أمل الكردفاني/ أنا واللغة العربية

✍ لا تسلني عن إعراب جملة ؛ فهذا أمر لا معرفة لي به. وقد يتساءل متسائل: فكيف تكتب كما تشاء؛ تارة ببساطة وتارة بتعقيد وتارة بتبئير وتعقير وتارة تكتب كما لو كنت لا تفقه شيئا في اللغة.
أقول: لكل مقام مقال. ولكن من يفعل ذلك في الواقع ليس أنا.. من يفعل ذلك رجل عاصرته قبل ثلاثين عاما حيث تلقيت على يديه دروس اللغة ؛ اللغة العربية. اللغة العظيمة والمهزومة ثقافيا ، ومع ذلك تظل معشوقتي الأولى ؛ التي تجعلني أتحدث مع أصدقائي في أقصى المشرق العربي كما أتحدث مع أصدقائي في أقصى المغرب العربي الإفريقي وكأننا توائم من بطن واحدة. أفهمهم ويفهمونني بلا تعب. نحكي نكاتا فنفهمها بلا مشقة رغم اختلاف الثقافات ، أتابع ويتابعون به الاختلافات والصراعات والحروب والكوارث واللحظات السعيدة في منطقتنا الموبوءة ودولنا المختلفة وكأننا مواطنون فيها.
نكتب كما نريد وننجز منجزنا الكتابي كما نشاء ؛ وتظل لغتنا العربية دسمة بقدراتها التاريخية على أداء ادوارها المتعددة علما وأدبا واجتماعا.
كل هذا الكنز هو من عمل أستاذ لي درست علي يديه اللغة العربية لا أعرف من اسمه سوى اسمه الأول ، الأستاذ عادل ، ونحن كنا أول دفعة في مدرسة المجلس الأفريقي للتعليم الخاص. لذلك كنا محط اهتمام إدارة المدرسة فهيأت لنا أساتذة أكفاء ، ومنهم أستاذنا الجليل الأب الأستاذ عادل والذي كان صارما صموتا. وعلمنا اللغة العربية عبر الممارسة أكثر منها عبر حفظ القواعد النحوية. وفي السنة الثالثة في المرحلة الابتدائية كنا نستطيع تشكيل القرآن من أوله لآخره وليس فقط تشكيل القطع الشعرية والنثرية والإملاء والإنشاء. وهكذا لم أكن أعرف لماذا هذا منصوب أم ذاك مرفوع إنما أعرف أنه كذلك دون تبرير نحوي. وفي السنة الثالثة هذه كتبت أول قصيدة لي بعنوان كسلا وكانت قصيدة متزنة وجادة إلى حد كبير إذا ما قورنت بسن الطفولة في ذلك الوقت. ثم أن والدي كان يملك مكتبة عظيمة الضخامة ولم يكن هنالك كمبيوتر ولا انترنت ولا فضائيات بل وحتى التلفاز كان يبدأ في الرابعة عصرا وغالبا ما تكون الكهرباء مقطوعة فالجأ إلى المكتبة فأتخير منها ما أتخير ؛ فقرأت أغلب الأعمال الكاملة لشعراء عظام مثل محمود علي طه وأحمد عبد المعطي حجازي وسميح القاسم ومحمود درويش الذي سرق ديوانه شخص لم أعلم أن (يده خفيفة) قبل هذا. وقرأت لمكسيم غوركي وهنري كسنجر ومحمد عبد الولي والمنقوشي وعن الثورة الايرانية وكتب الماركسية وعن أساطير الشرق ومنها الأسطورة في بلاد اليمن وأكملت استمتاعي بختم قراءة صحيح البخاري بأجزائه الكثيرة ، حيث كنت استمتع بفهم الثقافة الاسلامية عموما كما قرأت قصص الأنبياء مستمتعا بخزعبلات منقولة عن الاسرائيليات والتوراة وقرأت تفسير الجلالين ووجدته غير مقنع ومبتسر جدا ، ووجدت الأحكام للقرطبي أجمل وأوسع والقرطبي ليس كتابه كتاب تفسير كما يظن البعض بل هو كتاب أحكام مستنبطة من التفسير فهو جامع بين العلمين وأصل عنوانه ليس تفسير القرطبي كما شاع بل: (الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمن من السنة وأحكام الفرقان). وما جعل كتاب الأحكام جاذبا هو أنه نقل كل الروايات غريبها ومشهورها فجمع اللذة بالفهم.
ظلت اللغة العربية آلة لا ترقى لها الشبهات حتى انتهيت من المرحلة الجامعية ولم استزد من اللغة على ما علمنيه أستاذي الجليل عادل ، ولا زلت طوال العقود الثلاثة معتمدا على ما اكتسبته منه دون زيادة.
غير أنني ما أن ولجت مجال البحث العلمي في مرحلة الدكتوراه تحديدا حتى أدركت أن اللغة العربية قد انهزمت في هذا الموقع هزيمة نكراء ، فمن لا يقوم بأبحاث قانونية مقارنة بمعارف الغرب وخاصة أمريكا فسوف يدور في محيط التكرار والتقليد وانغلاقه في زنزانة المعطى السائد.
ومن يغوص في البحوث والمؤلفات الأمريكية يزداد قناعة أن هذه الدولة ليست دولة عادية بل هي دولة محاطة بسياج فولاذي يحميها لمائة عام أخرى على الأقل عبر العلم والمعرفة ؛ فالأبحاث متنوعة وعميقة وذكية وقد يكون بعضها عبقريا ، وفيها ما قد بذل فيه مجهود خارق فتجدها دسمة دسامة السمن وحلوة حلاوة العسل. وأدركت أنه قد آن أوان التحرك نحو الأمام ليس بهجران اللغة العربية بل عبر تبني اللغة الإنجليزية كمصدر ثان ، له من الأهمية ما له في تطوير مفاهيمنا وطرق تفكيرنا بل حتى كيفية تلقينا للمعرفة وتحليلها والخروج بنتائج لها من الجدة ما لها.
لا أنكر أن اللغة الإنجليزية هي الآن على القمة ، لكنني أيضا لا أستطيع أن أنكر أن اللغة الانجليزية كانت قبل أقل من خمسمائة عام هي لغة البروليتاريا والرجرجة والدهماء ؛ خاصة بعد الغزو النورماندي الذي أنهى سيطرة الأنجلوساكسون الذين تحولوا لعبيد بعد أن كانوا أسيادا ثم أضحت الفرنسية لغة الطبقة الارستقراطية في المملكة المتحدة حينذاك. قبل أن تعود قبل بضعة قرون فقط وتبدأ في غزو الطبقة الارستقراطية فتجد حمايتها بالمال والسلطة ، حتى تشكلت اللغة الانجليزية المعاصرة لتمثل ما تم التواضع عليه كخاتمة لمطاف هذه اللغة.
مع ذلك فلا يعني انهزام اللغة العربية نهايتها فهي لغة شديدة الصعوبة ؛ وحتى اليوم لا يستطيع أحد إكمال معرفته بها ، فنحن نستهلك منها جزء يسيرا قد لا يتجاوز عشرة في المائة من مخزونها الثري أو ربما أقل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى