مصطفى نصر - الخيال الشعبي..

عاشق أنا للخيال الشعبي، واستغله واسرده في قصصي ورواياتي وكأنه حقيقة حدثت، فقد عملت معي سيدة من منطقة الطابية التي تقع بها شركتنا، كانت عاشقة مثلي للخيال الشعبي، لكنها تكتفي بحكيه، فتجلس أمامي، وتحكي لي حكايات أعلم أنها خيالية، المرأة الفقيرة التي تسكن حجرة مبنية من الطوب الني، زوجها خفير في محطة كهرباء، جاءه البعض وعرضوا عليه، أن يستقبلوا إطارات كاوتش محملة بالمخدرات عن طريق البحر في الناحية التي يحرسها، وكافأوه بمبالغ كبيرة جدا، وعندما دخل على زوجته الفقيرة بهذه الأموال جنت، ومازالت مجنونة للآن.
والدليل على كذب هذه القصة أن البعض يحكيها بطريقة أخرى، فقد جاءت المخدرات عن طريق طائرة، سترمي حمولتها في منطقة هذا الرجل. فتغاضى عما رأي وقبض المبلغ الكبير، وذهب لزوجته فجنت مما رأت.
وحدث في منطقة الطابية أن تاجرت أسرة في المخدرات، وابنهم تقدم لعضوية مجلس الشعب، ونجح، وكانوا ليلة استقبال المخدرات عن طريق البحر، يقيمون حفلا بديعا وعجيبا، يظل سائقو سيارات الشركة يحكون عنه وكأنهم يحكون عن ألف ليلة وليلة، اللحم يأتي بالزنابيل التي يحملها الرجال. ويدعون للحفل كبار رجال الدولة في الإسكندرية. لكن الشرطة اكتشفت لعبتهم وقبضت على عضو مجلس الشعب وأبوه وعمه، وباقي الأسرة، قالت لي زميلتي في العمل: إن أموال هذه الأسرة مخفية لدى أسرة " ختال " – وكان الكثير من أسرة ختال يعملون في الشركة، فاستدعيت أحدهم، ( وقد حصل على إجازة بدون أجر وعمل سكرتيرا لعضو مجلس الشعب طوال مدة إنابته، وعاد إلى العمل بعد القبض عليه ) فاستدعيت الرجل، وسألته، فحكى لي بأنه كان يسافر مع عضو مجلس الشعب وقت انعقاد الجلسة، وكانا يدفعان أموالا لموظفي المجلس، فسألته:
- هل حقا أموال هذه الأسرة مخفية عندكم؟
فأقسم بأن هذا لم يحدث، والموضوع لا يزيد عن إشاعة يرددها الناس في منطقة الطابية.
وأحد السعاة اسمه سيد، يسكن عزبة جون، ذراعه مقطوعة، من أثر حادث قطار، كان يأتي كل يوم من إدارة المخازن البعيدة ليسلمنا المستندات التي نعمل بها، فأشارت زميلتي إليه قائلة:
- جدة سيد هذا هي التي أخفت الرئيس السادات في بيتها أيام كان هاربا من الشرطة وقت الحرب العالمية الثانية.
وقالت لي في حديث آخر إن السادات زار بيت جدة السيد في عزبة جون بعد أن صار رئيسا، وأعطاها أموالا كثيرة، وزوج ابنتها لرجل غني في الكويت، وإن السادات إكراما لما فعلته به جدة السيد، أمر بإقامة وحدة صحية في العزبة التي تسكنها، ومجمع استهلاكي ومسجدا، وإنه كان يكره العزبة المجاورة ويضطهدها، لأنه وقت شدته لم يحسنوا معاملته، وعندما ذهب لمسجدهم وقتها، سرقوا حذاءه.
وظفت هذه الحكايات في روايتي يهود الإسكندرية. ومن الخيال الشعبي أيضا ما يحكيه الناس عن طبيب جراح حاذق وماهر اسمه " صموئيل اسكندر "، عيادته كانت في تقاطع شارع أبوان مع مسجد سلطان، ويحكون أن الليثي– شقيق جمال عبد الناصر، أصيب بمرض نادر وغامض، فلم يعرف علاجه كبار الأطباء في الإسكندرية وغيرها، وأخيرا دله البعض على هذا الطبيب، وجاءه الليثي، فأجرى له جراحة عاجلة أنهت كل مشاكله، وعلم جمال عبد الناصر بهذا، فاستدعاه، وعرض عليه وزارة الصحة، لكنه رفضها بإصرار.
الدافع لهذه الحكاية، شدة حب الناس لصموئيل اسكندر، الذي كان بارعا في عمله، ومهذبا في معاملاته، ورحيما بمرضاه.
**
وهناك حكاية شعبية عجيبة حكتها لي زوجة عمي، وأنا صغير، عن رجل مسن، سار أمام دكان بقال في منطقة الباب الجديد – منطقة أقاربها- فوقع الرجل المسن وأغمى عليه، فتجمع الناس أمام دكان البقال، وطالبوه بالاتصال بالأسعاف، ففعل الرجل، لكن المسن، قام وكأنه لم يحدث له شيء، فغضب البقال، وأمسك به ومنعه من الذهاب، لأن الأسعاف إذا جاءت ولم تجده، ستحيله للتحقيق، وسيحاكم بتهمة البلاغ الكاذب وإزعاج السلطات، والمسن أصر على الذهاب، فسوف يتأخر عن عمله، فتقدم شاب يرتدي ملابس المجندين في البحرية، قائلا:
- حلا للإشكال سأنام مكان الرجل المسن.
ونام بالفعل، لكن الأسعاف عندما جاءت، رفضت حمله، لأنه مات.
تذكرت هذه الحكاية وحولتها لقصة، وقرأها صديقي محمد عبد الله عيسى، فنادى على أمه، وقرأها عليها، فقالت:
- إنها حدثت بتفاصيلها أمام سيدي الصوري ( وهو قريب من بيتهم )
وكلما قرأها أحد، زعم أنها حدثت قريبا من بيتهم.
**
وهذا الخيال الشعبي ليس قاصرا على مصر وحدها، بل هو موجود في كل دول العالم. فيحكون في أمريكا عن امرأة كانت خارج البيت، وعندما عادت وجدت كلبها ممدا على الأرض لاهثا يكاد يختنق، فذهبت به إلى الطبيب البيطري، فاحتجزه في مستشفاه، لاجراء الفحوص، ثم اتصل بالمرأة التي عادت إلى بيتها، وهو مذعور، فقد وجد في حلق الكلب ثلاث أصابع بشرية كاملة، هي التي سببت له الاختناق. وبحثت المرأة في البيت، فوجدت في الخزانة رجلا فاقدا للوعي وبلا أصابع.
ويتضج أن هذه الحادثة هي مجرد خيال شعبي، والدليل على ذلك إنها تحكى بتفاصيل عديدة مختلفة، فمرة أفاق اللص قبل عودة المرأة إلى المنزل، وذهب إلى المستشفى للعلاج، فقبضوا عليه هناك، لأن الطبيب البيطري كان قد أبلغ الشرطة بما حدث، ومرة أخرى، إن اللص هرب وتخفى لكن البوليس الجنائي، توصل لمكانه من خلال بصمات أصابعه المقطوعة والتي كانت في حلق الكلب.
ومن الحكايات الشعبية الأخرى، إن رجلا أحس بميل شديد للتبول، فدخل مؤسسة تعنى بدفن الموتى، فوجد بها مرحاضا. ولدى خروجه، مر بغرفة لم يكن بها سوى تابوت مفتوح. وسجل بجوار التابوت ليدون به المعزون كلماتهم، فوقع في السجل احتراما للميت الذي لا يعرفه، وكتب بياناته بجوار التوقيع.
وفي اليوم التالي، تلقى اتصالا تليفونيا من محام أخبره بأن المتوفي – رجل بالغ الثراء – فأوصى بتوزيع كل ثروته على الذين يحضرون جنازته، ولأنه الوحيد الذي حضر الجنازة، فله كل ما ترك الفقيد من ثروة.
أستطيع أن أقول إن عشقي لكل ما هو شعبي جعلني أحب الحكايات الشعبية، وأغرم باستخدامها في كتاباتي القصصية والروائية. ولا أهتم هل حدثت بالفعل أم لم تحدث.
وقد سجلنا في فترة من الفترات، مع بعض كتاب الإسكندرية الكبار في السن، فحذرني صديق من أن أحدهم يبالغ ويحكي عن أشياء فعلها ولم تحدث، فقلت، أنا في حاجة لهذا الرجل، فالمهم عندي هي الحكاية، ولا يهمني حدثت أم لم تحدث.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى