حاميد اليوسفي - سرقة مشروعة

عندما انتقل أحمد إلى جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي أعتمد على مورد اقتصادي واحد هو المنحة . مورد يلتهم منه الكراء حوالي مائة درهم ، وما تبقى يصرفه على التغذية واللباس والسجائر والكتب والتنقل والترفيه .
ابتداء من فصل الربيع يعتدل الجو ، فيتناول وجبة العشاء بالمطعم الجامعي ، وينزل بعد ذلك إلى المدينة رفقة صديقين من الشعبة . وأثناء الطريق يدخلون إلى بعض المكتبات . يتصفح العناوين ، ويقرأ ما وراء ظهر الكتب ، ويعيدها إلى مكانها ، والحسرة تملأ قلبه لأنه لا يملك ثمنها . وعندما يخرج ، ويتجاوز مكتبة بعشرات الأمتار ، يفتح أحد أصدقائه الحقيبة ، ويخرج كتاب أدونيس ديوان الشعر العربي ، أو حركية الإبداع لخالدة سعيد ، ويريه إياه . ويروي له كيف أنه في بداية كل عطلة يحمل معه علبة من الكتب القيمة إلى مراكش . مر أكثر من أسبوع ، وهو يتحسر ، ويتحرق لأنه لم يتعود على فعل السرقة . وقد خاف مما سمع في ذلك الوقت بأن أرباب المكتبات يفعلون بسارقي الكتب ما يفعله الفلاحون باللصوص في الأسواق الأسبوعية . يُشبعونهم سبّا ، ويضربونهم كيفما ما اتفق ، وبعد ذلك يطلقون سراحهم ، أو يُسلمونهم للشرطة .
رافق بعض الأصدقاء ثلاث مرات أو أربع ، وتتبع طريقتهم في سرقة الكتب من البداية إلى النهاية . وبعد ذلك قال لنفسه :
ـ يا أحمد لا يمكن أن تبقى على هذه الحال ، تنظر إلى الآخرين يسرقون الكتب التي يرغبون في قراءتها ، وأنت تشعر بالجبن والغبن . والله التعرض للضرب أهون من الإحساس بالألم الناتج عن التناقض بين حب قراءة كتاب ، وبين عدم امتلاك ثمنه .
لاحظ بأن الطالب عندما يدخل مكتبة ، يظل تحت مراقبة العاملين حتى يخرج من الباب ، ولا يستطيع سرقة كتاب إلا إذا كان لص كتب محترف .
لا زال في مرحلة التردد . لا بد أن يفكر في طريقة تجنبه الوقوع في مصيدة أرباب الكتب ، ويقتل هذا الخوف من التعرض للضرب المبرح إلى الأبد .
اهتدى إلى خطة بسيطة . يجب أن يلبس بشكل راق لا يوحي بأنه طالب ، حتى لا يثير انتباه العاملين بالمكتبات . فالمظهر يخدع الكثير من الناس .
كان يملك بذلة أنيقة بنية اللون ، أهداها له زوج ابنة عمه ، عندما عاد من زيارة لدولة كندا . حاول الحفاظ عليها ، ولم يستعملها إلا في المناسبات .
وسبق له أن اشترى حذاءا جميلا من الجلد الأحمر من صنع محلي بمجمع الصناعة التقليدية . ولأن الصانع من أصدقاء الوالد ، فقد خصه بثمن أقل من الثمن الحقيقي .
ارتدى قميصا نقيا ، وفوقه البذلة البنية ، وسروال الجينز ، ولمّع الحذاء ، وخرج كأنه على موعد مع فتاة أحبها .
أول كتاب تمكن من سرقته بمفرده ، كتاب من حجم صغير للأستاذ عبد الكبير الخطيبي يحمل عنوان القيئ الأبيض . العنوان باللغة الإسبانية ، أما الكتاب فباللغة الفرنسية . وسيترجم فيما بعد إلى اللغة العربية تحت عنوان النقد المزدوج .
في البداية لمح أحد العاملين ، يُتابع ما ينظر إليه من كتب ، فتوقف عند جناح يهتم بكتب الطبخ ، وبجانبه صور داخل إطارات خاصة بالسياحة . أخذ كتابا وتصفحه ، تيقن بأن العامل بلع الطعم ، وصرف النظر عنه . عاد خطوتين إلى الوراء ، وأخذ الكتاب الذي يرغب في قراءته ، ووضعه تحت إبطه من داخل البذلة ، وتجول قليلا قبل أن يخرج ، وتصفح باقي الكتب المعروضة في الواجهة .
في اليوم التالي اتبع نفس الخطة ، لكن هذه المرة عثر على كنز ثمين ، إنه كتاب تاريخ المغرب بالفرنسية عن مجموعة ماسبيرو للأستاذ عبد الله العروي .
بعد ذلك توالت السرقات ، ولم تتوقف حتى غادر الجامعة ، وحصل على وظيفة .
اعتاد أن يخرج إلى البولفار رفقة صديق كل مساء . سرقا كل أعداد المجلات مثل الكرمل والمقدمة والطريق وغيرها . كلما ظهر عدد جديد أخذا نسخة لكل واحد منهما .
حدث مرة أن توقفا أمام أحد الأكشاك ، ولمح وجود نسخة واحدة من العدد الرابع لمجلة الكرمل ، تصفحه ولاحظ بأنه إذا سرقه ، سيظهر مكانه فارغا ، ويُفتضح أمره . نبّه صديقه بتجنب العدد وانصرف . وقبل أن ينحرف يمينا على بعد حوالي مائة متر ، لحق به صديقه ، وأخرج المجلة من تحت حزامه ، وهو يبتسم . لم ينه فرحته حتى وقف عليه عاملان ، لم يشعر بأنهما تبعاه من الخلف ، فنزع أحدهما المجلة منه ، وشنق الثاني عليه ، وحاول جرّه إلى الكشك لتأديبه . لحسن الحظ تزامن الحادث مع توصل أحمد بحوالة من مراكش بقيمة مائة وخمسين درهما . وكانت المرة الأولى التي يحصل فيها ذلك طيلة مساره الجامعي . أوقف العاملين ، وشتم صديقه ، واستنكر الفعل الذي قام به ، وسأله لماذا لم يطلب منه أن يشتري له المجلة . وأخرج ورقة نقدية من فئة مائة درهم ، وقدمها لأحد العاملين ، وطلب منه أن يزيل يده عن طوق صديقه ، ففعل . سارا خلفهما ، وتثاقلا في المشي حتى ابتعدا عنهما ببضعة أمتار ، فطلب أحمد من صديقه أن يذهب إلى حال سبيله ، ويتركه يحل المشكل بطريقته الخاصة .
عندما وصل الكشك غضب العاملان بشدة ، فقد اكتشفا بأن من سرق المجلة ذاب مثل فص ملح . حاول صاحب الكشك الاحتفاظ بالمجلة والمائة درهم . لكن أحمد تدخل ، وقال بأنه مجرد فاعل خير ، ولا يمكن أن يؤدي ضريبة فعل لا ذنب له فيه ، وأن عليه أن يقطع فقط ثمن المجلة ، ويقدمها له مع بقية النقود . نزل صاحب الكشك من فوق الشجرة مرغما ، والغيظ يأكله ، فتوجه بالسب والقذف للعاملين الذين قبضا على المجلة ، والمائة درهم ، وأفلتا اللص .
في نهاية مشواره الجامعي حصل أحمد على وظيفة وراتب قار ، فقطع بشكل نهائي مع سرقة الكتب . وبعد سنين طويلة تبرع بكل ما سرقه من كتب ، وزاد عليه لمؤسسة تعليمية درست بها ابنته .
مراكش 29 دجنبر 2021

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى