محمد محضار - أنفة المنكسرين

قلتُ لها :
- على رِسْلكِ ، الحياة مبْتَسمةٌ لنا غداً، رغم أنفِ ما نحن فيه من ضنك وضيق حال
ردّت بصوت ساخرٍ:
- وهل يحق لمن تقطّعتْ به السُّبل، وسرقت الأيام من عمره الكثير، أن يحلم بابتسامة تجود بها الحياة.
ربما في كلامها الكثير من الصّحةِ، لكنك بطبعك تعشق التحدي ، وتؤمن بأَنَّ الحياة تُعاشُ حتّى أخر نفس ، وأن مقتضى الحال يتطلب منك التحلّي بمزيد من الصبر،والتكيف مع سلوكيات غير سوية تصدر عن كائنات المفروض أنها بشرية، كُل ذلك يدفعك إلى تقديم تنازلات ، تقودك إلى خانة المتسولين !في زمن شحّت فيه المشاعر ، وطغت لغة الوضاعة، أنت تعلم أن الكثيرين سيدوسون على ناصية كرامتك، وينزلون على ظَهرِكَ بسياط نقمتهم ، ورغم ذلك تراوغ وتماري ، وتكذب على نفسك ، وتتعايش مع الوضع ، بأنفة المنكسرين، وتنتظر بعد أن وهن منك العظم واشتعل الرأس شيبا ، أن تبتسم لك الحياة ، ويَسْكُن وجع السنين.
كنا نجلس في باحة مقصف ، بمواجهة الشاطئ ، نتناول وجبة خفيفة، وعند أقدامنا كانت تتكور قطة عجوز، تشي سحنة وجهها الذابل ، وعينيها الغائرتين ، بوطء الأيام ، وكأنها أحست بالغريزة والفطرة، أننا نتقاسم معها ثقل الأعوام الجاثمة فوق كهولنا، فآنست لنا.
قلت لها :
- مَرّ عام على أخر جلسة لنا بهذا المكان، عامً مُرٌّ مثقلاً بالوجع والمعاناة... لعل القادم يكون أحلى.
حركت رأسها مؤيدة كلامي ، ثم استدركت قائلة:
- معك حق، مرّ عام بمرارته وَوَجعه، ولكنك كعادتك تفرط في تفاؤلك، وتنتظر غدا أحلى، رغم علمك بأنّ الوضع لا يبشر بخير.
هي تعلمُ ، أن الزمن كشر عن أنيابه ، في وجهيكما،وحطم جزءاً كبيرا من صرح أحلامٍ ظللتما تنسجان تفاصيلها، على امتداد سنوات طويلة، من عمركما، وتَعلمُ أيضا ، أنك كُنت قويّا وصبورا، في وقت انهارت فيه هِي ولم تقوَ على تحمل لسعات الغدر والخيانة، فبدأت رحلة حزن موسومة بكآبة رهيبة ،تسكن ملامح محياها، وشُحٌّ في الابتسام ، يلازمه .
وبين تشاؤمها وتفاؤلك الحَذرِ، تكبر الحيرة، ويضيق هامش المناورة، وتصبح غواية البحث عن مخرج ، أمرا غير محبّذِ.
طلبت منها أن تلتقط لي صورة بهاتفي النقال، سخرت مني متسائلة :
- أتعني ما تقول ؟ وهل مثلنا جدير بأخذ الصور ؟
قاطعتها غاضبا:
- أخدُ صورة أمر عادي، كيفما كان الحال، نحن في حاجة إلى اقتناص لحظة استمتاع. سأطلب من النادل التقاط صورة لنا معا.
لم تعلق على كلامي ، واكتفت بتحريك رأسها،أشرت للنادل، فتقدم مني مبتسما، فأعلمته برغبتي ، فقبل دون تردد .ثم التقط لنا عدة صور ، وانصرف إلى حاله.
ماءت القطة ، تطلب أكلاً، ألقيت إليها بقطعة لحم صغيرة، أسرعت تلتهمها، قلت بصوت متأثر:
- دعمُ كائن ضعيفٍ ، قَلّبتْ له الأيام ظهر المجن واجبٌ .
ردّت وهي تحاول الابتسام :
- لا اعتراض لي على كلامك،فكُلّ المخلوقات لها الحق في العيش الكريم .
ثم تابعت مستدركة :
- "ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها يعلم مستقرّها ومستودعهَا كلّ في كتابٍ مبينٍ" صدق الله العظيم
اكتفيت بالنظر إليها ، وقلت في سري : "ونعم بالله"

محمد محضار 25 أكتوبر 2019

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى