ميس الرازم - يا نور.. الفصل التاسع من رواية

نور كانت بطلة في الجامعة لن أنسى كيف كانت تدور علينا واحدة واحدة بدون حرج، وتسألنا: هل اشتريتم زيت زيتون السنة ؟ ونشتري منها زيت الزيتون ! كانت ترفض أن تتقاضى مني ثمن التنكة .. فاخبرها بأن لي صديقات في عمان يرغبن بشراء تنكات أربع أو خمس من الزيت ! فآخذها في تكسي طلب وأقنعها بدفع ثمن الزيت الأصلي البلدي الذي يعيد الروح الغذائية إلى رونقها في مطبخنا !
كثير من الأيام كانت تحضر تنكة الزيت معها في الباص وتحملها لبعض الزميلات اللواتي طلبنها للشراء وكان بدر يحضر من كلية الطب إلينا وأراها تناوله النقود وتقول له : سدد يا اخوي الساعات سدد وتمزح : أنا أكبر منك بسنتين لا تنسى هه ! وكانت تقول عن الزيت الزيتون : خير الأرض بحمي الدم والعرض !
تقول لي : بدر عيوني يا وردة .. يا ريت أقدر أبيع عيني وادفع ساعات الجامعة عشان يصير دكتور !! والله بوفر على حالي عشان أخوي الغالي !
وكنت أراه في الجامعة حين يحضر لرؤية نور من بعيد يتورد وجهه بابتسامة مضيئة ويربت على كتفها بحب وحنان فأقول :
يا سلام .. إن نور محظوظة بأخيها بين البنات .
اذكر حين أحضرت مرة تنكة الزيت لبيعها لإحدى الزميلات ووقعت تنكة الزيت من الباص أمام مدخل الجامعة : شعرت بحزن كبير وكنت قد جريت لمساعدتها بحمل التنكة . والبنات يضحكن ويتسامرن ويتهامسن عليها ، بتبيع زيت !
وهي ترد شعرها الطويل إلى الوراء قبل ارتدائها المنديل وتحني عنقها لتحتضن كتبها تحت إبطها لكن في ذاك اليوم : وقعت التنكة على قاعدتها وانفجرت لشدة الضربة وسال الزيت على الأرض وهي في صدمة لا تعرف ماذا تفعل !
يومئذ ضحكت الفتيات ووقعن على بعضهن، وأنا أوبخهن : عيب على بنات متعلمات وبعرفوا معنى الأرض ومنتجاتها الثمينة ..وبيتمسخروا ! يا ريت في عندي مزرعة وزيت !
فيقلن : وتبيعيه للطالبات في الجامعة ؟
وأبيعه على الطريق كمان ! أحسن مليون مرة من أشياء كثيرة بخجل الواحد يحكيها ! وأحسن ما أستدين كل يوم من صاحبتي وزميلي دينارين وإلا ثلاثة عشان أشتري مزيل عرق !
والعرق المبروك هو في حمل المنتوج الشريف !
فتستحي الزميلات وينظرن بصمت !
يومها ..........احترت كيف أساعد حبيبتي نور !
والسائق كان معه جالون نفط فارغ يملاه على الطريق كلما فرغ خزان الوقود ، وهرع لإفراغ بطن التنكة في الجالون ، وهي تطلق نكتة يا أبو عدنان ترى
( الزيت والكاز غذاء ممتاز )
وقالت للسائق : اسمع يا ابو عدنان : اللي إلك إلك واللي مش إلك محرم عليك !أخذ هالزيتات لعيالك وشو ما كانت ريحة الزيت كويسة !وصحتين !واقتربت البنات على استحياء وضحكنا طويلاً ... !
...........................................
رحمك الله يا نور !
كنت أقول لها يانور أهلك كويسين بس أعمامك بدهم مسايرة : فتقول لي :
يا ستي العبد في التفكير والرب في التدبير !
يا سلام يا نور وبعدين معك ؟
موسوعة ونكت وأحلام ونشاط وتفوق !! وبعدين معك .. ..! الله يرحمك ضحية الغيرة والحسد والأنانية !فعلاً هي هذه !

...........
ولا أدري كيف كانت بكل هذا المرح:
كانت تقول : اشعر بأنني سيدة القرية .. أجد الزيتون وازرع بصول النرجس ، وأقطف العنب وازرع وأقلع وأتفرج على فلسطين في الليل ..وأكتب يا وردة شعر غصب عني ! وفعلاً كنت أزورها للتطلع نحو الغرب ، وكان والدها يمتلك دربيل كبير وينصبه على سطح البيت ويسهر على الربابة !وهو ينظر إلى فلسطين .وتقول لي :
لما بيبكي وبقول : فلسطين يا مهجة عظم وسط الظهر .. يا مخلعة الأبواب ؟؟ ما بتسمعي قلب على ضفة نهر قاعد ورا اليرموك .. بستنى الإياب ! ؟ ويحز الربابة ... !
وتدمع نور .. ! وادمع حتى البكاء ! ونحتضن بعضنا وننظر في الدربيل طويلاً ونتحدث عن الأضواء في طبريا وبيسان وعين البيضا ! وتحلف ببيسان وتقول : كان أبوي هيو اسأليه ناوي يسميني بيسان .. مش عشان إمي من بيسان .. بس والله بيسان وكل فلسطين في قلبي ليل نهار !
فأعجب لتربية نور المثالية !
وكم من مرة نمت عندهم في البيت ؟ وأدركت كم هو حنون وطيب ومحب لابنته وابنه بدر !
ولكن أدركت أيضاً كم من المعاناة والعذاب ، تكابده نور ويكابده بدر عند الدراسة ! انقطعت الكهرباء ... أضأنا اللوكس بالشامبر ، وحين بدأنا نركب الشمبر ، تهتك ونزل مثل الرماد فلملمته نور برؤوس أصابعها ، وهي تقول : لو شافته جدتي وطفة لفكرت بأنه زعوط .. وراحت تشمه ! وتعطس وتغني ! فاسألها ما هو الزعوط ؟ فتبدأ تشرح لي وهي تقول : إنشالله بتفكريه زعتر ؟
فنسمع ونحن نحاول إضاءة اللوكس صوت ابو بدر على الربابة وكأنه يحز أوتار الليل بحزنه !
....................................
يا نور ..........
اليوم أيضاً يوم استراحة.... الهاتف يرن .. والدوام بدا منذ ساعتين وأنا أغرق في السنوات الخمس التي أكلت من عمري صديقة ليس لها مثيل ! ومع أنني أحاول التبريد على نفسي إلا أن نور الجديدة وهاجس الهاتف قلب حياتي رأساً على عقب !
موتها بهذا الأسلوب .. وبالقتل على يد بدر لا يدخل مخي حتى الآن !
وراحت ضحية الأهل في القرية بعد أن جربت عذابها في من أجل أخيها، وهي التي كانت ترفع أحمال الواجبات الدراسية على كتفيها الرقيقين وتحمل حب أخيها الوحيد بقلبها النابض بالفرح وعناقيد المستقبل..وكيف حدث ذلك ؟؟ :
.................
رن الهاتف وكانت نور على الطرف الآخر :
اليوم بقدر أشوفك باش مهندسة ؟
لف رأس وردة ... يا رب ماهذا الصوت ؟ إنه لولا بقية العقل لقلت نور مائة بالمائة وليست أفلام أو تفليم .. !
اليوم ؟ طبعاً اليوم ... !
.........
وفعلاً لو كانت روح نور تتحدث عنها فهي وحيدة.. ليس لها أحد في قبرها ولا احد يسأل عنها..فهي مدفونة في القرية بجانب امها ..وسمعت أن أباها دفن جانبها أيضاً.. أما أخوها الدكتور بدر وبعد ارتكابه جريمة قتل نور الشهيدة ، وهو في السنة الرابعة أي بعد تقديم نور لمشروع التخرج .. ! مباشرة وكما علمت بكل أحزاني ولوعتي على نور وأبيها وأخيها فقد حكم عليه بسبعة أشهر لتأكيده وبرهنته على تمريغ نور لشرف العائلة بالعار ! يا حرام .. نور تمرغ شرف العائلة بالعار ..!
نور الرائعة .. الجميلة .. المحبة لأهلها ووطنها .. وأرضها المناضلة بشرف للحياة الأفضل .. وتعمل في الأرض والمزرعة وانا على تواصل مستمر للإطمئان عليها وعلى أحوالها ..وبعد ما نجح أبوها وأخوها في إعادتها للجامعة .. كانت زي السجينة في الزنزانة في القرية بين أعمامها وأولاد أعمامها لكن كانت قوية وشامخة ووجهها يبرز منه النور والتفاؤل .. قالت لي : أبوي لا يمكن يتخلى عن الأرض ويبيع أو يقسم ولا يمكن يزوجني لأي واحد من أولاد عمي ولا يمكن أنا أقبل بأي واحد منهم..عمري ما بنسى كلام أمي وهي تنازع الله يرحمها .. !!وأبوي.. ولا يمكن يصدق كلامهم الكبير عني ولا اخوي.. أعوذ بالله إنت بتصدقي إنه أنا مش كويسة ؟ وممشاي عاطل ؟ هذا اللي ناقصني .. أي والله لو كان عنتر بن شداد قدامي ما بميل ولا بزل القدم !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى