أدب السجون الطاهر المحفوظي - حين يصير الليل ليلة ليلاء لا بلج بعدها.

ابتدأ الليل باكرا ذاك الزوال، أمسى ليلة ليلاء، كانت الساعة تشير إلى الثالثة يوم الثالث من الشهر الثالث من السنة الثالثة بعد السبعين وتسعمائة و ألف كنا في اجتماع اللجنة القيادية في 23 مارس المكلفة بالنقابة الوطنية للتلاميذ … أشهرت المسدسات والتفت الأصفاد حول المعاصم وتوجهنا نحو المجهول.

كنا نرى الشوارع والأزقة وآلاف الناس تهتف للملك في عيد العرش، كنا يوم سبت… ما كنت أخشاه هو حملنا إلى درب مولاي الشريف وقد كنا على بعد مرمى حجر منه… أدخلونا إلى مفوضية المعاريف ثم عصبوا أعيننا ودخلنا الليل الذي سيطول عامين وشهرين … تتخلله فترات من الضياء وحتى حمامات من الشمس وقت الفسحة في السجن.

في كل بقاع العالم تقريبا وتحت كل الأفاق يأتي الليل بعد النهار إلا بالنسبة لنا نحن أهل الكهف العصريين، يأتي الليل بعد الليل ويتحول إلى ليلة ليلاء مظلمة يفيض منها الظلم الظالم بلا ضفاف.

سيذكرني قومي إذا جد جدهم = و في الليلة الظلماء يفتقد البدر

و البدر افتقدناه في الليلة الظلماء والمقمرة وما بينهما… إذ امتد الليل حتى خلنا أن لا بلج بعده …

بعد شهرين من التعذيب و المعاناة و الممارسة الحاطة بالكرامة والجوع والأوساخ وحرب العصابات التي يشنها القمل علينا، نقلوني لمستشفى ابن رشد ، حيث مكثت شهرا كاملا…

يتمدد الغيهب، يتمطى بتكاسل لا مثيل له، إذ وضعوني في قبو الجناح رقم 2 تحت رقابة مشددة للشرطة، هناك فتحة في أعلى الحائط تشبه نافذة عليها قضبان وشباك، حتى في المستشفى هناك شرطة وقضبان وشباك.

زارني خفية بعض الرفاق وكذا العائلة، شقيقي مسعود لم يتعرف علي، لقد تغيرت ملامحي، وصارت لحيتي اكبر من لحية ماركس. إذ لا يوجد حمام ولا حلاق في مفوضيات الشرطة. في مخفر الشرطة، الليل، لا يتبعه النهار فهو دائم ومستمر، ظلام في ظلام وحده المصباح الكهربائي يضيء بلا انقطاع. كنا نخمن طلوع النهار في الخارج حين تبدأ جلبة رجال الشرطة، يفتحون العين ذات الجفن المعدنية للتأكد من إننا لم نمت، لم ننتحر وخصوصا لم نهرب، ثم يمدوننا بخبزة صغيرة يتيمة لليوم كله، أما الماء فقد كان يتدفق باستمرار من كوة الحائط وفوق المرحاض.

نخرج في الليل الطويل إذا دعت الضرورة، نصعد من القبو والعصابة على العنين إلى الطابق الأول أو الثاني ليلا أو نهارا فعمل الشرطة لا يتوقف لو جن الليل، فالمرفق العمومي يشتغل بلا انقطاع خصوصا إذا تعلق الأمر بسلامة الدولة المخزنية…

حين يطول الليل، امتطي صهوة الخيال واقصد القرية، الفصل خريف والحرث ابتدأ، لا الوقت ربيع و الحقول جذلى، هنا حنطة تتمايل، هناك مهرجان الألوان، في الجو تغني العصافير، والفراشات تتراقص…

يستطيع الجلاد اعتقالي وتعذيبي لكنه لا يستطيع لجم خيالي.

وعندما لا يسعفني الخيال، ويجثم التعب علي، أغوص في نوم متقطع تتخلله الكوابيس… غدا سيكون موعد أخر مع الاستنطاق، تعميق البحث، تعميق الجراح.

يجب إعطاء الأسماء والعناوين وتفاصيل التنظيم والأهداف. سيعود الضابط مخمورا كعادته، وتعن له فكرة ما كأي سكير، أو تصله معلومة أو إشارة أو أمر ما، فيطلب إحضاري لتمضي ساعات في سؤال-جواب تدقيق وتعميق وتعليق ثم تعلاق .

الليل ها هنا يشبه ليل القطب الشمالي، قد يدوم أكثر من ستة أشهر، وهو مليء بالكوابيس والفظاعات. حينما أعاودني فجرا يوم 23 ماي 1973 من المستشفى إلى المفوضية لتقديمنا إلى النائب العام بتهم ثقيلة وجاهزة : التآمر و المس بسلامة الدولة الداخلية وتأسيس تنظيم سري الغرض منه قلب النظام وكل ما من شأنه… خاطبني تريدا من زنزانة بعيدة وقد علم برجوعي ….” إن فكاك خائف أن يعمدوه !

كانت هذه طريقته في المزاح وهي مؤشر على الفرح بمناسبة خروجنا من براثن الشرطة نحو السجن، نعم السعادة و النشوة للخروج من الليل المطلق نحو أخر نسبي و لكنه ليل… والفرح مرده كذلك إلى أننا أوقفنا نزيف الاعتقالات.

في المحكمة أنزلونا القبو النتن، نحن المبشرون بالضياء صرنا حبيسي الأقبية والظلام…

بعد دقائق من كلام فارغ لم يستمع إليه أحد، أحالونا على قاضي التحقيق، ثم بدأت الرحلة نحو أغبيلة العامرة…

كان الأسبوع الأول قاسيا، إذ عمد المدير إلى عزل عدد من المعتقلين في زنازين انفرادية حسب ملفاتهم أو مهنهم… كان الليل متواصلا، والصمت تاما، حتى الحارس الذي يأتي بالأكل لا يكلمك، لا ترى الشمس ولا السماء تذرع الزنزانة جيئة وذهابا، تجلس القرفصاء ليس لديك كتاب، ولا جريدة، تفكر فيما جرى، فيما سيأتي، لا تعلم هل الوقت ظهرا أم صبحا، الساعة ممنوعة، والإذاعة ممنوعة… والكلام مع الرفاق محرم، الليل في مخفر الشرطة والعصابة على العينين ليل مركب ومرعب، لا ترى شيئا، تسمع الأصوات كحيوان في غابة، تشعر أن عدوا يحدجك، يتربص بك، لكنك لا تراه، تفاجئك الصفعة من جهة اليمين، وكنت تنتظرها من الشمال، رجال الشرطة يظهرون لطفا كبيرا في الأول ثم يتحولون إلى وحوش فجأة وبدون مقدمات يرفعونك، لا رفع الله قدرهم، بمقدار متر عن الأرض ويبدؤون في ضربك لأنك لم تقل كل شئ، لأنك كذبت عليهم لأنك أنت، لأنه جئ بك إلى هنا، لأنهم مجبرون على فعل ذلك… لدرجة أن الكثير منهم اعتذر فيما بعد…

في السجن يطول الليل،

وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي

حين تشدك وطئته، تشتاق للبحر وللقهوة وللحقول، الليل ضد النهار وفي النهار قد نستقبل زوارا ولو من وراء الشباك والقضبان، الليل يمنع عنا الشمس.

تزداد الظلمة والظلم، أن نحرم من الجريدة والإذاعة والموسيقى والتلفاز بالرغم أنه رسمي، ومن الكتاب وتراقب كتاباتنا وتصادر، تفتح الرسائل وجوبا… في الليل لا يأتي المحامي ولا نرى طبيبا قد، يشتد ألم البواسير أو الأضراس أو المعدة لكن الذهاب إلى المستشفى شبه مستحيل ومعقد…

عندما يعسعس الليل لا ترى الساعة ولا اليومية ولا المذكرات، كل ذلك كي تفقد الإحساس بالوقت ويختل توازنك البيولوجي والنفسي، لكي تنهار فاقدا إيمانك وصمودك وتصير لا شيئا.

في شهر يناير 1975 قررنا خوض إضراب عن الطعام غير محدود. شعرت الإدارة أن شيئا ما يحضر، فقامت بهجوم ليلي علينا وهذا مخالف للضوابط والقوانين، فتشونا وأرغمونا على الوقوف في جو مرعب كان الهدف من ورائه تخويفنا ومن ثم إجبارنا على عدم الإقدام على أية خطوة نضالية. بعد عملية التفتيش أنبرا أحد الحراس معتذرا “سامحونا، هذه هي الأوامر وعندما ستصبحون حراسا للسجن ستفهمون وتقدرون” !

في 11 يناير 1975 أعلنا الإضراب عن الطعام من أجل تحسين ظروف اعتقالنا وبالتعجيل بمحاكمتنا أو إطلاق سراحنا. عزلونا فرادى وأنزلونا إلى الحي الأوربي بعد أن نقلوا مجموعة اللعبي – بلا فريج إلى السجن المركزي بالقنيطرة.

في خضم المعركة ونحن ضيوف على وزارة العدل، أو قلت العدل؟ جاء بوليس درب مولاي الشريف واختطف فلاح وتريدا. وفي إحدى الأمسيات ناداني تريدا وقد أعادوه من الدرب “كن على استعداد سيأتون وينادون عليك” وهذه عبارة ملطفة معناها سيأتون لاختطافك.

بعد عامين لم يشف غليلهم، لقد تغير التنظيم وجرت أحداث كثيرة… الليل والسجن والعزلة وترقب الحج إلى الدرب اللعين… كنت كمحكوم بالإعدام، كلما سمع صوت خطوات قادمة قال : لقد حانة الساعة… دام الإضراب عن الطعام ستة وثلاثون يوما ولم يأت الحجاج لتطويفي في المكان غير المقدس.

في كل بقاع العالم تقريبا يأتي الليل مقرونا بالنجوم والقمر إلا في السجن فهو ليل بالديجور متشح، بالملل والسأم مقرون. تغنى الشاعر العربي بالليل ونحن نستعجل زواله…

كان الأمل والإيمان زيت قنديل صمودنا… لم نترك للجلاد والسجان مجالا لقهرنا وتركيعنا، خلقنا أسلحتنا الذاتية من السخرية والضحك، كنا إذا طال الليل وادلهم نتمتع بأغاني الأطلس الجميلة يرددها بشري بصوت شجي تخترقه اللوعة والجوى، حتى إذا نطق (أبضاض) فهم حتى العرب العربة والمستعربة أن الأمر يتعلق بالحب.

في الليل يأتي أحد معتقلي الحق العام كالبراح ينادي بصوت أجش حانق ووسط شتائم بذيئة على اللذين سيتوجهون إلى المحكمة في اليوم الموالي، هناك المدعون إلى المحكمة الابتدائية أو الاستئناف، وهناك الذين سيطلق سراحهم، هؤلاء تسمع أصوات فرحتهم من بعيد…

حوالي الخامسة والنصف، يوزع الحراس والمعتقلون المكلفون بالخدمة العشاء باكرا، وتغلق أبواب الزنازين، نتناول ما جادت به علينا إدارة السجون والشجون من سئ الطعام، يبقى النور لسويعات، نقرأ ما يسمح بدخوله، نناقش، وفجأة وبدون سابق إنذار يطفئ الحارس المناوب الأضواء نعرف أنها التاسعة ليلا، لحظتها لا يمكن أن تفعل شيئا، تشعر بالخنق والعجز، لكننا نتكيف مع الوضع، فنبدأ في سرد الحكايات والنكت واستعادة أفلام شاهدناها قبل الاعتقال، باختصار نفعل كما يفعل كل المعتقلين في كل مكان… حتى إذا أخذ التعب منا مأخذا، توسدنا أحلامنا وآمالنا ونمنا على حصير حقير فوقه بطانية رمادية، فكيف ستأتي الأحلام وردية والحالة هذه. ازداد الليل قتامه حيث يهجم علينا غياب المرأة هجوما مؤلما إذ تتفاقم المعاناة والحرمان، فإذا كان الحب والجنس والحنان من ضرورات الحياة، فإننا كنا هنا قرابينا لآلهة القتل السادية حيث تغيب مقومات العيش السوي…

إذا كان حسين العراقي وأحمد فكاك مكلفين بتوزيع وتنظيم المؤونة التي تجلبها العائلات، فان حسن التجارتي كان يشرف على توزيع وتخزين السجائر، رغم أنه كأغلبيتنا لا يدخن. وحدث في إحدى الليالي أن رفاقا في الزنزانة المقابلة لنا كانوا في حاجة ماسة للسجائر وخارج الحصيص المخصص لهم، نادوا “الصاكة” أعتقد أننا ناقشنا الأمر وقررنا استثنائيا صرف حصة من أربعة أو ستة سجائر. أرسل الطالبون خيطا نزع من بطانية وفي طرفه عود الثقاب، أدخلناه من تحت الباب، ربطنا السجائر بالخيط وعند الإشارة تحركت البضاعة كما في الرسوم المتحركة. ومثل ما يحدث في أفلام الإثارة وزيادة في التشويق لحظتها مر الحارس الليلي فرأى السجائر تمشي بين الزنزانتين فأوقف الموكب، أخذ التبغ ربما مبتسما لكن غانما واختفى كلص… وبات الرفاق وفي غصتهم شئ من دخان…

كنا على يقين أننا سنخرج ونشهد على كل هذه الفظاعات وأن التنين سينهار وتخمد نيرانه، وجاء الثامن والعشرون من أبريل 1975 وخرجت. كان رذاذ خفيف يتساقط، الجو كان غائما لكنني كنت متأكدا أن وراء السحب شمس ستسطع لا محالة… وأن الليل آفل.

الطاهر محفوظي



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى