مقتطف شريف محيي الدين إبراهيم - أعظم المستنيرين

من كتاب رحلة إلى شاطئ النار والنور

اتجه إبراهيم إلى المعبد ، وقد كان يعلم أنه خال من الناس، الذين ذهبوا للاحتفال، بعد أن تركوا طعاما وهدايا تقربا لتلك الأصنام التي يعبدونها ..
اقترب إبراهيم من أحد التماثيل قائلا:
“لقد برد طعامك، لم لا تأكله !؟”
و لم يرد التمثال.. فوجه إبراهيم حديثه ساخرا لباقى التماثيل: ألا تأكلون !!؟
ثم أتى إبراهيم بفأس وبدأ بتكسير الأصنام واحدا تلو الآخر، عدا كبيرهم، فقد تركه سليما، ثم علق الفأس على رقبته.
و عندما انتهى الاحتفال وعاد القوم إلى معبدهم وشاهدوا ما حل بأصنامهم، غضبوا غضبا عظيما
و جاؤوا بإبراهيم وسألوه:
أأنت فعلت هذا !؟
ابتسم إبراهيم وأشار إلى كبير الآلهة والفأس مازالت معلقة برقبته وقال:
بل فعله كبيرهم هذا.. فاسألوهم إن كانوا ينطقون.
إلا أنهم أجابوا:
أنت تعرف جيدا أن آلهتنا لا تنطق!!
قال إبراهيم في سخرية :
إذن، كيف تعبدون ما لا ينفع ولايضر!!
أين عقولكم!!
ولكنهم لم يعقلوا ما يقول، وغطى ظلام الكفرعلى عقولهم، حتى أنهم ثاروا،ثورة عظيمة، وقرروا حرق إبراهيم،فجهزوا حفرة كبيرة ، ملأوها بالأخشاب والحطب، وأشعلوا فيها نارا هائلة مخيفة..ولكي يجعلوه عبرة، جاؤوا بمنجنيق كبير ليقذفوه به في حفرة النار..
وفى تلك اللحظة ، تنزل الملك العظيم جبريل ووقف عند رأس إبراهيم يسأله:
هل لك طلب يا إبراهيم ؟!
قال إبراهيم في ثبات :
منك أنت فلا...... أما من الله فنعم.
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا (41) إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡ‍ٔٗا (42) يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا (43)
إنه العظيم نبي الله إبراهيم وقد سُمِّي بأبي الأنبياء؛ لأنَّ جميع الأنبياء الذين جاؤوا مِن بعدِه كانوا من نسله ،وقد ميزه الله - عز وجل - بأنَّ جعلَه خليلاً له :
﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾[النساء: 125]،
ولد خليل الله في العراق بمدينة بابل،التي يسكنها قوم يعبدون الكواكب، والأصنام والملوك، من دون الله
وقد كان أزر _والد إبراهيم ، ويقال أنه عمه الذي رباه بعد موت أبيه_ يَصنع تماثيل الآلهة ويَبيعها للناس ليعبدوها.
إلا أن إبراهيم كان منذ نعومة أظافره، يسخر من عبادة تلك الأصنام التي لا تنفع ولا تضر.
كان إبراهيم مهموما بالبحث عن الإله الحق في كل ما حوله....
وفى الليل نظَر إلى السماء، فرأى كوكبًا لامعًا، فقال: هذا ربي.
ولكن بعد فترة غابَ هذا الكوكب واختفى، وبعد قليل ظهر القمر في السماء ساطعًا، فقال: هذا ربي.
فلما أفل القمر كما أفل الكوكب من قبله، قال :لئن لم يهدني ربي إلى الحق ، لأكوننَّ مِن القوم الضالين.
ومرَّ الوقتُ، وتلاشى الليل، وبدأت الشمس تشرق، فأشار للشمس وقال :
هذا ربي، هذا أكبر من الكوكب والقمر.
فلما غابت هي أيضًا، قال لقومه :
أنا برئ مِن عبادة تلك الكواكب والنجوم.

إبراهيم لم يتقبل ما حوله من أشياء قد تبدو كالمسلمات، ولم يتبع ما وجد عليه أباءه وكل أفراد بني قومه، لأنه كان يمتلك فطرة سوية، وعقلا مستنيرا،
فجعل يتساءل ، مستنكرا :
كيف يصنع الانسان شيئا ثم يعبده ويسجد له، من إذا الخالق ومن المخلوق ؟ !!

ويتضح لنا هنا أن إبراهيم كان أعظم وأول المستنيرين، إذ أنه فكر وتدبر ورفض تلك الموروثات البالية من عبادة ألهة مزيفة لا تنفع ولا تضر، ولم يفعل مثل بقية قومه، فهو لم يتبع أهله ولا حتى أبيه الذي رباه، وهو نفسه صانع تماثيل الآلهة، بل ثار على كل هذا، وأعمل عقله ووعيه، وظل، يتأمل ويمعن التفكر، ومضى في رحلة طويلة، يبحث عن الحقيقة مستخدما منطقا بشريا سليما مبنيا علي الحق والحكمة، مدعوما بقلب نقي طاهر، ونفس ذكية لا تقبل مسلمات مريضة حتى وإن اتفق عليها كل أهل الأرض.
ولم ييأس إبراهيم ، بل جعل ينظر إلى السماء متأملا، نور الله الذي جعل يتسلل إلى داخله، حتى تجلت رحمة الخالق وناداه الله قائلا:
يا إبراهيم.
فرد إبراهيم: لبيك يارب..
قال له الله: أسلم.
قال إبراهيم: أسلمت لله ربه العالمين.
وامتلأ قلب إبراهيم بنور الله
فخر على وجهه ساجدا، بعد أن أيقن أنه وجد الحق أخيرا.

***

كان لقوم إبراهيم معبد هائل، يتضرعون فيه إلى أصنامهم، وبينما طفق كبير الكهنة ،يتوسل لتلك الأصنام طالبا منها الرزق والرحمة..
خرج صوت إبراهيم، قائلا :
أيها الكاهن، ألا تلاحظ أن التماثيل لايمكنها أن تسمع !؟
ثار الكاهن ثورة شديدة ، فتدارك أزر الأمر، مدعيا أن ابنه لايعي مايقول، وعلى إثر ذلك الموقف غادر الاثنان المعبد.
عنف أزر ولده إبراهيم كثيرا لفعله هذا، إلا أن إبراهيم ظل على سخريته من الأصنام، وخاطب والده خطابا رقيقا، قائلا له: يا أبت لماذا تعبد ما لا ينفع ولا يضر؟!
ولم يستجب أزر لدعوة ولده إبراهيم، بل غضب، وطرده من بيته.
فما كان من إبراهيم إلا أن انصرف في هدوء وهو يدعو لوالده بالهداية ثم خرج علي قومه قائلا: ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون؟!
قالوا: وجدنا آبائنا لها عابدين.
قال: لقد كنتم وآباؤكم فى ضلال مبين.
قالوا: أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين.
قال إبراهيم : بل ربكم رب السماوات والأرض الذى فطرهن وأنا على ذلك من الشاهدينَ.

وانتظر إبراهيم يوما، تخلو فيه الشوارع ، فقد كان هناك احتفالا عظيما على الضفة الأخرى من النهر
وذهب إلى المعبد وحطم الأصنام الموجودة به،ووضع الفأس على رقبة كبيرها، فعاقبه كفار قومه بأن ألقوا به في حفرة نار عظيمة، إلا أن الله أصدر الأمر إلى النار: يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم.

بقي إبراهيم جالسا بين النيران، عدة أيام يسبح الله حتى خمدت النار، وانطفأت..
ثم خرج سليما معافا،و لم تمسه النار بأذى كما أمرها الله عز وجل..

انتشر الخبر عن معجزة نجاة إبراهيم من تلك النار العظيمة، فأحس ملك البلاد بالخوف والقلق على عرشه ومكانته
فأمر بإحضاره لمقابلته، وسأله: أأنت تدعوإلى إله جديد؟!
إبراهيم :
إنه هو الله وحده لاشريك له.
الملك:
ما الذى يفعله ربك ولا أستطيع فعله !؟
إبراهيم : ربى الذى يحيى ويميت.
الملك: أنا أحيى وأميت.
إبراهيم :فإن الله يأتى بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب!!
“فبهت الذى كفر”

***
كان إبراهيم مستمرا فى دعوته، ولكن عقله المستنير الباحث عن إجابات لكل شئ ظل مشغولا باستمرار فى تساؤلاته عن أسرار الكون والخلق !!
حتى أنه سأل الله عز وجل : “رب أرنى كيف تحيى الموتى”
قال له الله سبحانه: “أولم تؤمن!؟”
فرد إبراهيم بأنه يريد أن يرى قدرة الله بعينه حتى يطمئن قلبه!!
فأمره الله بأن يأتى بأربعة من الطير، ويذبحها، ويضعها متفرقة على قمم الجبال..
ففعل إبراهيم ما أمره به ربه.
وحدثت المعجزة بأمر الله، حين رد الروح للطيور وأحياها بأمره.
فطارت الطيور عائدة إلى إبراهيم عليه السلام.
، فأخذه جلال الموقف، وجعل يسبح ويستغفر الله وهو يرى الطير بين يديه سالمة.
إن الله تعالى لم يطلع إبراهيم على كيفية الخلق، ولم يبصره بالتفاصيل اللازمة لإعادة تكوين الأجساد ، ونشأتها، ولكنه منح إبراهيم البرهان والنتيجة مباشرة، وأراه بعض من قدرته، فهو الذي يحيي ويميت، وإنما الروح هي من أمره، وتلك هي بعض من الأسرار الإلهية التي يعجز العقل البشري الضعيف، عن الإلمام بها، وإنما يتبقى فقط علينا أن نؤمن ونسلم أمرنا لله طائعين عابدين، مقرين بضعفنا أمام قوة الله وعظمته غير المحدودة بزمان أو مكان.
***.


ذاع صيت إبراهيم فى البلاد المجاورة، وظل يدعو قومه للإيمان ، ورغم مارأوه بأم أعينهم من معجزات فلم يؤمن به سوى رجل واحد ، هو سيدنا لوط عليه السلام وامرأة واحدة، هى السيدة سارة، والتى تزوجها فيما بعد.
فقرر سيدنا إبراهيم أن يهاجر من بلده ليبدأ فى نشر دعوته إلى الله..
اتجه أولا إلى مدينة تدعى “أور”، ثم مدينة تدعى “حاران”، ثم اتجه إلى “فلسطين”، ثم إلى “مصر” من بعدها.

وما أن شاهد فرعون مصر السيدة سارة حتى فتن بجمالها، ورغم أن سارة كانت سيدة طاعنة في السن إلا أنها كانت تمتلك جمالا ليس له مثيل، فأرادها الملك لنفسه، ولما سألها عن إبراهيم خافت أن تخبره بأنه زوجها، حتى لا يقتله وقالت له إنه أخي.
وقف إبراهيم عاجزا محسورا لا يدري، ماذا يفعل، وقد سلبه الفرعون وجنوده زوجته، فلم يكن منه إلا أن دعا ربه أن يحميها ويردها إليه سالمة دون أن تمسسها يد فرعون.
فلما اختلي فرعون بسارة لم يستطع أن يمس شعره واحدة منها، وكلما اقترب منها، كانت تأخذه صاعقة شديدة، حتى كادت يده أن تشل.
فزع فرعون وأدرك أنه ليس أمام امرأة عادية، فسأل سارة،وهو مذهولا، مرتعبا،عن حقيقتها، فأخبرته بحقيقتها وحقيقة من ادعت أنه أخوها، وأعلمته، أن إبراهيم، هو زوجها وهو خليل الله ونبيه .

فاستدعي فرعون سيدنا إبراهيم،و أحسن استقباله، وأكرمه،هو وزوجته، ثم أهداه أفضل، وأجمل جارية عنده (السيدة هاجر) لتقوم على خدمتهما.
وقد كانت سارة عاقر لا تنجب
فعرضت على سيدنا إبراهيم الزواج من هاجر كي ينجب منها الولد الذى طالما تمناه..
ولما تزوج سيدنا إبراهيم عليه السلام من أمنا هاجر، أنجبا ولدا سمياه “إسماعيل ”
إلا أن الغيرة الشديدة تملكت من سارة، ولم تحتمل تعلق سيدنا إبراهيم بابنه سيدنا إسماعيل!!
جعل إبراهيم يحاول أن يهدأ من روع سارة، وأن يصلح بين زوجتيه، بشتي الطرق، إلا أن كل جهوده، باءت بالفشل، فأصابه الهم والكدر الشديد،

حتى استيقظ يوما، فأمر السيدة هاجر أن تحمل ولدهما إسماعيل وتجهز متاعهما للسفر..
ثم سار بهما إبراهيم حتى وصلوا الى صحراء شبه الجزيرة العربية، ثم
أنزلهما من على ظهر الدابة ، وترك معهما جرابا به قليل من الطعام وبعض الماء !!
ثم هم بمغادرتهما، فأسرعت خلفه السيدة هاجر تسأله: كيف يتركهما فى ذلك المكان المقفر الخالى من البشر!!
و لم يرد عليها سيدنا ابراهيم وتركها وأكمل مسيره..
فجرت السيدة هاجر خلفه وسألته: “أهذا أمر من الله ؟”
فرد إبراهيم : نعم.
فما كان من هاجر إلا أن تقول:
اذهب فلن يضيّعنا الله !!
سار إبراهيم متمالكا مشاعره حتى اختفى خلف الجبل ثم رفع يديه الكريمتين تضرعا إلى الله سبحانه وتعالى داعيا إياه :
“رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ”
مر يومان وانتهى كل ما تركه إبراهيم من طعام وشراب !!.
تركت هاجر طفلها يبكى، ومشت مهرولة تبحث عن الماء حتى وصلت الى جبل يسمى “الصفا”، فصعدته بحثا عن أي أثر لزرع أو ماء ..
لكنها لم تجد شيئا، فنزلت مرة أخرى مهرولة إلى حيث جبل آخر فى الناحية المقابلة يسمى “المروة”، فصعدته أيضا ،وجعلت تنظر وتبحث، فلم تجد شيئا!!
عادت أمنا هاجر الى طفلها فوجدته مستمرا فى بكائه الشديد، فظلت تسعى بين الصفا والمروة علها تجد أثرا لحياة..
وبعد السعى للمرة السابعة وقد خارت قواها تماما، جلست بجانب ابنها
، وبينما إسماعيل يضرب بقدميه وهو يبكى، انفجرت تحت قدميه بئر زمزم..
ظلت هاجر تغرف الماء بيدها وتسقى ابنها وتشرب، وهى تسبح وتشكر الله على أنه لم يضيعهما..
بدأت بوادر الاستجابة لدعوة إبراهيم، السابقة حين دعى الله: ” فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ”..
فقد أخذت بعض القوافل تستقر فى المكان، حيث جذب الماء الوفير فى بئر زمزم الناس للعيش بالقرب منه!!
ورغم كبر سن السيدة سارة وعدم قدرتها على الإنجاب،إلا أن الله كافئها على صبرها ورزقها هى الأخرى بولد هو سيدنا “إسحاق”.
وبعد مرور عدة سنوات، كبر إسماعيل وازداد تعلق أبيه إبراهيم به، حتى رأى رؤيا
فذهب إلى ابنه إسماعيل قائلا:
“يابنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك، فانظر ماذا ترى؟”
فما كان من إسماعيل رغم صغر سنه إلا أن يقول:
يا أبت افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين.
رقد اسماعيل مستسلما لأمر الله راضيا، واستل إبراهيم سكينه، ورفعها فى الهواء، وقبل أن يهوى بها على رقبة ولده ، فداه الله بكبش عظيم..
***.
حتى ذلك الحين لم يكن يملك المؤمنون معبدا أو مكانا للصلاة و التجمع
فأصدر الله سبحانه أمره إلى إبراهيم وإسماعيل أن يتعاونا على بناء الكعبة المشرفة..
استمر العمل شهورا طويلة حتى على البنيان واكتمل..
وأراد إبراهيم أن يضع علامة مميزة كي يبدأ منها طواف الناس حول الكعبة، فظل يبحث عن حجر مختلف الشكل ليتميز عما حوله، فأتت له الملائكة بالحجر الأسود.

(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)

***

هل يمكن لأحد أن يتخيل قوة إيمان إبراهيم بالله، حين تحدي قومه بكاملهم ، بل وتحدي أباه الذي رباه ورعاه ومنحه كل مشاعر العطف والحنان.
الشيطان لم يترك إبراهيم بل حاول معه بشتى الطرق...
حين جمع الناس الحطب وقبل أن يهموا بقذف إبراهيم في حفرة عظيمة من النار، حاول أن يبث الخوف والرعب في نفسه، حاول أن يثير فيه مشاعر الخوف والهلع، وأن يثنيه، عن دعوته، ربما قال له وقتها :
انج بنفسك يا إبراهيم، داهن القوم قل لهم أنك قد أخطأت حين حطمت أصنامهم،يا إبراهيم كيف لجسدك الضعيف أن يتحمل آلام تلك النار المرعبة.
ولكن إبراهيم لم يتزحزح عن موقفه، وإيمانه قيد أنملة .
وحين ذهب إبراهيم بزوجته السيدة هاجر وابنه إسماعيل إلى صحراء مكة ، جعل الشيطان، يستثير عاطفة الأبوة في قلبه، صاح به :
كيف تلقى بزوجتك وابنك في صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء؟!
ولكن إبراهيم كان يعلم أن الله أعلى وأجل من أن يضيعهما، فثقته في الله ليس لها حدود وإيمانه بحكمته التي لا يدركها العقل البشري، جعلته ينفذ أمر الله طواعية.
وقد كانت لحظة رهيبة حين قرر ذبح فلذة كبده إسماعيل، الذي رزقه الله به، بعد سنوات طوال...
الشيطان يومها ، ربما قال له :
أتذبح حبيبك وقرة عينيك؟!
كيف تطاوعك يديك على فعل هذا الأمر ؟!
وانتصر إبراهيم على الشيطان
انتصر على كل ما يجيش بصدره من مشاعر الأبوة....
انتصر على ضعفه الإنساني، ، بل وانتصر معه ولده إسماعيل نبي الله الذي سلم نفسه له، وطلب منه أن ينفذ ما أمره الله به.
ربما كان إبراهيم يود لحظتها أن يعارضه إسماعيل ، أو يفر هاربا وينجو بنفسه ؟!
ربما دارت لحظتها الهواجس في رأس إبراهيم الشيخ، ربما عصفت به آلاف المشاعر المتضاربة فكادت تقضي عليه ، إلا أنه في النهاية استجاب لأمر القدير ، وهم بذبح ولده ،لولا أن أدركته رحمة الرحمن فازاحت السكين عن رقبة إسماعيل،وافتداه الله بكبش عظيم .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى