أمل الكردفاني- موتى مستقبليون- قصة

- ماذا فعلتِ حين مات ابوك؟ إنني لا أكاد اتخيل ذلك يحدث لي..
- سيحدث ولن يكون شيئاً مخيفاً حينها.. لقد كان لديَّ طفلان.. إن الحياة ثرية بالبدائل..
تحركت السيدتان، وغادرتا المعبد بتأنٍ..
- سندعوا الآلهة فقط لكي لا يكون هناك بديل لنا...
قالت الأكبر منهن..
- وهذا مستحيل يا صديقتي..
- بالتأكيد هذا مستحيل..فنحن لسنا مهمين لهذه الدرجة التي نتصورها...
- عند الآخرين؟
- عند كل شيء..حتى كلابنا الأليفة..والآلهة نفسها..
أصوات أحذيتهما الطارقة على الشارع الأسفلتي تكسر صمت صباح هذا العيد، لقد اختلفتا إلى المعبد في هذا اليوم حيث يقبع الجميع في منازلهم تحتفالا بالعيد.
غادرتا المعبد واتجهتا نحو النهر الأحمر..
- حتى الصيادون يلتزمون بالطقوس؟
قالت الكبرى فأجابت الصغرى:
- هم أولى بالإيمان من غيرهم..
عيد الأزمون، يأتي في الخريف من كل عام، حيث تسوَد جذوع الأشجار. وتتساقط أوراقها بنية وحمراء وصفراء فتفترش الأرض لوحة غائمة جميلة.
- هنا تتساقط الأوراق الملونة، قرب المعبد وفي مختلف بقاع الأرض حيث معابد أخرى لآلهة أخرى..
- نعم..قانون الأرض ثابت..لكن الآلهة ليست كذلك..إنها تميل إلى الفوضى والأنانية..
- ألا يمكنها أن تتحد؟
- عندما يتحد البشر..
- مات زوجي قبل سبعة اشهر..كنت قبلها مؤمنة..
قالت الكبرى:
- تأخرتِ كثيراً..
- نعم..
ثم أضافت:
- مات شاباً..هو أصغر مني بسنتين..
- أنتِ أيضاً شابة...
- الجو خانق جداً..والنهر الأحمر ميت على ظهره..
- إنه الخريف..ويمكن أن يتبدل كل شيء في لحظة..
- ألا تشعرين بالتعب؟
- دائماً.. ولا علاقة لهذا بالسن أو صحة الجسد..بل بالروح..
- حين أفكر في الموت لا أجد فيه خلاصاً..
- لن تشعري بالخلاص وأنتِ لا شيء.. إن متعة الشعور بالخلاص تكون حيث نكون أحياء..لذلك يجب أن نحيا بقدر المستطاع..
قطعت الكبرى زراً من معطفها وألقت به في النهر..
- طقسٌ ما؟
أجابت:
- لا أعرف شيءٌ ما دفعني لأفعل ذلك..حدس أو وحي أو إلهام...أو ربما نوع من البلادة الذهنية...
هبطت بعض قطرات المطر على وجه المرأة الأكبر فرفعت رأسها إلى السماء.
- لم أجلب مظلتي..
- ولا أنا..
- علينا أن نمشي تحت المطر فلا توجد سيارات أجرة..
توقفت سيارة قربها وقال سائقها الشاب:
- تريدا توصيلة مجانية..ستصابان بالبرد..
ركبتا السيارة..كان الشاب وسيماً وهو يتمتم بطلاسم غريبة.
- هل تتلو صلوات الأنجارسا؟
نفض الشاب راسه وواصل تمتمته ثم قال وهو يلتفت لهما:
- لا..إنها قصيدة بلغة أخرى لا تعرفانها..
قالت المرأة الشابة:
- أي لغة؟
قال الشاب وهو ينعطف بسيارته مثيراً بعض برك الماء:
- لغة كواكب بعيدة..بعيدة جداً..
قالت الكبرى:
- كلنا نحلم بعالم آخر..
فابتسم الشاب وواصل قيادته بصمت.
لقد كانت رحلة طويلة وصعبة تلك التي قضاها سكان كوكب مُنهار نحو كوكب صناعي صغير صنعوه بأنفسهم قبل ملايين السنين، امتدت الرحلة بهم سنة ونصف حتى خرجوا من دوامة الإنزلاق الفلكي لمجرتهم، نصبوا كوكبهم الجديد، وكان عبارة عن كتلة من التقنيات الكيميائية المعقدة. لم يكن ضخماً ولكنه كافٍ لكي يعيش فيه خمسون جيلٍ من بعدهم قبل أن يحتاجوا للرحيل عنه. وكان عليهم خلال تلك المدة أن يبحثوا عن كوكب صالح للحياة. لقد وجدوا كوكب الأرض، كوكباً سيئ المناخ، وطبيعته محدودة جداً لكنه يفي بالغرض مؤقتاً. نزلوا وعلموا الكائنات البشرية بعض معارفهم، بعدها ارتحل بعضهم عائداً إلى السماء وبقت قلة منهم على الأرض متوزعين على القارات المختلفة. لقد عاشوا بأسلوب البشر ولم يشذوا عنه لرغبتهم في التأقلم.
شعرت المرأة الشابة بضعف في جسدها حين فتحت باب شقتها، وداهمتها رائحة الموتى. فارتمت على الأريكة ممدة جسدها. كان هبوطاً في الضغط.
- أشعر بأنني غريبة في هذا العالم..
- اشربي قهوة لترفع لك ضغطك قليلاً..
انسكبت من طرف عينها دمعة وهي تقول:
- أشعر بكآبة أكبر من قدرتي على التحمل..
قالت الكبرى عبر الهاتف:
- ستتحملينها بقوة وصبر وستمضي..هكذا اعتدت عليها..كنا مجموعة من المتعالجين السلوكيين..
- تعرفت عليك في المجموعة..هل نسيتِ..
- آه نعم..لقد نسيت بالفعل..كانت مجموعة لطيفة..
- نعم.. أركان شقتي مظلمة..وبالرغم من ذلك فلن أتحمل فتح المصابيح..
- إنني الآن أنظر من نافذة شقتي.. أرى تحتي نقاط الضوء..مصابيح الأبراج الأخرى تومض كالنجوم البعيدة.. هواء بارد يلفح وجهي..شعري الذي امتلأ بالشيب رغم أنني لم أتجاوز منتصف الخمسين يرقص جراء الهواء الصخيب...
- أدخلي حتى لا تصابي بالبرد..
- لا تخافي.. سأحكي لك كل قصتي أثناء سقوطي..
- ماذا؟
- هل تذكرين ذلك الشاب الذي أوصلنا بسيارته..إنه واحد منا..عرفت ذلك فور تمتمته ببعض قصائدنا..
- ماذا تقصدين.. ومن أنتم..
- أقصد كو.....
سمعت الشابة صوت مكابح السيارات وأبواقاً فزعة...
- الو.. ألو...
أخذ صوتها يتهدج برعب..
- ألو.. الو...
ظلت سماء الخريف ملبدة بالغيوم واللون الرمادي، وتسبح فيها رياح باردة. وحين تم إنزال النعش إلى القبر سمعت تلك التمتمة الغريبة فألقت نظرة خاطفة لتجد الشاب ضمن الحاضرين.
- من أنتم؟
كانت تهرول خلف الشاب وأنفاسها تعلوا:
- ما هذه اللغة؟ ولماذا قتلت صديقتي نفسها؟
دخل الشاب سيارته فدخلت بدورها وجلست قربه..
خلع الشاب معطفه وشمر عن أكمامه ثم قطع ساعده فانسابت منه بضع قطرات من سائل شفاف..وهمس:
- نحن لسنا بشراً مثلكم..
تصاعدت أنفاسها والجزع يُرعش صوتها:
- ولماذا قتلت نفسها؟
صمت الشاب فصاحت:
- اجبني.. من انتم.. ولماذا انتحرت؟
قال الشاب بنفاد صبر:
- هذه قصة يطول شرحها..لم يبق منا إلا قلة قليلة..باختصار نحن ننقرض ولا يمكننا أن نتناسل مع البشر ليس لأننا عنصريون ولكن لأننا نتناسل بأسلوب مختلف..
- لكنها تحدثت عن موت أقاربها..كيف حدث ذلك..
- لقد قتلناهم..كان يجب علينا أن نفعل ذلك..إن نقل جيناتنا إلى البشر سيضر بهذه البشرية..البشر لا يستحقون..وهي خانت عهدنا وخانت البشر الذين عاشت معهم طيلة حياتها دون أن يؤذوها.. لم يكن وجودي أمامكمعند النهر الأحمر صدفة..ولقد فهمت هي الرسالة..
فتح بابها وقال بجدية فائقة:
- ترجلي..
قالت:
- على الأقل أوصلني لشقتي..
قال:
- ظهوري معك كثيراً يعني موتك وموتي.. هيا ترجلي..
غرباء في هذا العالم...كل الكائنات غريبة حتى الكلاب والديدان التي تعيش داخل طين البحر..ورأت بعض المشردين على ناصية الزقاق المفضي للمبنى حيث تقبع شقتها.
كانت أضواء مصابيح الشارع شاحبة، ورأت شابين يتعاطيان الهيروين..ثم انخلع قلبها حين انقذف داخل أذنيهاصوت بوق شاحنة ضخمة من الطريق السريع خلفها.
ضمت ياقة معطفها، ومشت بسرعة نحو المبنى ثم ولجت بوابته وصعدت السلم بصعوبة:
- يجب أن أبيع هذه الشقة..
لكنها تذكرت الإجراءات القانونية المعقدة التي يجب أن تقوم بها لتحويل الملكية إليها ثم إلى المشتري. فعزفت عن الأمر.
تلقتها رائحة الموتى مرة أخرى بل وهذه المرة أضيفت إليها رائحة صديقتها المنتحرة. ورأت قطرات السائل الشفاف في ذراع الشاب فشعرت بالغثيان.
- هل عليَّ أن أغادر هذا العالم..سأموت يوماً ما.. يوماً مجهول التاريخ.. هذا حتمي..حتمي حد الرعب..نحن موتى مستقبليون..
- إنك تفكرين كثيراً في الموت..
سمعت صوت الشاب آتيا من ركن مظلم في الشقة فشهقت.
- لقد اتخذوا القرار بقتلك..عليك أن تهربي بأسرع ما يكون..
قالت وصوتها يرتعش:
- إلى أين؟
- سيجدونك حتى لو كنت في مركز الكرة الأرضية..
- وماذا أفعل؟
نهض الشاب وظهر جانب من وجهه:
- لا مكان إلا السماء.. حيث الكوكب القديم..
ارتجف جسدها ولبسه وهن شديد:
- لكن السماء ليست موطني..موطني هنا..
ثم انهارت على الأرض وهي تنجرف ببكاء عميق:
- قلتِ بأنكِ غريبة في هذا العالم..قلتِ بأنك ترغبين في الموت.. والآن تعتبرين الأرض موطنك؟ ولا تريدين الموت؟
قالت من بين بكائها:
- لم يكن ذلك بهذا المعنى..كيف فهمته أنت؟
قال:
- لم أفهمه أنا بل فهموه هم..لم يكن لقائي بك هو السبب بل لقائك بها..
- لكنني لا أريد..لا أريد..
جثا قربها وأمسك بكتفها:
- لم يعد هذا مجدياً الآن..سنهرب سوياً إلى كوكبنا الصناعي القديم..
دفعته عنها ونهضت وهي تعدو نحو باب شقتها:
- لن أفعل.. سأهرب منكم جميعاً...
فتحت الباب وجرت بأقصى ما تستطيع هابطة السلم، تعثرت ونهضت وقد انجرح فكها، لكنها لم تأبه بل واصلت عدوها..أما الشاب فوقف ووضع يديه داخل جيبي بنطاله وتأوه بأسف.
- ألا يمكنكم تركها؟.. إنها لن تؤذي أحداً..
هرولت تحت جدار المبنى ثم صرخت حين سقطت أمامها جثة الشاب. فتعثرت ثم استقامت لتواصل الجري وهذه المرة بأسرع من ذي قبل..الفتت ورأت جثة الشاب ولم تبق منها سوى قطرات سائل شفاف.
صاح الشرطي:
- توقفي..
ثم لحق بها وأمسكها من ذراعها بقسوة وهو يقول:
- ماهذا؟ لماذا تجرين وأنت تبكين..هل هناك من يخيفك؟...
نفضت رأسها وهي تبكي:
- أتركني..
أفلت الشرطي ذراعها ثم تمتم بلغة غير مفهومة فاتسعت عيناها ثم تراجعت لتجري مرة أخرى.
كانت السيارات تعصف بالطريق السريع، كراجمات المدافع، واضواؤها تنعكس على جسدها، لكنها لم تتوقف عن الجري بمحاذاته حتى انقطعت أنفاسها فانحنت والصداع يغمر رأسها، ثم ركعت وأبواق السيارات والشاحنات تحاصر سمعها.
مضت ساعة أخرى وهي تسير بوهن حتى وجدت مقهىً صغيراً فدخلته لترتمي على أقرب كرسي..
جاءتها نادلة سمراء جميلة:
- من المفترض أن نغلق الآن فالوقت متأخر..
قال مالك المقهى من خلف مكتب الاستقبال:
- لا بأس بعشر دقائق حتى تلتقط أنفاسها..
قدمت لها النادلة كوب شاي أخضر..وقال صاحب المقهى:
- تعرفين أن عمدة المدينة قد قصَّر مواعيد العمل بسبب ذلك الوباء..تبقت لك دقيقتان فقط..أنا آسف أشد الأسف..
شربت كوب الشاي وقبل أن تخرج من باب المقهى سمعت صاحب المحل يتمتم بتلك اللغة..فدار رأسها لتسقط مغشياً عليها..
حين فتحت عينيها وجدت نفسها داخل المعبد..وبصعوبة بالغة رفعت رأسها لتجدهم حولها، صديقتها والشاب والنادلة وصاحب المقهى والكهنة وجوقة المغنين..
- أين أنا؟
تقدمت صديقتها وهي تقول:
- والآن هل تشعرين بأنك غريبة في هذا العالم وأنك ترغبين في الانتحار؟
تلفتت حولها بذعر فأضافت المرأة:
- لقد نسيتهم جميعاً.. إنهم رفقتك في مجموعة العلاج النفسي.. مرحباً بعودتك..
ثم تمتمت بتلك اللغة الغامضة..لينفجر الجميع في ضحكات وقهقهات شيطانية...

(تمت)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى