خولة السعيد - فيضان وديان

بالكاد ابتعدت قليلا عن الشاطئ، تتجه نحو الرصيف الآخر، اتخذت ممر الراجلين للعبور حين اضطر صاحب السيارة أن يتوقف، سيارة خضراء كأوراق شجر الزيتون من نوع _ Mercedes_ تخطو خطواتها السريعة، لكن كان عليها أن تلتفت يمنة ويسرة مع أن التفاتها لا يمنعها من العبور، بل تحسب من خلاله المسافة والسرعة التي تحتاجها لتمر هي إلى الجهة الأخرى وقد فرضت على السيارة أن تسمح لها بذلك، في ذلك الحين كان هو كالمستيقظ حالا من نومه، أهي حقا من عبرت الطريق أمامه الآن؟ كيف وصلت إلى هذه المدينة ومتى حلت بها؟
لعله كان يفكر فيها فصار يتخيلها بأنثى أخرى، لكن احذر فلربما أنت تتوهم مرورها وما من أحد قد مر.. إنه وهم حقا وإلا كانت حال التفاتتها يمنة ويسرة رأته وتوقفت، هي لم تحس حتى بوجوده.
إنه على عادته منذ غادرته أو منذ هو غادرها، يراها في كل أنثى، بل أحيانا تتصور له في وحدته، ليست هي إذن، هكذا فكر، لكنها في التفاتتها رأته، عرفته، وكانت تقنع نفسها أنه مجرد شبه، أخذت تسير بالرصيف الآخر بينما لا ترى من الناس إلا أجسادا تبتعد عنها كي لا تصطدم بها، كانت تفكر فيه أيضا، لكن للحظة لم تتجاوز ثواني إذ دخلت من حيث خرجت قبل قليل فقط لقضاء غرض ما، عادت لتنس مع أطفال صغار بوجودها معهم ما يؤرقها، وتنساه هو لدقائق .. لساعات.. لعشية. لم يتحمل صفوان ، إنها هي ، قلبه الذي لم يتوقف خفقانه يؤكد أنها هي، رآها تدخل لذاك المقر، لكن ماذا تفعل وديان هنا؟ لماذا هي هنا؟ لتحرك الوجدان؟ أيعقل أن يخفق قلبه بهذه الدرجة لغيرها؟ ركن سيارته على جانب الرصيف، وصل إلى حيث دخلت، ما إن ولج أول باب حتى استقبله صوتها، تضع على ظهرها أجنحة الفراشة وترقص مغنية أمام أطفال، لقد غيرت لحن النشيد
" عليك مني السلام يا أرض أجدادي
ففيك طاب المقام وطاب إنشادي..."
جعلت لحنه الرتيب نشيطا فصار الكل يقفز معها ويغني ويردد مثلما تقول، يبدو أنها لم تنتبه إليه، مسرعا خرج باتجاه أقرب شباك بنكي ثم إلى دكان أخذ منه بعض الحلويات، وعاد إلى حيث هي ، هناك استأذن الإدارة بالدخول وطلب أن يسمح له بتقديم بعض الحلويات للأطفال، سأل عما يمكن أن يكونوا في حاجة إليه، وما المساعدات التي يمكن أن يقدمها لهؤلاء الصغار غير المساعدات المادية، سأل عن المناسبة التي يحتفلون بها اليوم، مدعيا أنه يسمع غناء وموسيقى وأنه لاحظ تزيين مرافق المؤسسة ، أجابت المديرة بأنه مجرد نشاط ترفيهي ثقافي يسعدون به أولئك الأطفال بين الفينة والأخرى، حيث يمكن أن تجرى أيضا مسابقات وأنشطة مختلفة تتنافس فيها مختلف المؤسسات من ربوع الوطن الحبيب، سر لما أخبرته به، وطلب أن يسمح له بالاستمتاع بهذه اللحظات، لعله يستطيع أيضا فعل شيء لهم، مع أن موضوع الأطفال سره، إلا أن أكثر ما يشغل باله هو وجدان، ولربما ما دامت المديرة قالت له إن النشاط وطني فقد جاءت مع مؤسسة خيرية أخرى من مدينتها، سمع الأطفال يطلبون منها ذلك النشيد الذي تلاعبت بلحنه وموسيقاه ، وهم يرددون " أهوى عيون العسل
أهوى سواقيها"
وإذا بصوتها أحلى من صوت الكروان والأطفال كببغاوات وعنادل يرددون بالطريقة ذاتها، ويقلدون الحركات، استأذن المديرة يأن تأخذه لمكان الحفل، وما إن وصلت به إلى هناك حتى كانت وجدان قد أنهت غناءها، وتقوم بالحركة الراقصة الأخيرة وقبلة عبر النسيم تهديها للأطفال، بينما المستقبل الذي تلقاها كان صفوان، ابتسامة مرتبكة تستقبل كليهما، تأكدت أنه هو صاحب السيارة، وقلبه هو لم يخطئها حين أصر على أنها هي. كانت المديرة هي من سيقدم الضيف الجديد لأولئك الصغار الأبرياء، طالبة من وجدان أن تبق معهم قليلا وتحضر توزيع الحلويات مع السيد صفوان ..
تعرفا على بعض كأنه أول لقاء، كانت تحاول أن تبتعد عن مكان يقف فيه هو، وكان يقترب من مكان مرت به قدماها، فجأة وبعد توزيع الحلويات، وأثناء متابعتهما معا لبعض مراسيم الاحتفال، كانا يتهامسان، يتحدثان عن أشياء مشتركة بينهما، عن أمور اختلفا فيها، عن فرحتهما بحضور الحفل، سألها كيف جاءت إلى هذه المؤسسة الخيرية ، روح بها أجابته:" استدعتني روحك" ولسانها كان يرد عليه بثقة: " انضممت مؤخرا إلى جمعية خيرية خاصة بالأطفال المتخلى عنهم في مدينتي، وقبل مدة كانت إدارة المؤسسة قد اتصلت بي للمشاركة في تنظيم أنشطة وإلقاء عرض يفيد الأطفال حول التعايش مع الآخر لينتهي العرض بمسابقات ثقافية قريبة من الموضوع ذاته، وكان ذلك النشاط منظما جدا، حيث تم استدعاء بعض أطفال جمعيات أخرى من ثلاث مدن مختلفة من بينها هذه، أحببت كل من حضر وأحبوني أكيد " ابتسمت، ثم فجأة كأنها انتبهت لشيء، لقد أحست بأن عبارة الحب أيقظت ما كان نائما، أو أوقدت ما كان منطفئا، فحاولت متابعة كلامها بشكل عفوي كما عادتها، فلربما هو لم ينتبه لشيء، وكأنه لم يتواجد هنا الآن إلا لأجلها لقد أشعلته الكلمة حقا فقد شغفته حبا فعلا.. ومع أنها حسبته لم ينتبه لشيء إلا أنها مع ذلك بدا عليها التلعثم والارتباك وهي تتابع كلامها " لهذا الجمعية من ضيفتني اليوم، وطلبت حضوري ومشاركتي بحفل تنظمه لفائدة أطفال الجمعية.." سكتت ، أما هو فكان كمن يرى فتاة لأول مرة ويعجب بها، عيناه لم تغادرا شفتيها المتحركتين، ابتسامتها، نظراتها المعبرة، حركاتها... فيغار من الريح الذي يراقص حركاتها ويتحسس ثوبها كما يحلو له، ويحسد النسيم الذي يقبل وجنتيها، هي شعرت بنظراته، فادعت أنها تحس ببحة في صوتها، وأنها ستذهب لتشرب ماء،
تأخرت عنه ثلاث دقائق أحسها ثلاث ساعات وأكثر، ذهب إليها متعللا بأنه يحب الاطمئنان إن كانت بخير، ابتسمت؛ وسألته هي:
_ كيف حالك؟
فرد أنين بداخه: " مجنون، وحبك يزيدني لهيبا، وهجرك يزيدني حنينا" أما بلسانه فقد رد بعد ابتسامة:
_ فعلا أقلقني تأخرك وقد رأيتك تقاومين بحة بحلقك
وطلب منها مادامت في ضيافة مدينته أن تقبل دعوته إلى المقهى، تساءلت ما الذي يمكن أن يدور بينهما هناك، أليس حديثهما الآن كافيا؟ لكنها أرادت أن تحافظ على قوتها الظاهرة، فلم تمتنع من أن تقبل دعوته.. عند إنهاء الحفل وتوديع الصغار خرجا معا؛ _ لي طلب آخر إن سمحت
_ ماذا؟
_ أرجو أن نذهب إلى مقهى نبتعد فيها عن أعين هذا المكان، تطل على الشاطئ
_ أنت تعرف أني أعشق البحر لذلك لن أرفض
وكأن العبارة زلت من فمها إليه، فأحست بارتباك سرعان ما حاولت إظهار التغلب عليه، وأكدت موافقتها بابتسامة بدا عليها علامات استفهام وثلاث نقط متتالية تطرح سؤال: إلى متى؟ و.. ثم ماذا؟ حينها ركبت السيارة بجانبه، كان سعيدا، بل سيارته كذلك كادت تطير من الفرح، اتجها نحو الجبل المطل على الشاطئ، لكنها فضلت السفح حتى تكون أمام مناظر طبعية مختلفة، وكأنها رسام يختار أجمل منظر لنقله رسما بالريشة والألوان.. وكان لها ما تريد..
عصير برتقال لصفوان وآخر بالخوخ لوديان، استمر تبادل النظرات بينهما في صمت، من منهما سيستهل الحديث؟ على من بادر بالدعوة إلى هنا أن يبادر، لكن الصمت ظل مطبقا، أخذت كأس العصير وبدأت تحتسيه في هدوء.. كان يتمنى لو كان هو ذاك العصير، لمر من بين شفتيها وداعب أسنانها ثم تزحلق عبر اللسان إلى الجوف إلى الأعماق، وهناك أحلى مقر.
مالت بعينيها مدة بعيدا عنه، متأملة ما يحيط بها من مناظر تحبها، لاحظ تجنبها له، فبادر بالحديث متلعثما:
_ فكرت كثيرا، كيف و بأي شيء أبدأ حديثي معك؟
حدجته بنظرات لم تنتظر من خلالها أن يتابع كلامه لأنها عادت تنظر إلى عمق البحر شاردة، قاطع تأملاتها سريعا؛
_ اعذريني من فضلك، كان ذلك رغما عني..
وكانت هي أسرع هذه المرة في مقاطعة كلامه؛
_ انس ما كان بيننا، انساني، انس أنك تعرفني، لا أريد أن أتذكر ماكان في حياتي الآن
_ .. لم لا تصدقين؟! رغما عني رأيت أن ابتعادنا عن بعض أفضل لك ولي..
.. –رغما عنك؟! يكفي من فضلك، أغلق ذلك الكتاب.. يقول رغما عنه، وكأنني أحمل سيفا أهددك به، أو لعل غيري قد فعل؟ من هددك؟ بعدنا كان أفضل؟ أفضل لي؟ لم تخدع نفسك قبل مخادعتي؟ أتيت بي إلى هنا من أجل أن تقول هذه الكلمات؟! لا تتعب نفسك فقد نسيت أنا كل شيء.. نسيت أنك كنت لي حبيبا، نسيت أني تعلقت بك وكنت في كل مرة تفلت مني فأسقط على الأرض وأعود لسطحك .. لبرجك فترميني من جديد نحو سابع أرض ، أتشبث بحبك رغم انكساراتي ثم أعاود التعلق ليكون منك الإقلاع إلى الهاوية، تعبت يا هذا تعبت.. أنا اليوم أقتلك بقلبي كما لم أعش بقلبك يوما، قلبي.. قلبي الذي أحبك.. قلبك الذي ما عدا أنا أحبه وما أحس بي.. لأن نبضه له طريقه.. ألهذا أتيت بي إلى هنا؟ لتسمع هذه الكلمات؟ لتثيرني من جديد؟ ما عدت أثار سيدي، ما عدت أثار .. كنت حبيبي نعم، كنت متنفسي وهواي، لكن حبك خطيئة ورذيلة، حبك زائف مثلك.. كنت حبيبي .. كنت حبيبي الذي آلمني حبه، لكني ارتحت منه اليوم، محوت من ذاكرتي كل ما كان من ماضينا.. فانس أنه بإمكانك أن تتلاعب بي كما كنت، وديان لم تعد دمية.. وديان أنا وديان، كان قد حل الجفاف حين عرفتك والآن صرت أجري وأصدر عجيجا وأصدر أجيجا، أنا ما عرفتك يوما وما
... _دعينا نتعرف الآن واسمعيني من فضلك، اجعلي اليوم كأنه أول لقاء بيننا، وامنحيني فرصة أعرفك فيها علي، اقبلي صداقتي الآن لا حبي
.. كانت وديان ممتلئة بالغضب، تتحدث ثورتها بدلا عنها، تحاول الحفاظ على قوتها أمامه كي لا تدمع لها عين أمام عينيه فتظهر حقيقة حبها الذي يزداد أكثر فأكثر، أحست أنها إن استمرت في الحديث معه، ستفوز عليها دموعها وينتصر ضعفها عن قوتها المصطنعة، فردت بعبارات سريعة وبصوت قد أجهشه بكاء داخلي:
_ شكرا على العصير، لا أريد صداقات، جربت واحدة فكوتني بالخذلان ، لن أعيد التجربة.. مع السلامة.
وقفت، طلب منها أن تعود لمكانها، وبإشارة من رأسها أعلمته رفضها.. طلب أن يسمح لها أن يوصلها بسيارته إلى حيث ستذهب؛
_ سيدي أنت لا تعرفني، أنا وديان.. إن لم أرحل الآن سيحل الفيضان يا صفوان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى