محمود الزيباوي - مفتاح الحبور وينبوع السرور في أوصاف الأنبذة والخمور

مجلد ضخم من ألف وخمسمئة صفحة عنوانه "قطب السرور في أوصاف الأنبذة والخمور"، جديد "منشورات الجمل"، وهو مجموعة أدبية وضعها في زمن الفاطميين أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم، المعروف بالرقيق القيرواني. صدر هذا الكتاب أولا في دمشق عام 1969، لكن هذا الإصدار جاء ناقصا، إذ أن محقّقه أحمد الجندي اعتمد مخطوطة من محفوظات المكتبة البريطانية تقتصر على الجزء الثاني من هذه الموسوعة. وفي عام 1976، صدرت نسخة ثانية من الكتاب حملت عنوان "المختار من قطب السرور"، أعدّها عبد الحفيظ منصور، وكتب في المقدمة "أن هذا الاختيار مع صغر حجمه يُغني عن الكتاب". يصدر الكتاب مرة ثالثة اليوم، ويمكن القول إنه يخرج كاملا للمرة الأولى، وهو في الأصل أطروحة جامعية أعدّتها سارة البربوشي بن يحيى في السوربون تحت إشراف عبد الله الشيخ موسى، واستغرق تحقيقها خمس سنوات من العمل المتواصل. يشكل هذا الكتاب أكبر مجموعة أدبية عربية وصلتنا في وصف الخمور، وتتألف من أبواب تجمع ين المقدّس والمحرّم، آخرها أنطولوجيا عظيمة تضم "ما جاء في الخمر من الشعر مرتّبا على حروف المعجم".
لا نعرف الكثير عن صاحب الكتاب. هو أبو إسحاق إبراهيم بن القاسم، كنيته الرقيق أو ابن الرقيق، وقيل الرقيق النديم. ولد في القيروان في منتصف القرن الرابع للهجرة عند انتقال الفاطميين من إفريقيا إلى مصر إثر تأسيس القاهرة المعزية، وُلّي كتابة الحضرة في عصر الإمارة الصنهاجية، واستمر طويلا في هذا العمل. ذكره ياقوت الحموي في "معجم البلدان"، وقال في تعريفه به: "يُعرَف بالرقيق القيرواني، والرقيق لقب له، رجل فاضل، له تصانيف كثيرة في علم الأخبار، ومنها كتاب تاريخ إفريقيا والمغرب، وكتاب النساء، وكتاب الراح والارتياح، كتاب نظم السلوك في مسامرة الملوك"، ونقل عن ابن رشيق قوله: "هو شاعر سهل الكلام، محكمه لطيف الطبع قويه، تلوح الكتابة على ألفاظه، قليل صنعة الشعر، غلب عليه اسم الكتابة وعلم التاريخ وتأليف الأخبار، وهو بذلك أحذق الناس، وكاتب الحضرة منذ نيف وعشرين سنة إلى الآن".
لا تقتصر موسوعة القيرواني على وصف الأنبذة والخمور. على طريقة أهل الأخبار والقصص، جمع المؤلف كل ما وصله مما قيل "في مجالس الخمر وشاربيه والعاكفين عليه"، واستطرد في نقله هذه النصوص وتعليقه عليها، منتقلا من خبر إلى خبر، فتطرق إلى قضية التداوي بالخمر والانتفاع بأخلاطه، واستعاد النصوص الواردة في تحريمه وما رافقها من خلافات فقهية، مكررا هنا وهناك بعض ما نقله من أخبار وأبيات وأقوال. تتداخل الأزمنة في بعض فصول الكتاب، فتتآلف حِكم اليونانيين مع أشعار العرب، وتختلط أخبار ملوك الجاهلية بأخبار خلفاء العصور الإسلامية، والخيط الجامع فيها الخمر وكل ما اتصل بها بشكل مباشر أو غير مباشر. يقول المؤلف في المقدمة إنه أودع كتابه "من أمثال الحكماء، ومنثور العلماء، ومَنظم الشعراء، وأخبار الأدباء والظرفاء، ما لا يستغني عنه شريف، ولا يجوز أن يخلو منه ظريف"، ويشير إلى مسألة اختلاف الناس في مسألة الأشربة، "وما يُحلّ منها وما يُحرّم على قديم الأيام"، وقد استمر هذا السجال في العصر الإسلامي، واختلفت فيه آراء العلماء "الذين يؤخذ منهم ويُقتدى بهم"، فتعددت فيه الآراء والمذاهب.

أسماء الخمر
يستهل القيرواني موسوعته بـ"ذكر أسماء الخمر ونعوتها واشتقاقها". هي الراح، وهو "اسم مشتقّ من الروح". "سُمّيت الخمر به لأن صاحبها يرتاح إذا شربها، وقد أخذته أريحية إذا خف إلى السماع وهش إليه"، وفيها قال ابن الرومي:
والله ما أدري لأية علة/ يدعون هذي الراح باسم الراح
ألروحها أم ريحها تحت الحشا/ أم لارتياح نديمها المرتاح.
وهي الدم كما يُستدلّ من قول مسلم بن الوليد: "خلطنا دماً من كرمة بدمائنا/ فأظهر في الألوان منا الدمَ الدمُ". وهي الشمول، "لأنها تجمع الشمل". وهي المدام، "لأنها أديمت في دنّها حتى سكنت حركتها وعتقت"، وفيها قال البحتري: "وليست مداما إذا أنت لم/ تواصل مع الشرب إدمانها". وهي الرحيق، أي "الصافي من كل شيء". وهي السبيل، وفي القرآن: "ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلا. عيناً فيها تسمى سلسبيلا" (الإنسان، 17-18). وهي المفتاح، "لأنها مفتاح السرور"، والمصرعة المنومة، والسارية "التي تسري في العرق والمفاصل" كما قال الشاعر: "فلم تزل تحت الظلام تسري/ محثوثة حتى بلغت سكري". وهي "الدبابة التي تدب بالأعضاء"، وقيل: "لها دبيب في العظام كأنه/ أخذ النعاس وقبضة بالمفصل".
سمّيت الخمرة بأسماء أخرى منها فؤاد الدن، "لأنها منه بمنزلة الفؤاد من الإنسان"، وفي ديوان العرب: "شربنا من فؤاد الدن حتى/ تركنا الدن ليس له فؤاد". أعجب هذه الأسماء ما ذكره القيرواني في نهاية هذا الباب، وهو اسم "عبد النور"، وقد سُمّيت به "لأن الله عز وجل لما أجراها في جنته نهرا مع انهار العسل واللبن والماء سطع نورها على أنوار الأنهار الثلاثة، فقالت الملائكة: يا ربنا ما هذا النور الذي نرى في هذا الشراب قد علا هذه الأنهار وأنوارها؟ فقال لهم: أنا النور وهذا عبدي".

فضل الخمر
بعد "أسماء الخمر"، ينتقل الكاتب إلى "ذكر الأشربة ومنافعها وفضل الخمر عليها"، ويذكر أولا الآية القرآنية: "من ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً" (النحل، 67)، ثم يذكر أنهار الجنة التي وُعد بها المتّقون، وهي "أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى" (محمد، 15)، وفي التعليق: "ذكر الماء واللبن ولم يذكرهما إلا بالسلامة من التغير، ولم يذكر العسل إلا بأنه مصفّى، وذكر الخمر فجعلها لذة للشاربين فكان هذا من التفضيل". مرة أخرى، يستشهد الكاتب بالقرآن: "يطوف عليهم ولدان مخلدون. بأكواب وأباريق وكأس من معين. لا يُصدعون عنها ولا ينزفون" (الواقعة، 17-19)، ويستنتج أن الله "نفى عنها (أي الخمر) عيوب فاكهة الدنيا لأنها تأتي في وقت ولأنها ممنوعة إلا بثمن".
ينقل القيرواني رواية تقول إن الوليد بن يزيد سأل ابن شرعة عن الماء، فقال: "غذاء الأبدان وما لا بد منه للحيوان"، ثم سأله عن اللبن، فقال: "ما رأيته إلا واستحييت من أمي لطول ما أرضعتني به"، وعاد وسأله عن الخمر، فقال: "تلك صديقة روحي، تلك التي جلت عن المثل بين أمثالها، تلك التي تزيد الدم إشراقا". تلي هذه الرواية قصة أخرى تنسب الى ابن عباس، وفيها: "كان الأحنف بن قيس عند عبد الله بن زياد فسأله: أي الشراب أطيب؟ فقال: الخمر، فقال: وكيف قلت ذلك ولست من أصحابها؟ قال: لأني رأيت من أُحلّت له يتعداها على غيرها، ومن حُرّمت عليه فإنما يحوم حولها، فعلمت أنها أفضل الشراب". يمضي الكاتب في الحديث عن "فضيلة الخمر بعينها ومزيتها على سائر المشروبات"، فيذكر ما قاله الروم، "أعلم الناس بالشراب"، وما قاله الفرس، "شركاء الروم في معرفة فضل الشراب"، وينقل عن بعض الحكماء قولهم: "كما أن الترمس المر إذا أنقع في الماء صار حلوا، كذلك الشراب يذهب مرارة النفس وحزنها"، وهو "مفتاح الحبور، وينبوع السرور، وقطب اللذات، الذي عليه المدار، وبه تحرك جواهر الطباع وتستثار".
نقع هنا على حديث ينسبه الرقيق النديم إلى "شاعر اليونانيين"، أي هوميروس، وفيه: "الشراب مصباح الظلام، وشفاء الأسقام، يجمع عز المجاهدة وحلاوة المسامرة، ومن فضله إذا تمشّى في عظامك، وانتشر في أعضائك، منحك صدق الحس، وفراغ النفس، وجعلك خالي الدرع، فسيح الباع، رخيّ البال، قليل الاشتغال، رحب الهمة، واسع النعمة، ينفي عنك طوارق العسر، ويسد عنك أبواب الخصاصة والفقر، فهو أخو الصبوة، وقسيم الشهوة، يردّ الشيخ في طبع الشبان، ويدعو الشبان إلى نشاط الصبيان". يقابل هذا الشعر المنثور قول أبي نواس:
ما العيش إلا في ظنون الصبا/ فإن تولى فجنون المدام
راح إذا ما الشيخ والى بها/ خمسا تردى برداء الغلام
تتوالى الأقوال والأبيات، ومنها: "سُئل بعض التابعين عن النبيذ، فقال: "حلال أفرط فيه السفهاء، فكرهه العلماء". وقيل إن العباس بن علي عم المنصور "كان يأخذ الكأس بيده ثم يقول لها: أما المال فتتلفين وأما المروءة فتخلقين وأما الدين فتفسدين. ويسكت ساعة ثم يقول: أما النفس فتسخين وأما القلب فتشجعين وأما الهم فتطردين، أتراك مني تفلتين؟ ثم يشربها". يستطرد الراوي، ويستعيد قول ابن الرومي في خلاف الإمام العراقي أبو حنيفة النعمان والإمام الحجازي مالك بن أنس:
أحل العراقي النبيذ وشربه/ وقال الحرامان المدامة والسَكر
وقال الحجازي الشرابان واحد/ فحلت لنا من بين اختلافهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهما/ وأشربها لا فارقَ الوازر الـوزر
في المعنى نفسه، تقول إحدى الروايات إن أبا الهندي شوهد وهو سكران في رمضان، فعوتب على ذلك، فقال:
ليس بالرب حاجة يا خليلي/ أن تدبرت أن يجيع العبادا
سكرة في الصيام أثر عندي/ من ثلاثين حجة في جمادا

من الجاهلية إلى العصر الأموي
يرسم القيرواني لوحة شاملة لحضور الأنبذة والخمور في العالم الإسلامي في عرض متشعب تتبع أبوابه التسلسل الزمني. نبدأ بالعصر الجاهلي حيث شاع الشرب للخمر واللهو والمنادمة بين أهل مكة ويثرب وما والاهما، و"كانت العرب تفخر بمنادمة العظماء والسادة"، والدليل قول أخت بشر بن عمرو بن مرثد في رثاء زوجها:
"ندامى الملوك إذا أتوهم/ حُبوا وسُقوا بكأسهم زُلالا".
ومن حب العرب للخمر في الدنيا، "استسقوا بها لموتاهم في القبور"، ومن جلالتها في صدورهم، "أن الملك منهم كان إذا أسر ملكا أو عظيما فأراد قتله سقاه الخمر حتى يسكر ثم قتله".
يتتبع القيرواني استمرار هذه التقاليد في باب عنوانه "الهدنة بين رسول الله وبين قريش عام الحديبية"، يليه باب "أخلاق الملوك على الشراب". ينقل الكاتب ما رواه الجاحظ على لسان إسحاق بن مروان الموصلي: "أما معاوية ومروان بن عبد الملك والوليد وسليمان وهشام ومروان بن محمد فكان بينهم وبين الندماء ستارة وكان لا يظهر أحد من الندماء على ما يفعله الخليفة، إذا طرب للمغني، حتى ينقلب ويمشي ويحرّك كتفيه ويرقص، ويتجرد حيث لا يراه إلا خواص جواريه. فأما الباقون من خلفاء بني أمية فلم يكونوا يتحاشون أن يرقصوا أو يتجردوا ويحضروا عراة بحضرة الندماء والمغنين. وعلى ذلك لم يكن أحد منهم في مثل حال يزيد بن عبد الملك والوليد بن يزيد في المجون والرفث بحضرة الندماء والتجرد، ما يباليان ما صنعا". على العكس، لم يسمع عمر بن عبد العزيز أيام خلافته "حرف غناء"، "فأما قبلها، وهو أمير المدينة، فكان يسمع الغناء، ولا يظهر منه إلا الأمر الجميل. وكان ربما صفق بيديه، وربما تمرغ على فراشه، وضرب برجليه وطرب. فأما أن يخرج عن مقدار السرور إلى السخف، فلا".
يخصّص الراوي لكل من خلفاء بني أمية بابا يستعيد فيه كل ما قيل في حياته "الخاصة" في اللهو الشرب، مستندا بذلك الى مراجع أدبية معروفة أهمها موسوعة "الأغاني". كان معاوية بن أبي سفيان "يسقي جلساءه اللبن والعسل وماء الرمان مضروبا بالسكر"، وقد خلفه ابنه يزيد، وكان "أول من جمع بين الشراب والغناء". بعد يزيد، آل الحكم إلى مروان بن الحكم، "وكان يجاهر بالشراب، وكان يشرب على الطعام من الطلاء، وهو شراب يتخذه أهل الشام". خلفه ابنه الوليد، و"كان مقتفيا لخلفائه في ترك المجاهرة بالشراب، ثم ظاهر به، واتخذ الندماء وكانوا يحضرون وبينه وبينهم ستارة لا يبعد عنه شيء من حديثهم ولا غنائهم، وكان يشرب يوما ويدع يوما". ورث سليمان بن عبد الملك الحكم بعد والده، و"كان أكولا يشرب النبيذ"، "وأكثر شربه مع نسائه وجواريه"، وأخباره في هذا الميدان كثيرة. خلفه عمر بن عبد العزيز، "وفي أيام خلافته لم يشرب شرابا ولا سمع غناء ولا جالس إلا أهل العفة، فأما أيام إمارته فإنه كان يسمع الغناء من جواريه وغيرهن، وكان له جلساء يخلو معهم ويأنس بهم".
حكم يزيد بن عبد الملك بعد عمر بن عبد العزيز، وتفوق على كل الخلفاء "في الاستهتار باللهو وإدمان الشراب والمثابرة عليه". ينقل القيرواني فصول هيام الخليفة بجاريتيه المغنيتين حبابة وسلامة القس، وقد قضت الأولى حين رماها بحبة عنب، فدخلت عنقها، فاختنقت وماتت، فبكاها الخليفة ورفض دفنها حتى أنتنت، ومات من بعدها حزنا عليها. خلفه هشام بن عبد الملك، وكان "أكثر خلفاء بني أمية رياء وتسترا بما يعمل". بعده جاء الوليد بن زياد، وهو "الأكثر إدمانا للشراب والسماع، والأشد مجونا وتهتكا واستخفافا بأمر الأمة"، "كان يقال له الفاسق، وكان أكمل بني أمية أدبا وفصاحة وظرفا، وأجودهم شعرا". عُرف بمجونه واستخفافه بالدين، ورُويت في خلاعته فصول تتخطى كل الحدود في الهتك والبذاءة. قيل إنه كان يسكر ويبكي ويمزج كأسه بدمعه، وقيل إنه كان يلقي بنفسه في "بركة مرصصة مملوءة خمراً ليست بالكبيرة"، "يدور الرجل فيها سباحة". تسلم السلطة من بعده يزيد بن الوليد، وكان "متألها يذهب في الزهد ورفض الملاهي مذهب عمر بن عبد العزيز". خلفه مروان بن محمد، و"كان يشرب على الطعام، ولم يكن يشرب الخمر بعينها".

بنو العباس
ننتقل إلى أخبار "خلفاء الإسلام من بني العباس". أولهم أبو العباس السفّاح: "كان في أول أيامه يبدو لندمائه، ثم احتجب عنهم بعد سنة"، و"كان يشرب عشية يوم السبت وعشية يوم الثلثاء"، "يوقر من يستتر بالشراب والسماع، ويبغض المتهتك فيها". خلفه أبو جعفر المنصور، وكان في بدء الأمر لا يشرب إلا الماء. دفعه طبيبه بختيشوع إلى شرب الخمر، لكنه "لم يظهر لنديم قط". بعده حكم المهدي، وقد "احتجب عن الندماء ثم ظهر لهم" وأزال الستارة التي تفصل بينه وبينهم. تبعه الهادي، و"كان يشرب يوما ويدع يوما، من عرف معاشرته نال منه فوق ما يتمناه، ومن نطق بغير ما يهوى أبعده وأقصاه، وكان يظهر لندمائه، ويصل من ألهاه وأطربه".
تغيرت الأحوال في زمن الرشيد، صاحب الأخبار الطوال، وهو القائل: "أبى بنو أمية إلا أن يسبقونا إلى اللذات سبقا لا يجاوزهم فيه أحد". أشهر ندمائه "ابن أبي مريم المدني، وكان مضحاكا له"، "فكان الرشيد لا يصبر عنه ولا يمل محادثته". تقول الرواية إن ابن أبي مريم لحق بسيده حين قام إلى صلاة الفجر، وسمعه يقرأ في صلاة الصبح: "وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون" (يس، 22)، فقال: "والله ما أدري ما يمنعك"، "فما تمالك الرشيد أن ضحك، ثم التفت إليه وهو كالمُغضب، فقال: يا ابن أبي مريم في الصلاة أيضا؟". فأجابه: "إنما سمعت منك كلاما أحببته"، فضحك الخليفة وقال: "إياك والقرآن والدين ولك ما شئت بعدهما". بعد الرشيد، استولى الأمين على الحكم، و"كان يؤثر اللذات، ويقدم الخصيان تقديما ما قدمه أحد من قبله". هام بخادمه كوثر، ولامه الناس في أمره، فقال:
ما يريد الناس من صب/ بمن يهوى كئيب
كوثر ديني ودنيا/ي وسقمي وطبيبي
أعجز الناس الذي يلـ/حي محباً في حبيب
تهتك الأمين مع الندماء، "فكان إذا شرب ينادم منادميه بلسانه ويحملهم من شرب المدام ما لا يطيقون". ارتبط بأبي نواس، وكانت له معه قصص عديدة. في واحدة من هذه القصص، اصطحب الخليفة يوما الشاعر مع ندمائه، وقال: "لننظر أينا أجود شرباً، وأجود القوم شرباً له حكمه". في نصف الليل، "قام القوم سكراً وبقي الأمين وأبو نواس وكوثر يشربون، ثم قام محمد وكوثر وبقي أبو نواس وحده، فلما لم ير له مساعداً غفا غفوة ثم انتبه ووضع الشراب بين يديه ثم قام إلى الندماء يحرك واحداً واحداً ليشرب معه، فوجدهم موتى لا حراك لهم فقال: ليس إلا محمد (أي الأمين) فجاء إلى مرقده وصاح: يا سيدي يا أمير المؤمنين ليس هذا إنصافاً نحن نشرب وأنت نائم. فانتبه الأمين وقعد يشرب معه وهو يقول له: ألست من الناس؟ ويحك، أما تنام مهما شربت؟ فأجابه: يا سيدي، لذة الشراب تقوم مقام النوم. فشربا باقي ليلتهما".
قضى المأمون على أخيه الأمين، وتسلّم الخلافة، و"جلس للندماء والمغنين من وراء الحجاب، ثم ظهر لهم، وظاهر بشرب النبيذ". كان له حكايات أخرى مع أبي نواس، "اشعر الأولين والآخرين"، والمأمون هو القائل:
سأشربها وأزعَمُها حراماً/ وأرجو عفو ربٍّ ذي امتنانا
ويشربها ويزعمها حلالا/ وتلك على الشقيِّ بليتان
يروي القيرواني حكايا المعتصم والواثق، ويستعيد فصول خلوات المتوكل قبل أن يصل إلى المنتصر بالله، ثم ينقل عن المستعين بالله قوله:
جاء لطف اللّه بالأمـ/ر الذي قد أرتجيه
فعليّ اليوم أن أقـ/ضي حقّ الشرب فيه
بعد المستعين بالله، بويع المعتز بالله بالخلافة وله سبع عشرة سنة، وقد تعلق بنديمه يونس بن بُغا، وأظهر معه من الاستهتار والتهتك ما يجاوز كل مقدار، "وكان يفرط في الشغف به ولا يصبر عنه ساعة واحدة، ولا يجلس في مجلس سرور إلا وهو بين يديه يسقيه". خلفه المهتدي بالله الذي عُرف بزهده، و"لم يشرب نبيذا ولا سمع غناء وباع آلات الملاهي وتصدّق بثمنها". آلت الخلافة من بعده إلى المعتمد بالله، و"كان يحضر مجلسه الندماء والمغنّون"، و"يصنع أشعارا ويأمر بالغناء فيها". خلفه المعتضد بالله، و"كان شغوفا ببدر غلامه". كذلك، تعلق المكتفي بالله بسوسن غلامه، وقال فيه حين ناوله قدحاً:
من لي بأن يعرف ما ألقى/ فيعلم الصبابة والعشقا
ما زال لي عبداً وحبي له/ صيرني عبداً له رقا
العتق من رقي ولكنني/ من حبِّه لا أملكُ العتقا
بعد المعتضد، وُلّي المقتدر بالله الخلافة وهو ابن ثلاث عشرة سنة، "وكان يوالي الشرب حتى يقال لا يصحو، ثم يُضرب عنه فلا يذكره". خلفه الراضي بالله، "أكثر بني هاشم أدبا وأفضل أولاد المقتدر". "كان شديد المحبة لمجالسة الرجال، قليل الرغبة في مجالسة النساء، يقول الشعر ويعرف الجيد منه، بصيرا بالغناء، مميزا لأحسنه، وكان أكرم ملوك بني العباس عشرة وأسمحهم يدا، وأكثرهم وفاء، وأحسنهم خلقا".

الخمر المحرمة
بعد أخبار خلفاء بني العباس، يتقصى القيرواني قصص "الأمراء والوزراء وظرائف أخبارهم في الشراب"، ثم يخصص بابا لـ"أخبار الشعراء المجان"، معتمدا بشكل أساسي ما نقله الأصفهاني في "الأغاني". يعود الكاتب إلى الحكماء اليونانيين وما قالوه في "منافع الأشربة ومضارّها"، وينقل نثريات بديعة يصعب تحديد مصدرها الأصلي بشكل دقيق. تكتمل الموسوعة بفصول قصيرة، منها "في مبادرة اللذات"، و"المنادمة"، و"ذكر عدد الندامى وكثرتهم وقلتهم"، و"ذكر ما جاء في طيِّ بساط النبيذ"، و"الإكثار والإقلال من الشرب"، و"أخبار الوحدة"، ثم "استهداء النبيذ"، و"أدب السقاة" و"ما جاء في السكر".
يأخذ الكتاب طابعا مغايرا في القسم الأخير حيث يغلب عليه طابع الجدية والوقار في باب "ذكر من حرَّم الخمر في الجاهلية"، وباب "ذكر ما جاء من الاختلاف في الأشربة"، وباب "ذكر ما جاء في تحريم الخمر وشدّة النهي عنها"، وفيه يعالج الكاتب المسألة من زاوية فقهية بحتة، منتهجا الطريقة التي اعتمدها من قبله ابن قتيبة الدينوري في كتابه "الأشربة وذكر اختلاف الناس فيها". في هذا الكتاب، أشار ابن قتيبة إلى اختلاف العلماء في تحديد الخمر والنبيذ والمسكر، وقال: "ان شيئاً وقع فيه الاختلاف في ذلك العصر بين اولئك الأئمة لحري ان يشكل على من بعدهم وتختلف فيه آراؤهم ويكثر فيه تنازعهم". يستعيد الرقيق النديم الحجج والبراهين الخاصة بهذا السجال، ويختم الفصل بالكلام عن الخمر المحرمة: "أجمع الناس على أن الخمر المحرمة في كتاب الله عز وجل، عصير العنب، وهو ما غلا وقذف الزبد من عصير العنب من غير أن تمسه النار ولا يزال خمراً حتى يصير خلاً، وذلك إذا غلبت عليه الحموضة وفارقته النشوة، لأن الخمر ليست محرمة العين كما حُرِّمت عين الخنزير، وإنما حُرِّمت لعرضٍ دخلها فإذا زايلها ذلك العرض عادت حلالاً كما كانت قبل الغليان حلالاً، وعينها في كل واحدة قائمة، وإنما انتقلت أعراضها من حلاوة إلى مرارة ومن مرارة إلى حموضة كما ينتقل طعم الثمرة إذا أينعت من حموضة إلى حلاوة والعين قائمة، وكما ينتقل طعم الماء، بطول المكث، فيتغير طعمه وريحه والعين قائمة، وكذلك سبيل المِسك، الذي هو دمٌ غليظ حرمٌ، ثم يجف فيصير طيباً حلالاً".

نقلاً عن "النهار"

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى