محمد محمود غدية - زيارة أبى

زارنى أبى فى الحلم، لم أفلح فى إخفاء قدح الحزن من فوق الطاولة، كنت قد تناولت منه رشفتين،
المرارة ما زالت عالقة فى الحلق،
مشتاق لوجه أبى الطيب وكلامه العذب وإبتسامته التى لا تفارقه ومسبحته الكهرمان،
معذرة يا نهراً من طيب العنبر لفوضى المكان،
لابد وأنك مررت بهذه الفوضى فى الخارج أثناء قدومك هنا،
لا تدهش لتبدل الإنسان فى هذا الزمان، لم يعد الصديق يزور الصديق للإطمئنان على الصحة والأبناء، الذين تفرقوا وتباعدوا !
الصديق يزور الصديق لبث الهموم وشكوى الزمان،
هذه القصاصات المتناثرة على الطاولة وفى الزوايا، أدفع بها لبعض الصحف والمجلات، رغبة فى مشاركة الأشياء والتأملات كى لا أموت، وأدفع بمثلها فى سلة المهملات،
كيف دخلت يا أبى من باب البستان، والبستان منذ رحيلك مغلق !
معذرة للسؤال :
لأنك فى أغصان هذا الكون مثل تدفق الأمطار، تفتح أفاق الخصوبة، تدفع بين الناس الكلم الطيب والمودات، وتريح النفس من العداوات،
الهم نصف الهرم، يطاردنا كما يطارد الضوء الحارق الفراشات،
محشورين فى قطار طويل، يتأهب للرحيل، تذهلنا الحياة بمنطقها المفاجئ وغير المتوقع،
- نعم يا أبى : ينبغى مواجهاتها دون التعمق فى فهمها !
- يسألنى أبى الطيب :
لماذا لم تتزوج بعد وفاة الزوجة وعن الأبناء ؟
- لم أجبه ..
وأضاف قائلا : المرأة يا ولدى هى الأمان، وفرملة الرجل التى تحول بينه وبين السقوط، فى برائن الوحشة،
أسمعت أبى كلمات الشاعر خليل حاوى :
إنى أموت / مضغة تافهة / فى جوف حوت .
- قال أبى : أتبحث عن موت تشتريه، لأنك ترى العيش كريه، لا خير فيه !
من يبدر الشوك يجنى الوجع، إزرع المعروف، تحصد الخير، مائة صديق قليل، وعدو واحد كثير،
إبغض العداوات، وأغنم المودات،
ما أجملها عطايا السماء، للزرع والإنسان وكل الكائنات،
يعاود أبى السؤال عن الأبناء : أأخبره عن هواتفهم المتباعدة، وكيف يمر العام دون أن ألقاهم
- رغم أن الكلمات، تشكلت فى جمل صحيحة ووصلت إلى فمى ودورها لسانى بين أسنانى،
إلا أننى لم أجرؤ على لفظها !
لكن أبى الشيخ الطيب،
قرأ الجواب، فى دمعات عينى التى أنهمرت كالمطر، ثم غاب .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى