محمد الشهاوي - قراءة فى كتاب الأرض

(إلى العمّ أحمد فلاحًا قد جاوز السبعين ورغم تكور ظهره فلم تزل ترغمه الحياة
على الذهاب إلى حقله غداة كل يوم !!
ليصبح رمزاً يجسد كل عذابات الكادحين)

.................
على كفّيهِ خارطةُ الزروع وأطلسُ العُشْبِ
وها هو، كل يوم، -حافياً- وأمامه جاموسةٌ عجفاءْ
يقابلنى
فأقرأ فى ثنايا ثوبه المقطوعِ..
ملحمةَ الرضا المنقوشِ فى الأَغْوَارْ
بعينيه كتابُ الأرض مفتوحًا لذى عينينْ
وفى الفَوْدَيْنِ وشْمُ حمامتينْ
وفى قدميه أنهارٌ وخلجانٌ من الملْحِ
تطالعُ فى ملامح وجههِ المملوءِ بالأسرارْ
هويّةَ شَعْبِهِ الكادحْ
وتاريخًا من الإِصرارْ
يقابلنى وبسمته على الشفتينْ
- صباح الخير
- صباح الخير يا عمِّى
صباحا – مثل قلبك – طيبا معطاء
... ويأخذنى شعورٌ جامحٌ جامحْ
إلى وادٍ من الهمِّ،
وغابات من الأفكارْ
فيصدمنى سؤالٌ لم يزل يهتاج أعماقى:
لمن يا أرضنا الخضراءْ...
لمن يا أرضنا يا جنة الأمصارِ
هاتيك الكنوزُ ؟..
لمن تروح قوافل الحنطةْ ؟!
لمن متسربل الحرمان يُنمى القطن..
والأموال..
والغبطة ؟!
لمن يا أرضنا يا جنّة الأمصارْ ؟!
يداكَ مفاتح الخصْبِ
وضربةُ فأسك الضَّخْمَةْ
وزوجتك التى ما سافرت -يوما- لغير الحقلِ..
أو شربت سوى عطن المياهِ..
وطُحْلُبِ التُّرعةْ
وكلُّ عيالكَ السبعةْ:
قرابينٌ تقدّمها لأرضك علّها فى آخر الموسمْ
تكافئ جسمك المعروق بالرغفان والثوبِ !!
يداك مفاتح الخصبِ
وضربة فأسك الضخمة
زلازل تستفزّ الأرض.. ترغمها على المنْحِ
ويأتى آخرُ العامِ
بلا شىء يضمّد جرحَك الدامى
فإن جرادة الحرمان لم تترك لكفّكَ
غيرَ أكوامٍ من الدّيْنِ
وأطنانٍ من الآلامْ !!
تكافئك الإذاعةُ بالأغانى..
ليتها تعطيكَ ما سلبتْكَهُ الأيامْ !!
وليتك كنتَ قد شاهدتَ -يوماً- وجه مُطْربَتِكْ
فإنّ دماء أولادك
بخدَّيْهَا !!
وما قد ضاع منكَ:
خواتمُ الماسِ
وقمصانُ الحرير وخمرةُ الكاسِ
وأشياءٌ بعينيها (فإنى أجهل الأسماءْ)
وذاك السور والبلُّلورْ:
خلايا عمرك المقهورْ!
يداك مفاتح الخصبِ
وضربة فأسك الضخمة
زلازلُ فجّرت قلمى ينابيعًا من الغِيَرِ
وحين هتفت باسمك قادنى الشرطىُّ
- دون جريرةٍ -
لغيابة الجُبِّ
عساى أزيّف الرؤيا
ويدرى السجن أنّى لم أجئْه خائنًا وجهكْ،
وأنى حينما قد راودتنى لحظةُ الإغراءِ
قُدَّ قميصى القروىُّ من دُبُرٍ …
وقلت:
السجن – ثانية – أحبُّ إلىّ مما قد دُعيتُ
إليه
وقلت :
السجن ثانيةً..
وثالثةً..
ومليونًا..
أحبُّ إلىّْ
أعلى