محمد بشكار - رسائل الكُفْرانْ ! الجزء الثامن والعشرون

1

ما مِنْ شاعرٍ إلا ويشْتكي اليوم، يُرَاكمُ الدواوين ويشْغَل نفْسَهُ بتنقيحها بَدَل المرة ألْف حسْرة، ومِن أيْنَ له بناشرٍ يطبع الشِّعر كما يُطْبع الدَّلاح في صيف الفاكهة، في حين ثمّة مَنْ يُصدِرون في كل شهر ديواناً اللهم لا حسد، ويلعبون بالأغلفة على طاولة الفيسبوك كما يلعب جدي مع أتْرابه المُتقاعدين الورق، لا شكَّ أنَّ لَهُم بيْن عِير القبيلة أكْثر من ناقةٍ يَحْلبون لبنها ومَعهُ المرَقْ، أما الشُّعراء الملاعين فلا يَنُوبهم إلا الشَّدَق !
لقد انْقلب الزَّمن على حَافِريه وأصبح الشِّعْر مُجرد مخطوطات محسوبة على حُمُر الوحش، وها هو الشَّاعر حائرٌ اليوم بين أن يستمر في جِلْده الموروث عن المتنبي، أوْ يَنْدَس مثل كل الروائيين المُبْتدئين في مِعْطف غوغول..!
أعْرف الفَرْق بين الرِّبْح والخسارة، ولكن أعرف أيضاً البَوْن الشّاسع بين التاجر والناشر، لذلك لستُ أُبالغ إذا قلتُ إنَّ أعمق مُؤشِّر على نهاية الإنسان، هو عُزوف دُور النَّشْر عن طبْع الشِّعْر !
2
انتهت اللعبة.. لعبة كورونا، وخرج الجميع من العلْبة بوجوه مَكْشوفة دون قناع !
3
من قال إنَّ كل شيء ليس تابعاً للسياسة في كلِّ شيءٍ سواءً في الحرْب أو السِّلم، فها هي الفيفا تمنع رفْع علم روسيا في الملاعب، وها هي أوروبا تلْغي من جامعاتها تدريس المؤلفات الروسية، كأنَّ دوستويفسكي سبق زمانه حين كتب "الجريمة والعقاب" للتَّنْديد بمثل هذا اليوم، حتى البطْن لمْ يَسْلم من المِزاجِية السياسية ونوازعها العُدْوانية، أليس غريباً أنْ تنخرط المطاعم الكبرى مثل ماكدونالدز، في العقوبات الأمريكية وتُقرِّر الإغلاق والرحيل من روسيا، يا لَعَماء البصيرة حين تَغْفَل أنَّ أرض البلاشفة كانت دائماً سلة غذاء دسِمة لأوروبا، أما العلامات الأمريكية المُحترفة في حشْو الأمعاء، فهي قدْ تُسْمِن بالذهون ولكنها لا تُغْني من جوع، حقّاً إن الرجال الذين تلعبُ بعقولهم أهْواء السلطة، أشدُّ فتكاً من أحقر ميكروب، يُغلِّبُون المصلحة السياسية ويقهرون الشعوب !
4
الأنا المُتضخِّمة تَحْجُب عن صاحبها الرُّؤْية !
5
بعض العبارات مُجرّد مُخدِّرات، ومنها عبارة "الاغتراب الثقافي"، وما أكثر ما يلجأ لأفيونها بعضُ المُثقَّفين للتَّخلُّص من عذاب الضمير والتَّملُّص من مسؤولية التفكير، لقد صمت الجميع ولم نَعُد نعرف من الرَّاعي ومَنِ القطيع، صحيح أنَّ المُثقف أصبح على الهامش ويَشعر كمنْ يَنْفخ في قِرْبةٍ مثْقوبة، ولكن الأجْدر أن يستمر في أداء دوره التنويري والرِّسَالي، ولا يَهُم إذا كان هذا المثقف غائباً عن وعي المجتمع، ولكن الخطير أنْ يكون المُجْتمع هو الغائب عن وعْي المثقف !
6
أقْسى من الموت التَّجاهُل، وليْتَه يكون عن معْرفة، ولكنَّه عنْ جَهْل !
7
أقفُ مندهشاً عند بعض العبارات التي تجري مُتزحْلقة على لِساننا الدَّارج دون معجون أسنان، كأنْ نقول فلانٌ مات وشبع موتاً، ماذا لو قلنا على قياس هذه العبارة لنكون أكثر واقعيةً، إنَّ فلاناً مات وشبع جُوعاً !
8
الطَّقْس الذي يجمع بين بُكاء المطر وابتسامة الشمس، تبقى أغصانُ أشجارهِ طريّة تكسوها الخُضْرة، قد تتوتَّر وتَنْثني حين تشْتدُّ النوائبُ ولكنَّها لا تَنْكسِر !
9
أفْظَع ما يُجمِّد الدم في العُروق، هو أنْ نقرأ لهذا.. نفْس ما نقرأه لتلك.. ولو بصيغةٍ أخْرى، نجد نفس المُعجم اللغوي والقوالب الأسلوبية الجاهزة، الذنبُ ليس ذنب الأقلام، فهي تُحبُّ العِناق حين تَهْجع مع الليل إلى الورقة، تُحبُّ لعبة نَسْخ وليس تَناسُخ الأرواح مع إطلاق الرياح، إنّما الوِزْر تتحمَّلهُ الأقدام التي تقود بعض الكُتاب أو الشعراء للاغتراف من نفس المرجع؛ الحداثة وما بعدها، اليومي على إيقاع الدجاجة التي تنقُر حبَّات التفاصيل الصَّغيرة.. رحم الله يانيس ريتسوس، كم هو موجعٌ أن يقودنا ظمأنا إلى نفس المنبع، وإلا كيف يكونُ الكاتبُ أو الشَّاعر نفسه وهو مُمزقٌ بين يدٍ تكتبه وأخرى تَحمل المرآة !
10
أبْذُل قُصَارى حُبِّي لأعْدِل بين زوجتين تقْتسِمان قلبي، يومٌ لها.. ويومٌ للشِّعْر!
11
لَيْس ثمة أقوى من الموت يَجْعلُنا نَخرج من عُزْلتنا ويَنْتبه الجميع فجأةً لوجودنا بيْنهم، ولكنْ لِوقْتٍ أقْصَر من جُمل التَّعازي على فيسبوك، ثُم نَعود لِنفْس عُزْلتنا مع فَرْق أنَّها ستكون هذه المرَّة للأبد !
12
أرجوحة الحياة، قد تجعل خفيف الوزْن، يصعد لأعلى !
13
الشَّخْص الذي يُعرِّض نفسه للتَّلْميع المُفْرِط في كلِّ مُناسبةٍ مُواتيةٍ، يُصبح مع الأيام أشْبه بالملابس المَنْسِية على حبل الغسيل، تَفْقد ألوانها تحت أشِعّة الشّمس وتَبدو كَالخِرَقِ البَالية !
..................................................
افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 30 مارس 2022.




1648674280132.png





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى