حاميد اليوسفي - مجرد حلم.. قصة قصيرة

فجأة وجد نفسه في قرية بومالن* داخل منزل اكتراه من أحد الأصدقاء الذين كانوا يعملون معه منذ سنوات خلت . لم تكن معه زوجة ولا أولاد . كان صحبة مدرسين أحدهما أخ مالك المنزل ، يقتسمون غرفتين ، وتركوا الثالثة للضيوف . لم يتفاوضوا على سعر الكراء ، فقط خمن أنه سيكون مرتفعا بالقياس إلى الماضي . ثم رأى نفسه ينزل المنحدر ، ويذهب إلى السوق في الأسفل لاقتناء بعض الخضر . وعندما وقف أمام خيمة بيضاء ، رأى كل ما اشتهى ، لكنه تردد في معرفة الثمن الحقيقي .
لا يعرف لماذا اختار صعود العقبة من جانب المقبرة . تذكر أنه نسي القفة أمام الخيمة . عندما التفت تراءت له القنطرة في مكانها ، ومياه الوادي تنساب ببطء تحت ضوء القمر . بالجوار على الضفة المحاذية للسوق منازل لازالت في طور البناء . ثم رأى على جدار الغرفة في المنزل لوحات لأجيال مختلفة من الرسامين . فان جوغ وجوجان وبيكاسو وكليمنت* ...
بعد وقت لا هو قصير ولا هو طويل ، رأى الأرض تدور من حوله ، والمباني طيورا ترقص في السماء ، وسمع صوتا له عينان مفتوحتان قادما من أعماق الأساطير يحوم حوله ، ويردد :
ـ لن يكون الغد أجمل من اليوم !
تذكر أنه أحب الرسم ، وتعلمه لمدة سنة عندما خصصت الإعدادية التي درس بها حصة في الأسبوع لهذه المادة . ميسيو سيفيا كما كانوا ينادونه شاب فرنسي في نهاية العشرينات بشعر طويل مهمل يلبس على طريقة الهيبيزم ، ويركب دراجة نارية سوداء ، تشبه الدراجات التي كان يستعملها الدرك في بداية السبعينات من القرن الماضي . شاب لطيف ومتواضع يقدم التوضيحات ، ويشرح كيف تخلط الألوان ، وترسم الخطوط ...
ابتلي بالرسم ، لكن الله لم يفتح عليه في هذا المجال ، فتخلى عن ذلك . اعتقد بأنه وقع له مع الرسم مثل ما وقع له مع الغناء . كلما طرب في المنزل أو مع أصدقائه قيل له بأنه أعسر وصوته لا يصلح للغناء . أحس بأن الناس تصدر أحكاما قاسية . لم يعد يغني أو يرقص أو يرسم أمام الناس . قد يجلس أحيانا منعزلا ، يدندن ويغني لنفسه ، حتى إذا مر بجانبه شخص ما انتابه فزع مفاجئ ، فقلب الصفحة ، وتظاهر كأنه يبحث عن شيء مهم فقده .
عندما بنت البلدية متحفا لعرض اللوحات بجانب سور باب دكالة ، أدرك لماذا يتغوط الناس ويتبولون على حائط المتحف ، أو بالقرب من بابه .
قد يكون للحلم بقية ، لكن الإنسان لا يتذكر كل ما رأى في المنام . وقد يستعيد بعض الأحداث والصور الماكرة أو المبتذلة التي تشبه لوحات رسام سريالي ، لكنه لا يقدر على روايتها ، لأن الناس سينعتونه بالحمق ، وقلة الحياء ، ويتحاشون تبادل السلام معه في الطريق . وقد يصدر البعض فتوى بالتخلص منه ، لأنه يرى فيه خطرا يهدد الدين والعروبة والقيم والأخلاق التي بناها الأجداد عبر مئات السنين ، ولن تنفعه لا شهادة ولا صلاة ولا صوم .
في الحلم لا يعرف الإنسان كيف ينتقل العقل الباطن من السوق إلى البيت ، ومن النهار إلى الليل ، ومن الخضر إلى بول جوجان وبابلو بيكاسو ، ومن المقدس إلى المدنس ؟!
المعجم
ـ بومالن دادس قرية تحولت إلى مدينة صغيرة بالجنوب المغربي تبعد عن مدينة ورزازات بحوالي 100 كلم تقع بين قلعة مكونة وتنغير .
ـ فينيست فان جوخ : رسام من هولاندا توفي عام 1890 من رواد المدرسة الانطباعية ، وصفه البعض بأفقر رسام حي وأغنى رسام ميت .
ـ بول جوجان : رسام من فرنسا ولد عام 1858 بباريس وهو من رواد المدرسة الانطباعية وصديق لفان جوخ .
ـ بابلو بيكاسو : رسام اسباني توفي عام (1973) ويعد من رواد المدرسة السريالية
ـ غوستاف كليمنت رسام من النمسا مثل الحركة الفنية الانفصالية عاش بين القرن 19 والقرن العشرين .
مراكش 07 فبراير 2022

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى