علاقة بما يجري الآن؟!‏

ومن يكون هؤلاء؟!‏

هل هم عابرون؟! هل يتوقفون؟! هل يتراجعون؟!‏

*‏

تراجع إلى الجدار خلف الباب الموصد، أسند إليه ظهره. الباب في مواجهته، والعصا في يده.. يهزها مسدداً باتجاه ما!‏

هذا النص

ملف
غسان كامل ونوس
المشاهدات
207
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى