أحمد الخميسي - من أوراق الـغربة..

سافرت إلى روسيا في أغسطس 1972. كانت أول مرة أسافر فيها إلى خارج الوطن. ركبت الباخرة من الاسكندرية إلى لبنان. عبأت حقيبتين بملابسي وكتبي ودفاتر بأفكار قصصية وإبرة وفتلة ونعناع وكيس ملوخية ناشفة وأزرار وأقلام وصور أخواتي وأرقام هواتف أصدقائي وكل ما يجرجره مصري إذا خطا شبرا واحدا بعيدا عن موطنه. حقيبتان منتفختان حشرت فيهما مصر. استندت بمرفقي إلى سور الباخرة أودع الاسكندرية وأهلي. بدأت الباخرة تنسحب مبتعدة تدريجيا وغروب الشمس الأحمر المشوب باللون البنفسجي يلقي لهبه على أمي وأخواتي الواقفات على رصيف الميناء. وصلت الباخرة بيروت ومن هناك ركبت الطائرة إلي موسكو. إلا أن سفري إلى روسيا بدأ قبل ذلك بزمن طويل عن طريق الأدب، منذ أن كنت في العاشرة وأخذت أمد يدي إلي مكتبة والدي وأسحب من على رفوفها كل ما كتب فوقه رواية أو قصة. حينذاك قرأت " ملكة البوستوني" بوشكين، و" طفولتي" مكسيم جوركي وغيرها. وانطبعت روسيا في خيالي مثل ياقوتة متوهجة بألوان الوجع والانتفاض والندم والعنف. كانت معظم الشخصيات الأدبية الروسية كثيراً ما تنتحر أو تندفع إلى الرصاص لتغيير الواقع باغتيال القياصرة، أو تغرق يأسها في الخمر وقرب شموع الكنائس، أو تسمو متطهرة فوق كل شيء، لكنها في كل الأحوال كانت شخصيات "أيديولوجية" ذات مشروع للصدام مع العالم ، ضده ومن أجله. مع هبوطي إلى مطار موسكو حل عليَّ أول شعور بالغربة. سرت حاملا حقائبي، عاجزا عن فهم أي شيء مما يقال لي وحولي بالروسية. تذكرت أنني لست أول طالب مصري يصل هنا للدراسة، ففي عام 1845 أرسل محمد على باشا طالبين مصريين اثنين إلى روسيا هما: إيليا داشوري، وعلى محمد، لدراسة استخلاص الذهب فأثار الاثنان بملامحهما الإفريقية دهشة الروس سكان الأورال! وفي مطلع 1847 عاد الاثنان وقد أصبحا مهندسي تعدين وبدون إبطاء أرسلهما محمد على إلى النوبة وشرق السودان لاستخلاص الذهب من الرمال هناك! أقمت السنة الأولى في بيت الطلاب بمدرسة تحضيرية لدراسة اللغة. بيت قديم من خمسة طوابق، الأول والثاني منها لقاعات الدراسة، الثلاثة الأخرى حجرات نوم ومعيشة الطلاب. لم أكن أعرف كلمة روسية واحدة، لهذا لم أجرؤ على القيام بخطوة خارج البيت. عكفت على كتب اللغة الروسية إلى أن جاءني ذات يوم شاب فلسطيني اسمه وليد كان يدرس معنا وقال لي "يا رجل حرام عليك، أنت لك شهرين ماخرجت من البيت ولا شفت الشارع؟. أنا أخي يدرس هنا منذ عامين في جامعة باتريس لومومبا وأنا أحفظ الطريق والمواصلات لزيارته. تعال معي نقوم بزيارته، ويبقى اسمك خرجت تتهوى شوية". لخوفي من الضياع اشترطت على وليد أن نأخذ عنوان المسكن من السيدة العجوز المناوبة الموجودة في مدخل البيت، لكي نتمكن من الرجوع إن حدث شيء. سجلت لنا المرأة الطيبة العنوان ودسه وليد في جيبه وانطلقنا. خرجت إلى شوارع موسكو للمرة الأولى، مذهولا اتطلع بسعادة لوجوه الناس في الشوارع. ركبنا ترمواي، وهبطنا، وسرنا قليلا حتى محطة تروللي باص. جاء التروللي وركب وليد وقبل أن ألحق بالركوب كان باب التروللي قد انغلق أمامي وأنا مازلت واقفا في الشارع! هتفت مذعورا " العنوان يا وليد"! لكن وليد غاب مع التروللي بعيدا عن عيني. خطر لي أن أركب التروللي باص التالي بأمل أن وليد سينتظرني في المحطة القادمة. هكذا فعلت. ركبت ووقفت بجوار السائق أتطلع إلى وجه وليد ملتصقا بالزجاج الخلفي للتروللي الذي أمامي وهو ينظر نحوي. قلت لنفسي المحطة القادمة نلتقي. لكن التروللي الأمامي انحرف يمينا وانعطف التروللي الذي أنا بداخله يسارا !! ومضى كل منا في اتجاه مختلف! هبطت عند أول محطة وظللت واقفا. أمطرت عليَّ ساعتين، وأنا كلما اقترب أحد من المحطة أسأله "الأخ عربي؟". بمعجزة ظهر شاب لبناني. شرحت له أنني تائه. قال: "بسيطة أوصلك. أين تسكن؟" قلت له : "العنوان مع وليد"! وكان طيبا إلى درجة أنه اصطحبني في تاكسي وظل يدور به على كل بيوت الطلاب الأجانب لأنتقي من بينها بالشبه مسكني! صعدت إلى حجرتي مبللا مرهقا. فتحت الباب ورأيت وليد جالسا على طرف سريره وجهه بين كفيه مثل فأر مذنب ضبط بجريمة. قلت له "مش قلت لك؟". نهض ودق كفا بكف وقال بذهول: "لا.. بس هاي والله عجيبة. شو ها النحس؟! عمرها ما حصلت معي يازلمى"! في كل الأحوال كان ذلك خروجي الأول من بيت بخمسة طوابق في روسيا إلى روسيا على اتساعها، فانفتحت أمامي حياة أخرى كاملة، تعرفت خلالها شيئا فشيئا إلى الإنسان الروسي، بتكوينه الانساني الفريد، لكن شيئا لم يستطع أن يصد عني الشعور بالغربة، وبالاقتلاع، وبأن أحدا قص جذوري من أرضي، ومنع عني الماء والشمس.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى