محمد فائد البكري

تعبتُ من تثبيت مسامير الذكريات وتعليق صور الذين أحبهم على جدار الحنين وهم لا يتعبون من دق جرس الرحيل ولا يسأمون من إشهار كرت الوداع تعبت من الرهان على الزمن الميت وانتظار الطيور المهاجرة كان جسدي لي وحدي أنام به متى ما يشاء وأصحو به متى ما يشاء صار الآن لا يكفيني وكل هذه الذكريات تعيش معي فيه...
لا أحد يستطيع أن يرى أبعد من نفسه ولو حاول أن يقف في أعلى ذرى اليأس. حين كنت طفلا كان العالم لا يكرر نفسه هكذا ومنذ صرتُ أنا أصبحت مكررا إلى حد أن الهواء صار يختنق من السأم وهو يعد الأيام التي تستنسخ نفسها. صار العالم ضيقا جدا. هذا الصباح قلت للأمل الذي ينزوي في قلبي لايمكن لأحدنا أن يكون حيا...
مثل زجاجة عطر استنفدت رائحة عمرها صرتُ مهزوما إلى آخر العمر أخاف أن يكسرني عدم الحاجة إليَّّ صرتُُ خاويا من كل أسباب الاحتفاظ بي. لم يعد هناك وهمٌ أراهن عليه أو أتحدى من أجله نفسي صرتُُ كل ذلك اللاشيء الذي في كل مكان صرتُ أكثر قسوةً من لام الأمر صرت وحيدا إلى أبعد مما توقع الله للشيطان إلى أقصى...
كل شيءٍ يفقد الدهشة وأصدقاءها ويرمي ظله خارج المكان كل شيءٍ هنا حاول كثيرا أن يكون طيبا لكنها الحياة لا تدع شيئا لنفسه فقط. هكذا كان لابد أن أغير وظيفة قلبي أو أضع مكانه مطرقة لتثبيت المسامير في الذاكرة. بسرعة دمعةٍ هشة تتحطم على صخرة الوداع ببطء غيمةٍ ملولةٍ تتسكع على رصيف الغبار بشرود نجمةٍ...
منذ أن كان الإنسان الأول يبحث لنفسه عن معنى. ومنذ كانت الأرض طيبةً لم تتعلم اللف والدوران بعد كنت أحبك. لكن حدث ما قتل الوقت بدمٍ بارد وتركني مجرد جثةٍ تنهشها الذكريات. هكذا صرتُ لا أنا صرتُ تابوتا أعمى، قد أبدو حرا من الجاذبية لكنني أدمنتُ السقوط الحر ومثلما يدور الهواء حول نفسه أدور الآن حول...
في هذا المكان الذي يقف فيه ظلي كانت هنا شجرةٌ تحلم بأعشاش العصافير وتتطلع إلى أن تصير أبوابا للحرية أو سريرا للعُشَّاق أو مركبا للاجئين. في هذا المكان الذي يقف فيه قلبي فقدت الشجرة ظلها فقد الظل حاجته إلى الشمس سقطت ورقةٌ من أعلى خوفها وسقط زمنٌ كان ينتظر اللحظة الأخيرة كل ورقةٍ في مهب العاصفة...
على الجانب الخطأ من الذات يجد الظل حياته التي سرقتها العتمة وعلى الجانب الخطأ من المعنى يفقد الحياد معناه. وعلى الجانب الخطأ من الحب يحدث السخط على الماضي كما لو أن الماضي كان له خيارٌ آخر وعلى الجانب الخطأ من التاريخ يقف المهزوم وحيدا يلعق ذاكرته المثخنة ويبصق الندم. وعلى الجانب الخطأ من الريح...
لم تضع الريح نفسها في مأزق الاسم أحدٌ ما كان يحبها ونصب لها فخ السأم أحدهم حبسها في اسمها إلى أن شعرت بالضجر وحاولت الهرب منه. أحدهم حشرها في هذا المسمى الذي تشقى به إلى الأبد. كثيرا ما ظلمنا الريح ونسبنا إليها إثارة الغبار كثيرا ما اتهمنا الريح بدغدغة الضوضاء. وهي لا تفعل شيئا أكثر من الخوف من...
عامٌ يموت الآن يلفظ ما تبقى من مآسيه ويدفن نفسه خلف البعيد. عامٌ يفيض الآن في الكاسات دمعا فاترا يستدرج الفوضى لينسى الميتون قبورهم. عامٌ يسيل الآن من عَرَق الطُهاة. عامٌ بليدٌ مات. يالبلاهة الموتى وهم يتضاحكون ويحتسون غباءهم عامٌ بليدٌ قيل أم عامٌ جديد! من أي دربٍ جاء من أي الجهات؟! عامٌ من...
يبدو لقب المرحوم اسما حركيا. أكثر من كونه ترقيةً مجانيةً أو قرار تعيين غالبا لا علاقة للقب المرحوم بالهيئة العليا لحزب الموتى ولا صلة له بحقوق النسيان. لقب المرحوم هو اللقب الوحيد الذي يُمنح بلا أي عناء. أحدهم استعمل اسما مستعارا ومات به أراد أن يتخفَّى من أحزانه حتى لا يزعج جيرانه الموتى أو...
قد طال هذا الليل يا الله حتى ماتت الكلمات، تاه العمرُ في اللاشيء لم يبقَ من الأحلام ما يكفي وسيف الليل يثخن في الهواء الطلق أدركني لهاث العمر غُصَّ القلب بالنجوى تنكرت الجهات! كم أصبح المعنى الحزين بلا يدين وصرتُ لا أدري اتجاها للصدى! كم صرتُ يا الله أخشى أن ترى المرآة ما في القلب من موتى وما في...
وحيدا أمام نفسي في أقصى الليل أعترف لك الآن بأني أخذت كل اللاشيء وكل أثاث الفراغ نهبت كل خزائن الهباء وكل إكسسوارات اللامبالاة، لم أعد الرجل الذي كان أنا الرجل الذي كنتِ تحبينه لكل تلك الأسباب الكثيرة التي أصابها الموت الجماعي. ذلك الرجل مات، أنا الآن جثته فقط. وأستطيع أن أتحدث معك كخبيرٍ في...
الكلمة التي سقطت عند الباب الكلمة التي انكسر ظهرها أخيرا الكلمة التي كانت تزحف وتحمل عمرها على ظهرها كسلحفاة. الكلمة التي كان اسمها حب، تلك الكلمة ماتت بالأمس واستراحت من اللامبالاة. هكذا صارت حدود اللاشيء واضحة جدا. والرجل الذي فقد مفتاح قلبك الصدىء صار يحلم بكسر الأبواب المغلقة وإغلاق الحلم...
منذ جئتُ إلى هذا الجسد وأنا أبحث عن عنوان الحياة. بالطبع، لا أحدثك عن حظي السيء! أتحدث عن اللاشيء فقط. أو اللاشيء السيء تحديدا. منذ جئت إلى جسدي هذا وأنا أحتاج إلى جسدٍ آخر لم تستعمله الذكريات. جسدي هذا غبيٌ جدا استهلك أحلامه كلها واستنفد مخزونه الحيوي من الأوهام. أحتاج الآن إلى جسدٍ آخر ليس...
أشياء كثيرةٌ حدثت في حياتي حتى قبل أن أولد أشياء كنت أسميها الصدفة وأمشي إلى اللحظة التالية كما لو أن بيدي فارق التوقيت بين الصوت والصدى أو أن اتجاها آخر أملك مفتاحه في اللحظة المناسبة كنت أحاول الهروب من الأيام التي تركض ورائي وتحاول أن تدوس على ظلي. كل الأوهام كانت مُعَدَّةً بعناية. كل الأكواب...

هذا الملف

نصوص
96
آخر تحديث
أعلى