يحيى امقاسم - كذبة جمادى الآخرة.. قصة قصيرة

أصبحت القرية في هرج ومرج ، جراء ما تناقل الناس فيما بينهم من أن الشيخ أرسل خاصته من الرجال للوقوف على تلبية مطالبهم وبصحبتهم ناقلتان ضخمتان. الجلبة التي عجت بها الديار كان مصدرها العصفوري الذي أذن في الناس المتعجبين :

إن شيخ الشمل سوف يكون في ساحة الدمنة الساحلية هذه الليلة وكل من لحقه أذى عليه التواجد لاستقباله وسوف ينصت للجميع .. حتماً سوف ينصت.لم يصدق الأعيان وبقية المهمشين .. هل يعقل بعد كل هذه السنين سيتم لقاء المبجل

( شيخ الشمل )؟

كان العصفوري يثب بين الأزقة جذلاناً بهذا الخبر الذي نقله عن ( موسى محارش )الموظف مستخدماً في إحدى الدوائر الرسمية . أخيرا اتفق أعيان القرية على توحيد كلمتهم : ( سوف يصرخون بشكواهم الباليةالأوراق ) .. قرروا قراراً ولا رجعة فيه : ( سوف نطلب منه طرد راعي الناحية القاطع من صحتنا لبطنه ما يثخن الكلاب وتموت …) قالوا ذلك .هكذا أسروا فيما بينهم ليلة البارحة ، وأشاعه العصفوري في كل الناحية ، قبل نزوحهم بالغضب من جبلهم باتجاه الدمنة الساحلية لمقابلة شيخ الشمل غدا .لم ير من قبل مثيلاً للناقلتين ، وكانتا مطمورتين بالخيرات التي أرسلها الشيخ لهم قاصداً بذلك - كما قال خاصته - عدم تحميلهم مشقة النـزول من الجبل للساحة ، وأنه سوف ينظر لكل الشكاوى باهتمام . جرّوا خيباتهم سعداً بما سمعوا .. اصطفوا طوابيراً - بليدة - ليأخذ الواحد منهم نصيبه من خيرات العطـاء (سكر ، أرز ، صلصة ...).. ويدعون للشيخ الذي أدرك حاجتهم الماسة لهذه الإعاشة .. كانوا صفوفاً متناحرة على أكياس وكراتين ...

كان رجال العسّة بوجوه فاترة يحاولون جاهدين إقناع الأعيان بأن كل مطالبهم ستنفذ ، وعليهم البقاء في بيوتهم بدلا من تكبد عناء النزول وتعب الطريق الوعرة أُخذت أوراقهم بأيادي أمينة وسوف تصل لمن يهمه أمرهم ويعتني بضيمهم المكتوب ..هكذا اعتقدوا وهم يسلمونها لرجال منظمة الإعانة التي نصبت مركزها منذ الصباح وحتى السابعة مساءاً عندما تحركت الناقلتان فجأة ! لم يعرفوا سببأ لتحرك الناقلتين ، بالرغم من أن أغلبهم لم يأخذ شيئاً ، ولم يكن عدم انتظامهم سبباً في تحرك الناقلتين ! بعيد العشاء أزف الوقت لمعرفة الحقيقة كما قال العصفوري ـ مثقف القرية ـ الذي نمى لعلمه عن طريق أحد رجال العسّات أن هذه الأرزاق ما هي إلاّ إحدى أكاذيب مستخدم شيخ الشمل في الناحيـة .. في الخفاء ، وقبيل الغسق ، تناقل البعض الذي يعنيه فهم الحقائق أن شيخ الشمل رحل لمنـزله البعيد وعلى إثر سفره السريع تحركت الشاحنتان دون أن يحصل بعضهم على شيء منها ؟!في الصباح الذي تلا ليلة الناقلتين ـ تلك الليلة غدت تأريخا يعرف بها الأحداث الواقعة قبلها أو بعدها ـ قدم العصفوري بأوراق محترقة تعرف كل أعيان القرية عليها .. كانت هشيماً لمطالبهم المكتوبة التي أخذت منهم ليلة الناقلتين ! لم يتبادلوا النظرات التي راحت تواسي الخطوات في الأرض الصامتة هي الأخرى! هناك بين الجبال يحاصرهم الليل سريعاً وتسرق منهم الطرقات بفعل عسّة الحدود ،ولا يستطيعون مع مشاق الطريق صبراً فينال منهم اليأس لحد الاستكانة .. هذا ما عَجّل بانكفائهم خلف حيطانهم الطينية كالعجائز المريضات ، وحتما في الصباح سينسون أمرهم هذا . كما سيتحدث النسوة في أوصاف الشاحنتين ، وكيف أنهما كبيرتان جدا ، لكنهما لم تفيا بحاجاتهن البسيطة ، وقد يعزمن فيما بينهن أنهن سيقدن ركب المطالبات في المرة القادمة.

هذا النص

ملف
يحيى امقاسم
المشاهدات
16
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى