نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

محمد جبريل - صيد العصاري.. الفصول 5/6/7/8 من رواية

نشر: نقوس المهدي · ‏20/2/18 ·
  1. ـ 5 ـ

    تعددت زياراتى للعيادة . لا لمرض ، ولا حتى للقاء الدكتور جارو ، وإنما لرؤية نورا . الجلوس إليها ، ومناقشتها . يغيب الموضوع المحدد ، القضية المحددة . مجرد أن أجلس إليها . أتأمل الوجه الطفولى ، والبشرة الناعمة ، والعينين الزرقاوين ، الواسعتين ، اجتذبتنى بما لم أستطع تحديده . شعور غامض أخفقت فى تفسيره ، وإن سيطر على بما يصعب مغالبته . تختلط فى ذهنى بأفكار غير محددة ، بما يشبه التصورات أو الأحلام . ورابت باباً توقعت وراءه ما هو أشد جمالاً من السحر ..
    حاولت أن أتماسك ، فلا أفضح مشاعرى نحوها . أخشى أن يفطن العجوز ، أو تزجرنى . ربما لا أدخل العيادة ثانية ..
    أجلس فى الصالة ..
    المينا الشرقية ـ من ورائى ـ فى مدى الأفق . عيناى مسمرتان على باب العيادة الموارب . أتوقع ، أنتظر ، قدومها . تطالعنى بقامتها الطويلة ، والشعر المنسدل ، والأنف الدقيق ، والشفتين كورقتى وردة ، والشامة الصغيرة أسفل ذقنها ، والغمازتين المبتسمتين مع ابتسامتها الدائمة ..
    أتجاهل نظرة الدكتور جارو ، تأخذنى اللهفة من ثرثرته ـ هى فى لحظات الانتظار مجرد ثرثرة ـ بوقع أقدام على السلم . أنسى حتى وجود العجوز . حتى هزة الرأس دلالة المتابعة ، أنساها . تدعونى بابتسامتها المرحبة ، ويظل الدكتور جارو على صمته . أقترب منه ، وإن لم أجلس على أحد الكراسى المصفوفة أمامه . أتعمد أن تكون جلستى بحيث ترانى إذا تحدثت معه . لم أستطع أن أتبين الجدار غير المرئى الذى يفصل بيننا ، ويحول دون أن أعترف لها بمشاعرى . أدركت أنى فى حاجة إلى جرأة ، لا أمتلكها ..
    انطبع ـ فى ذاكرتى ـ امتداد البنايات من زاوية الحجرة إلى المينا الشرقية : الشرفات ، مناشر الغسيل ، النوافذ ، الوجوه المطلة ، المناور الفاصلة ، الأفاريز ، المقرنصات ، أسلاك التليفون ، لافتات العيادات ومكاتب المحامين ، النشع المتناثر فى الواجهات ..
    لاحظت حرصها على تحاشى النظر ناحية عينى اللتين تمتلئان من قسماتها ، وتحملان مشاعرى . شغلنى الإفصاح ـ أو حتى التلميح ـ بمشاعرى نحوها . حاولت أن أنبهها كى تلتفت نحوى بعينيها الواسعتين . أتأمل بحرهما الصافى الزرقة وأنا أتكلم . أسأل ، وأجيب ، وأناقش ، وأبدى الملاحظات . تفاجئنى بنظرة وأنا أتأمل ملامحها . أغالب الارتباك . أتظاهر بالشرود ، أو بالنظر إلى شىء غير محدد ..
    رددت نفسى عن محاولة مد أصابعى ولمس يدها المسترخية على الطاولة . أتمنى لو أنى وضعت يدى على بشرتها الناعمة ، لو أنى تحسستها . أدرك الحاجز غير المرئى الذى حرصت على أن تضعه بيننا .
    كان العجوز ـ إذا تحدثت ـ يتظاهر بمتابعتى . يهز رأسه دلالة المتابعة بالفعل ، لكن عينيه كانتا دائمتى الالتفات نحو الفتاة . وكانت ـ إذا جاءت سيرتها فى كلام بينى وبينه ـ داخل نبرة صوته تهدج ، وغلبه الانفعال ..
    لم أجد فى نظرات الطبيب المتسللة إليها ما يمنعنى من إهمال نمو الإحساس بالحياة فى داخلى . إذا كان يحبها ، فهو لا يملك الإطار الذى يضع فيه حبه . لا رفقة ، ولا زواج ، ولا حتى علاقة عابرة ..
    قال لى وهو يطل على صيادى المياس فى المينا الشرقية :
    ـ الشاب لا يحتاج إلا إلى امرأة ليفرغ شهوته ..
    ثم وهو يتأمل البقع البنية المتناثرة فى ظهر يده :
    ـ أما من هم فى مثل سنى فإن طقوس ما قبل العلاقة تأخذ أضعاف الوقت الذى تأخذه العلاقة نفسها ..
    ورفع رأسه ببطء :
    ـ كنت أعانى مرضاً وحيداً هو الحنين إلى الوطن . تتقاسم حياتى الآن أمراض أخرى فرضتها الشيخوخة !
    لم تكن تضايقه المداعبات . يفهم الدعابة ، ويستجيب لها . يرد عليها ببديهة حاضرة ، يظهر حزناً صامتاً إذا لامست الدعابة حياته الخاصة . يحيط نفسه بسور غير مرئى يصعب اختراقه . لا أستطيع أن أتعرف فى عينيه إلى شىء يخفيه ، ولا أن أقرأ مشاعره ، وإن أدركت أن وراء الشخصية الغامضة ، مخلوق عاطفى ، وطيب القلب .
    ***
    استأذنته فى أن يعيد ما رواه فى الجلسة السابقة . تبينت ـ حين بدأت فى إفراغ الشريط ـ أنها نسيت تشغيل جهاز الكاسيت ..
    وضع فى راحة يده حبتين من علبة الدواء البيضاء المستديرة . ثم دفعهما فى فمه ، وأتبعهما بجرعة ماء :
    ـ الخوف ـ وحده ـ هو الذى منعنى من العودة إلى أرمينية بعد قيام الجمهورية الأولى فى 28 مايو 1918 . اقتصرت التسمية على العاصمة يريفان والقرى المحيطة . توقعت أن يكون للأحداث امتداداتها . لكن أرمينية ظلت هناك . أحيا بتوقع العودة إليها . أنت تجدين فى أسرتك ، عائلتك ، حائط الاطمئنان ، وأن العودة إليها متاحة وممكنة . يختلف الأمر لو أن الوطن غائب ، والعائلة ، الأسرة ، لا يدرى المرء أين تحيا ، إن كانت على قيد الحياة ، ولا يدرى كيف يصل إليها ..
    وتعكرت ملامح وجهه :
    ـ ظلت فى ذاكرتى جثث القتلى الطافية فوق مياه الفرات . اقتحم داخلى ربما بما هو أكبر من الخوف . أتصور نفسى فى الأجساد المنتفخة ، المشوهة الملامح ..
    تدخلت بالقول :
    ـ هل ظللت خائفاً كل تلك السنوات ؟
    قال :
    ـ تحولت الجمهورية الأرمينية الأولى إلى الشيوعية . انضمت إلى الاتحاد السوفيتى . صادرت السياسة حقوق الأرمن عشرات السنين ..
    ـ أعرف أن الآلاف عادوا فيما بعد ..
    ـ هذا صحيح .. لما أقام الاتحاد السوفيتى علاقاته الديبلوماسية مع البلاد العربية ، فتح أبوابه لمن يرغبون من الأرمن فى العودة إلى وطنهم الأول .. عاد حوالى خمسة آلاف .. لم أكن منهم .
    ـ لماذا ؟
    ـ صارت مجرد إقليم فى دولة شيوعية .. احتلال مختلف ..
    قلت :
    ـ أثق أن الطائرات غيرت فكرة الإنسان عن الوطن ..
    أردفت لنظرته المندهشة :
    ـ لم نعد نحتاج إلى الأوقات الطويلة للانتقال بين بلد وآخر ..
    وربت يدى على كتفه :
    ـ العالم كله فى المستقبل هو وطن الإنسان .


    ـ 6 ـ

    قال فيصل مصيلحى وهو يعيد الأوراق :
    ـ لازلت تصر على السير فى الزقاق المسدود .. فلسطين لن تتحرر بالمقالات ولا بالمظاهرات ..
    ثم وهو يهز قبضته :
    ـ لن تحررها إلا القوة !
    تعمدت اختيار نبرة مهونة :
    ـ القوة تملكها الجيوش .. نحن لا نملك إلا المظاهرات والمقالات لتعبئة الرأى العام وإدانة الحكام ..
    غاظه تردد " حدتو " فى إدانة ما تفعله عصابتا شتيرن والهاجاناه ضد شعب فلسطين . سأل ، وناقش ، وأبدى الملاحظات . لم يقتنع بأسباب الصمت . وجد فى دعوة الإخوان المسلمين ما لم يفطن إليه . كأنه يتعرف إلى دعوة الجماعة للمرة الأولى . اطمأن إليها . أزالت ما عاناه من ارتباك لصمت جماعته عما يجرى فى فلسطين :
    ـ أنا مسلم .. والانضمام إلى الإخوان المسلمين قرار صائب .. متأخر ..
    لم ينضم إلى جماعة ولا تنظيم من أى نوع . اهتماماته دينية ، وإن ظلت بلا أطر تحددها . ما يقتنع به يقوله ، أو يفعله . لا يشغله إن صادف قبولاً ، أو واجه الرفض . كنت أحدس انتماءه إلى جماعة الإخوان المسلمين . آراؤه وتصرفاته وضعته فى إطار أراه من خلاله . الأخوان هم الحراس على شريعة الإسلام ، الراعون لمصلحة الأمة . يحدثنى عن دروس الشيخ البنا . آراء الإخوان فى أحوال المجتمع . يدفع لى بكتب ، تدل عناوينها على ما تنطوى عليه : الإسلام فى طور جديد لحسن البنا ، تفسير ابن كثير ، إحياء علوم الدين للغزالى , الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه لعبد القادر عودة ، الاتجاهات الوطنية فى الأدب المعاصر لمحمد محمد حسين ..
    قضايا الدين فى المؤخرة من اهتماماتى . تشغلنى قضايا السياسة : الاستقلال ، الديمقراطية ، فساد الحكم . ليست وحدها ما كنت أكتب عنه ، لكنها اجتذبتنى فيما يشبه الدوامة ..
    شارك فى حملة التبرعات . وضع على ساعده الأيمن شارة من القماش باللونين الأحمر والأسود ، كتب عليها بخط كبير : انقذوا فلسطين ..
    لمح نظرتى إلى الكتاب ـ فى درج مكتبه العلوى ـ عن أعمال المقاومة الشعبية . حدثنى عن تعلمه فك أجزاء المسدس ، وتركيبه ، واستعماله . تدربه على إلقاء القنابل اليدوية . تفرقته بين أنواع المفرقعات والمواد الناسفة وأدوات التفجير ..
    قلت :
    ـ العنف لن يؤذى إلا المصريين الغلابة ..
    فى بالى حوادث إلقاء المتفجرات على معسكرات الجيش البريطانى ، وأماكن تجمعاته ، وعلى نادى الاتحاد المصرى الإنجليزى . أعرف أن الهدف هو إظهار غضب المصريين من احتلال الإنجليز لبلادهم ، وأن عدم الجلاء سيؤدى إلى حوادث أخرى ، مماثلة . هدف جميل ، ومطلوب . أخشى أن تخطئ القنبلة الهدف الأجنبى فتصيب هدفاً مصرياً . عمّق من إحساسى بالخوف والمشاركة وقوع اعتداء على كنيسة فى الزقازيق . اتهم الإخوان المسلمون بأنهم دبروا ، ونفذوا ، ما حدث . كان فيصل يكتفى بقراءة الأخبار . يقرأها جيداً . ربما أعاد قراءتها ، ثم يطوى الجريدة . يضعها على طرف المكتب . لا يسأل ، ولا يستوضح ، ولا يبدى رأياً . حتى النظرة التى أحرص أن تحمل معنى ، يتجاهلها ، يكتم حتى مشاعره . تظل ملامح وجهه ساكنة ، وإن وشت آراءه وتصرفاته بما يخفيه . تكررت رؤيتى له وهو يعيد تلاوة سورتى الأنفال والتوبة ، وهو يقرأ كتب حسن البنا ، وهو يدخل إلى شعبة الإخوان فى بحرى ..
    قال :
    ـ ليس الأمر كما تتصور ..
    أضاف فى لهجة حزينة :
    ـ أعادت لى اللجنة العليا للمقاومة طلباً بالسفر إلى فلسطين ..
    ثم وهو يشير إلى عينه :
    ـ الكشف الطبى أثبت ضعف بصرى ..
    وحومت نظراته فى الفراغ :
    ـ كنت أريد الانضمام إلى كتائب الإخوان..
    قاطعته :
    ـ قرأت أن الإخوان يريدون مصر عن طريق فلسطين ..
    ـ كذب !.. يريدون فلسطين عن طريق مصر ..
    واتجه ناحيتى بنظرة متسائلة :
    ـ لماذا لا تتطوع ؟
    ـ لم أفكر فى هذا الأمر ..
    ـ ستعود فلسطين بالقتال وليس بالكلمات ..
    قلت فى هدوء :
    ـ ما قلته يصنع من الكلمات شعاراً جميلاً ..
    قال :
    ـ هل تتصور أن فلسطين ستعود إلى العرب بمقالاتك ؟
    وأنا أغالب شعوراً بالعجز :
    ـ ما أتصوره أننا لا نتعامل بجدية مع الحدث !


    ـ 7 ـ

    كنا نجلس على الكورنيش الحجرى . ندلى سيقاننا إلى داخل البحر . يلامسها رذاذ الموج فى اصطدامه بالمكعبات الأسمنتية . أفق المينا الشرقية يمتد إلى ما بعد حاجز الأمواج بين السلسلة وقلعة قايتباى . مساحات من الزرقة المتصلة بلا انتهاء ، أو حتى التقاء السماء بها . وثمة صياد توقف عن التجديف . ترك القارب يطفو فوق الأمواج الهادئة . وكانت الشمس شديدة البياض ، فلا نستطيع التحديق فيها ، ولا حتى مجرد النظر إليها .
    انشغلت بتأمل السمكات وهى تنتفض . تحاول القفز خارج الغزل ، أو النفاذ منه ..
    قالت :
    ـ أكره أن ينتزع السمك من الماء ، مثلما أكره أن يعدم الإنسان ..
    وأرخت رموشها الطويلة على عينيها :
    ـ الأرض هى دنيا الإنسان ، والمياه هى دنيا السمك ..
    قلت :
    ـ أحل الله صيد السمك ..
    ـ أنا أتحدث عن قناعتى ..
    واتجهت ناحيتى بملامح متسائلة :
    ـ لماذا يطلق على المياس صيد العصارى ؟
    ـ لأن صيده يتم ـ غالباً ـ وقت العصر ..
    ـ لماذا ؟
    وأنا أظهر الحيرة :
    ـ اسألى الصيادين !
    ـ ألست من بحرى ؟..
    ـ صلتى بالسمك هى تناوله على المائدة ..
    تحدثت عن البحر والصيد والصيادين . فى زراعة الأرض لابد أن نبذر الحب ، ونتعهده بالرى ، ثم ننتظر الثمار . نحن فى البحر نكتفى بإلقاء السنارة ، أو الشباك .
    كانت تعرف كل ما يتصل بالصيد . مناطق تجمع الأسماك ، وطرق صيدها . وكانت تعيب على صيادى الطراحة والجرافة أنهم يلقون فى المياه شباكاً ضيقة الثقوب ، فتصعد بالزريعة الصغيرة ..
    حلق غراب من فوقنا . أخفضت رأسها ، وأشاحت بيدها :
    ـ أكره هذا الطير ..
    ـ هل آذاك ؟
    ـ إنه يأكل ما فوق الماء من سمك الدينيس ..
    ـ لماذا الدينيس ؟
    وهى ترفع كتفيها :
    ـ وجبته المفضلة !
    صارحتنى بأنها تجد نفسها فى منطقة ما بعد ميدان أبى العباس : السيالة وحلقة السمك وشاطئ الأنفوشى وورش المراكب والكبائن الخشبية والباعة وطائرات الأولاد الورقية ، والحديقة الواسعة أمام سراى رأس التين ..
    قالت :
    ـ أنا أحب أن أتحدث إلى البحر . مجرد أن أنظر إليه بما فى داخلى ..
    ثم وهى تدير خصلة الشعر بإصبعها :
    ـ ميزة البحر أنه يبتلع كل شئ .. حتى الأسرار ..
    ـ أسرارك كثيرة .. إذن لا يسعها إلا البحر ..
    ـ أبداً .. لكننى أثق فى صمت البحر ..
    ظللت صامتاً ، وإن استحثثتها ـ بنظرة مشجعة ـ على مواصلة الكلام . قالت :
    ـ كل شئ يذهب إلى البحر .. حتى مياه النهر تنتهى إلى البحر ..
    وواجهتنى بالسؤال :
    ـ هل تجيد العوم ؟
    قلت :
    ـ منذ سنوات أكتفى من البحر بالتطلع إليه ..
    ***
    احتضنت ركبتيها ، وحدقت فى أفق المياه الممتد ..
    فاجأتنى بقولها :
    ـ أنت لم تدعنى لزيارتك ..
    ـ خشيت أن ترفضى ..
    ـ ألا تقيم مع أهلك ؟
    ـ مع والدتى .. أبى مات منذ ثمانى سنوات .. وأختى متزوجة ..
    ـ أنا أقيم مع أبوى وإخوتى .. ولدان يوسف ويعقوب يملكان مكتباً للتصدير والاستيراد ..
    ثم وهى تهز رأسها :
    ـ تحدثت إليهم عنك ..
    ومدت يدها للمصافحة :
    ـ نحن نرحب بزيارتك ..
    البيت يطل على المينا الشرقية . فى منتصف المسافة بين تمثال الخديو إسماعيل وقهوة المطرى . البيوت المتقاربة الارتفاع ، المتشابهة القسمات . ستة أو سبعة طوابق ، جدران تآكلت من ملوحة البحر ، مداخل رخامية فسيحة بلا مصاعد ، نوافذ وشرفات خضراء ، مرتفعة بارتفاع الجدران ..
    تأكدت من العنوان فى الورقة . ثم ضغطت على الجرس ..
    طالعنى من وراء الباب الموارب وجه نورا ..
    قالت :
    ـ أهلاً ..
    وفتحت الباب ..
    عرفت أنهم يتوقعون زيارتى ..
    أشارت إلى شيخ فى حوالى الخامسة والستين :
    ـ أبى .. الخواجة أندريا بابيجيان ..
    فى وجهه شىء مميز لم أدركه . ربما الجبهة المرتفعة ، أو الحاجبين الكثيفين ، أو العينين النفاذتى النظرة بما لا يتفق مع تقدم سنه . تناثرت فى ذقنه شعيرات بيضاء لم يحسن إزالتها . يرتدى قميصاً أبيض يكشف عن صدر يفز شعره الأبيض ، الكث ..
    قال :
    ـ تقديم لا يخلو من مجاملة .. أنا مجرد صاحب ورشة صغيرة لتجارة الجلود ..
    وأمسكت نورا بساعد سيدة فى أواخر العقد السادس :
    ـ أمى .. السيدة ليليان .. خير من تطرز القطيفة بالخيط الذهبى ..
    أميل إلى السمنة . أجادت صبغ شعرها لولا الشعيرات البيضاء البازغة فى المفرق ، أوسط الرأس . لها وجه طفل ، يخفى حقيقة عمرها ، أبيض ، مشرب بحمرة . يعلو عينيها حاجبان مثل هلالين صغيرين . ترتدى فستاناً أبيض واسعاً ، تناثرت عليه دوائر زرقاء ، أحاطت معصمها بغوايش كثيرة ، تحدث صوتاً إذا تحركت يدها . لفت منديلاً من الحرير حول رقبتها ، وتتدلى على صدرها سلسلة ذهبية ، تنتهى بصليب . تدس قدميها فى حذاء مكشوف ، أطلت منه أصابع طليت أظافرها بالمانيكير ..
    الشقة مربعة الشكل ، تتوسط الصالة حجراتها الأربع ، تناثر فيها كراسى من خشب الأبنوس المطعم بالذهب ، وثمة ردهة ـ ضيقة نسبياً ـ تفضى إلى المطبخ والحمام وشباك المنور المغلق . الجدران مغطاة بورق رسمت عليه ورود زرقاء متباينة الأحجام . ينسجم لون الستائر مع زرقة الجدار . توسطت الجدار مرآة هائلة فى إطار مذهب . ثمة ـ فى الجانب ـ شمعدان كبير من الفضة ، إلى جانبه تمثال صغير للعذراء تحمل وليدها . تدلت من الجدران مشغولات يدوية من الكانفاه والسرما . فوق الطاولة الرخامية تماثيل صغيرة لطيور وحيوانات ، تتوسطها سلة فاكهة من الخوص ، بداخلها تفاح وخوخ وكمثرى .
    قالت الأم وهى تشير إلى المشغولات المتدلية من الجدران :
    ـ التطريز وسيلة لشغل وقت الفراغ ..
    قال الأب :
    ـ نورا حدثتنا عنك ..
    وأنا أبتسم :
    ـ قطعت فروتى ؟
    ـ بل ألبستك ثوباً من الذهب ..
    أردف بلهجة متفاخرة :
    ـ تحدثت كثيراً عن مواقفك ضد اليهود ..
    ـ ليست ضد اليهود ، فلى منهم أصدقاء . أنا ضد ما يحدث فى فلسطين ..
    قالت الأم :
    ـ يقول الخواجة إن انشغالك بقضايا السياسة زاد من اهتمامها بإنجاز رسالتها ..
    قلت بعفوية :
    ـ ما الصلة ؟
    قال :
    ـ أصعب الأمور أن يطرد شعب من بلده ..
    وارتجفت عضلة فكه :
    ـ شهدت أرمينية أول إبادة جنس جماعية فى هذا القرن ، ثم تلتها بعد ثلاثة عقود محاولة إبادة الشعب الفلسطينى ..
    قلت :
    ـ الأرمن عادوا إلى بلدهم .. ويعودون ..
    وفى لهجة معتذرة :
    ـ فى فلسطين .. الوضع يختلف ..
    تحدث عما فعله العثمانيون فى أرمينية عقب احتلالهم لها . نقلوا إلى الأستانة أربعين ألفاً من الحرفيين والصناع الأرمن . عملوا فى الحرف والصناعات الدقيقة والمشغولات الذهبية ، وفى مناجم الفضة ، وفى الخياطة والحفر والتطريز واللحام والخراطة ، ومهن أخرى كثيرة ..
    ثم اتجه بعينيه ناحيتى كأنه يتأمل رد الفعل لما قاله ..
    ـ الشىء نفسه فعلوه فى المصريين بعد أن احتلوا بلادهم ..
    تحدث بلهجة تخلو من الكلفة . روى عن قدوم أبويه من أزمير ، فى هجرة الأرمن أواخر القرن التاسع عشر . آلاف الفارين من المذابح والمجاعات . استوعبتهم الخيام والعشش فى أفنية الكنائس والمدارس الأرمنية ، ثم خرجوا إلى وظائف الحكومة ، والحرف التى يتقنها الأرمن ، ونقلوها إلى مصر : التصوير ، وصناعة الزنكوغراف ، وصنع البسطرمة ، وإصلاح الأحذية ..
    قال :
    ـ عمل أبى ثلاث سنوات فى وكالة ماتوسيان للسجاير بشارع فرنسا . لم تكن مهنته ، فاستقال منها ، وافتتح ورشة صغيرة لصناعة الجلود ..
    واستعاد لهجة التفاخر :
    ـ كما ترى ، فإن إنجابى هو إنجاز أبى الأول !
    تحدث عن الإسكندرية الكوزوموباليتينية ، إسكندرية الخواجات . المقاهى والمخابز ومحال البقالة والدخان والسجائر والكازينوهات واللوكاندات .. كلها للأروام والأرمن والإيطاليين والإنجليز والفرنسيين ..
    قلت ضاحكاً :
    ـ لهذا تهتف المظاهرات : عاشت مصر حرة مستقلة ..
    قال :
    ـ حرة من الاحتلال العسكرى الإنجليزى ..
    دندن بأغنية شعبية أسبانية ، تروى عن أهل المدينة الذين ألقوا بالمسيح فى النهر لأن السماء لم تمطر ..
    قال :
    ـ هذا هو الجزاء الذى لقيته الجاليات الأجنبية فى مصر ..
    وأشار إلى صدره بأصابع مضمومة :
    ـ نحن قدمنا للإسكندرية خدمات كثيرة ..
    لاحظت تغيراً فى سحنته ، وما يشبه الغضب ..


    ـ 8 ـ

    قال الخواجة أندريا وهو يدفع أمامى الطبق الكبير بأصابعه :
    ـ المياس هو أجمل أنواع السمك فى المينا الشرقية ..
    تذكرت السؤال :
    ـ لماذا يسمونه صيد العصارى ؟
    ـ لأن أنسب أوقات صيده ساعات العصارى ..
    وأشار بيده ناحية البحر :
    ـ ألا تلحظ تعدد البلانسات فى ذلك الوقت ؟
    وحدجنى بنظرة متسائلة :
    ـ أظن أنك تحبه ؟
    قلت :
    ـ أفضله بالبطاطس ..
    ـ المهم أن تحبه . نورا ترفض السمك على المائدة ..
    كرر قوله إن أجمل المياس صيد العصارى . ترصه زوجته فى الصينية . تضع خلاله وفوقه ، شرائح البطاطس والبصل المبشور والطماطم . ترش الملح والفلفل الأسود . يعود البواب بالصينية من الفرن ، أكلة لا تنسى .
    وابتسمت عيناه :
    ـ هذا ما ستفعله ليليان فى المرة القادمة ..
    قالت نورا :
    ـ نحن نحتفل معك بعيد 28 مايو ..
    استطرد الخواجة أندريا :
    ـ الأرمن ـ حتى المقيمون فى المنفى ـ يشاركون حزب الطاشناق احتفاله بعيد قيام أول حكومة فى العصر الحديث ..
    ثم وهو يهز رأسه :
    ـ ظلت حوالى ألف يوم فقط .. لكنها أول حكومة مستقلة بعد مئات الأعوام من سقوط آخر ممالك الأرمن ..
    ولجأ إلى العد بأصابعه :
    ـ احتفالاتنا كثيرة .. فى 24 إبريل نحتفل بعيد الشهداء ، اليوم الذى أعطيت فيه إشارة البدء لقتل مليون ونصف المليون أرمنى سنة 1915 على أيدى القوات العثمانية . فى 26 يوليو نحتفل باليوم الذى اخترع فيه القديس الأب ميسروب ماشتوتس الحروف الأرمنية ..
    ولانت ملامحه :
    ـ احتفالاتنا كثيرة ..
    ألفت التردد على البيت . أجلس فى الصالة . يستعيد الخواجة أندريا ذكرياته . تشرق أحاديثنا وتغرب . يكتفى يوسف ويعقوب ـ إن كانا داخل البيت ـ بالتحية السريعة ، ويمضيان إلى حجرتهما ، أو إلى خارج البيت ..
    تحدث عن عضوية أبيه فى حزب الأرمينا جان ، أول الأحزاب السياسية الأرمنية . أسسه عدد من المدرسين الشباب . قصر هدفه على تحرير أرمينية . لم يصله بأهداف سياسية ولا اجتماعية . التحرير هو الهدف الأول ، وهو الهدف الأخير ..
    وهو يأخذ طبق الشاورمة من أمام يعقوب :
    ـ تحب الشاورمة ؟
    أومأت بالموافقة ..
    قال :
    ـ هل تعرف أن الشاورمة أكلة أرمنية ؟
    قلت فى لهجة مجاملة :
    ـ كنت أظنها شامية ؟
    ـ بل أرمنية . نقلها المهاجرون الأرمن من بلادهم ..
    وعلا صوته بالانفعال :
    ـ عزلة الشعب الأرمنى أفادته فى الاحتفاظ بشخصيته ..
    قالت الأم :
    ـ نحن نحرص على الزواج فيما بيننا ..
    قلت بعفوية :
    ـ لماذا ؟
    ـ هذا ما يحدث ..
    قال الخواجة أندريا :
    ـ ربما لحفظ التواصل العرقى بين أبناء الأرمن !
    ـ وحالات الزواج من غير الأرمن ؟
    ـ تصرف لن يدخل صاحبه النار .. لكن هذه هى عادة الأرمن !
    كانت نورا تتجه بنظرتها ناحية البحر . خذلنى الحدس ما إذا كانت قد استمعت إلينا ..
    تحدث الأب عن الشعور بعدم الأمان الذى بدّل عادات الأرمن . تحايلوا على الأتراك ، فارتدوا ملابسهم . وضعت النساء البراقع على الوجوه . تزوجت الفتيات فى سن مبكرة . تحدث عن تكيف الأرمن ـ بعاداتهم وتقاليدهم ـ مع المجتمع المصرى ، وإن لم ينصهروا فيه . ظلت لهم سلوكياتهم التى يحرصون عليها ..
    قال الخواجة أندريا :
    ـ من الناحية النظرية نحن لسنا أجانب .. كنا رعايا الدولة العثمانية ..
    وأشار إلى صدره بأصابعه المضمومة :
    ـ أنا شخصياً دفعت البدلية ..
    ثم فى صوت هامس ، كأنه يخاطب نفسه :
    ـ أظن أن الكنيسة الأرمنية كان لها دور فى احتفاظ الأرمن بقوميتهم ..
    وركز عينيه فيما لم أتبينه :
    ـ آباء الكنيسة هم قادة الشعب الأرمنى خارج بلاده ..
    ووضع يده ـ بود ـ على كتفى :
    ـ أنا دائم التردد عليها ، ولى فيها صداقات ..
    تحدث عن نادى " ديكران يرجات " بالإبراهيمية . أقدم ناد أرمنى فى مصر . قال إنه يقضى فيه أوقات فراغه ..
    قالت نورا :
    ـ أنا وأخوتى أعضاء فى نادى سموحة !
    تحدث الخواجة أندريا عن مواطنة الدرجة الثانية التى عومل بها الأرمن فى بلادهم : عدم قبول شهاداتهم فى المحاكم ، منعهم من حمل السلاح ، إلزامهم بدفع الجزية ..
    قال :
    ـ لاحظت أنى والمدام وحدنا نعرف ماذا جرى ، فشجعت نورا على وضع رسالتها ..
    وتلون صوته بحزن :
    ـ حتى الولدين لا يعرفان شيئاً عن أرمينية ، ولا عن الأرمن ..
    وأغمض عينيه ، وهز رأسه :
    ـ هما مصريان ..
    قلت :
    ـ هل هذا خطأ ؟
    ـ الخطأ أن أنسى جذورى !
    وعاد الانفعال إلى صوته :
    ـ أرمينية هى الصورة الأولى للوطن !
    لاحظت أن أفراد الأسرة يتحدثون بلغة أجنبية ـ هى اللغة نفسها التى يتحدث بها الدكتور جارو ونورا . أدركت أنها الأرمنية ـ لا يغيرونها إلا إذا كنت مشاركاً فى المناقشة .
    التقط الخواجة أندريا ملاحظتى . قال :
    ـ حاول الأتراك محو لغتنا ، وحاولوا قتل عاطفتنا القومية ، لكنهم لم يفلحوا ..
    وغمز بعينه اليسرى :
    ـ كما ترى ، نحن نحتفظ فى المهجر بلغتنا ومشاعرنا القومية .
    ***
    سحب الخواجا أندريا الناى من الحائط . قال :
    ـ أنا أجيد استعمال الناى ..
    ثم وهو يمسد الناى براحته :
    ـ تعلمت على يد أمين بوزارى أشهر عازفى الناى القدامى ..
    أدركت من إغماض عينيه ، وانهماكه فى العزف ، أنه قد استغرق فى حالة حنين . لمحت فى عينيه الدمع ، بعد أن أتم العزف وأعاد الناى إلى موضعه ..
    قلت مداعباً :
    ـ أين كنت يا خواجة أندريا ؟
    اكتفى بهز رأسه . ظل صامتا .
    قالت نورا :
    ـ هل تريد سماع أغنية أرمنية ؟
    عزف عليه ، وغنت نورا بكلمات أرمنية ، لم أفهمها ، لكن صوتها بدا جميلاً ..
    قالت :
    ـ هل أجيد الغناء ؟
    قلت :
    ـ جداً ..
    قال الخواجة أندريا :
    ـ حتى الثالثة من عمرها تقريباً كانت نورا تتكلم بالأرمنية ، ثم حرصنا على أن تقتصر أحاديثنا أمامها على العربية ..
    ثم وهو يربت خدها :
    ـ هى الآن إسكندرانية تماماً ..
    قلت لمجرد أن أتجه إليها بالسؤال :
    ـ لاحظت أن معظم أسماء العائلات الأرمنية تنتهى بحرفى " يان " ..
    مطت شفتيها ، وقالت :
    ـ لم ألحظ الأمر ..
    وأدارت خصلة الشعر حول إصبعها :
    ـ ربما لأن المقطع يان فى ختام معظم الأسماء يعادل ياء النسب فى اللغة العربية ..
    وقطعت الصمت الذى حل فجأة :
    ـ تعال نجلس فى حجرتى ..
    السرير الخشبى الصغير فى جانب الباب ، تعمدت ألا ألتفت إليه . الأنتريه الأسيوطى ـ كنبة وكرسيان ـ ظهره إلى النافذة المطلة على الشارع . المكتب الصغير لصق الجدار ، فوقه آلة كاتبة ، الكومودينو من خشب الزان ، تعلوه مكتبة ذات ثلاثة أرفف بضلفتين من الزجاج ، وإلى جانبه ما يشبه الدولاب الصغير ، أسفله ضلفة مغلقة ، وأعلاه أدراج مفتوحة صفت فيها اسطوانات . صف فوقه تماثيل صغيرة من الصلصال ، لمجموعة عازفين تختلف الآلات التى أمسكوا بها . على الأرض فروة خروف فرشت كسجادة . علقت على الجدران صور عائلية ، وجوه ، وصور زفاف ..
    لم تكن المكتبة مقتصرة على الكتب التاريخية . ما تطلبه فى إعداد رسالتها . تلاصقت قواميس بالعربية والفرنسية ، وكتب فى السياسة والاقتصاد ، وأعداد من روايات الجيب ..
    ـ قراءة للدراسة أم لمجرد المعرفة ؟
    تكلمت عن مصادر الرسالة ومراجعها . فرض التنوع عليها أن تتقن الأرمنية والعربية والفرنسية ، وتحاول فهم التركية والإنجليزية والروسية . الكتب والصحف والمخطوطات والرسائل والوثائق لا حصر لها ، مطبوعة وغير مطبوعة . مذكرات وذكريات وبحوث ولوائح وقوانين ومراسيم ومراسلات وتقارير وألبومات مصورة . حتى دفاتر وفيات المطرانية الأرمنية التى لم يسبق نشرها ، عادت إليها . تتعرف على أسماء النازحين ، والمدن التى نزحوا منها ، والمدن التى استقبلتهم فى أثناء النزوح . حتى برامج الحفلات الاجتماعية والفنية والثقافية توضح المشهد فى خلفية الصورة . همها أن تحسن القراءة والمتابعة والفهم ، والتوصل إلى النتائج الصحيحة ..
    التقطت عنوان كتاب " تاريخ الدولة العلية " لمحمد بك فريد . حدست أنه كان للخواجة أندريا من صفرة الورق ، وغلبة خطوط القلم الحبر فى دوائر وتقاطعات وتشابكات .
    قلت :
    ـ هذا الكتاب كان بداية اهتمامى بالكتب السياسية . اشتريته من مكتبة بالعطارين ..
    أكدت حدسى :
    ـ حصلت عليه من أبى . به معلومات عن دولة الخلافة ..
    وتنهدت :
    ـ كنت أتوقع من الدكتور جارو فائدة أكثر ..
    ـ أتصور أن هذا ما حدث ..
    ـ كرر وأغفل تواريخ مهمة ..
    وهزت كتفيها :
    ـ لعله تقدم العمر !
    ـ ألا يوجد من تستكملى عنده المعلومات التى تطلبينها ..
    ـ عرفت من أبى أنه هو الوحيد الذى شهد المذابح ..
    شردت . اتجهت عيناها إلى نقطة غير مرئية :
    لما بدأت فى الاستماع إلى أحاديث الدكتور جارو عن أرمينية . لم أكن أعرف أين هى ، ولا الظروف التى تعيشها بعد أعوام التهجير . ثم عرفت ما كان غامضاً ، أو ضبابياً ، فى انشغال نورا برسالتها . أبحث عن مراجع للرسالة فى مكتبات العطارين ، أقرأ ما تكتبه من بطاقات ، أستوضح ما لا أفهمه . أكتفى بالإنصات وهى تتكلم ، كأنها تتجه بكلماتها إلى أفق البحر أمامنا ..
    فى لحظة ـ لا أذكرها ـ تبينت أنى لا أبحث فى تاريخ مذابح الأرمن . أنا أبحث عن جذورى . نشأتى فى الإسكندرية . لكن أبى وأمى قدما من مدينة أخرى ، من وطن آخر .
    منذ بدأت الإعداد للرسالة . القراءة وتجميع البطاقات . داخلنى شعور أنى أختلف عن زملائى فى الكلية ، ومن أعرفهم بعيداً عن أسرتى . حتى الملامح ، تنبهت إلى أنها تختلف عن ملامح من أعرفهم من الأرمن . لاحظت أنى بدأت أطيل النظر ، وأتأمل . ربما طرحت المقارنة . لم أدرك ـ على وجه التحديد ـ متى استقر شعورى بأنى أنتمى إلى وطن ـ لم أره ـ يبعد عن الإسكندرية بآلاف الكيلومترات .
    تحدثت عن قراءاتها فى التاريخ والسياسة . ترددها على الأتيلييه ، وعلى تياترو محمد على ، تشاهد عروض الفرق الموسيقية والباليه والأوبرا . حضورها للحفلات الموسيقية فى نادى ديكران يرجات . حبها لأعمال رينوار وماتيس وشاجال وبيكاسو ومانيه . رحلاتها خارج المدينة مع طلاب الجامعة . ممارستها لرياضة المشى على رصيف كورنيش المينا الشرقية .
    قلبت فى أدراج الدولاب الصغير . أوبرات كارمن وعايدة وشهرزاد ودون جوان . سيمفونيات لبيتهوفن وشوبان وموزار . مقطوعات كلاسيكية لفردى وكليمنتى ..
    قلت :
    ـ هل تستمعين إلى أغنيات مصرية ؟
    حدجتنى بنظرة دهشة :
    ـ أحب أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وليلى مراد ..
    استطردت فى تنبه :
    ـ وأحب ألحان سيد درويش .
    ثم وهى تهز كتفيها :
    ـ صوته لا يعجبنى !
    ومالت بفمها على أذنه :
    ـ هل أسمعك شيئاً ؟
    سحبت من المكتبة الصغيرة كتاباً منزوع الغلاف ، مهترئ الصفحات . أعفتنى من تخمين اللغة التى كتب بها فى قولها :
    ـ هذا ديوان بالأرمنية ..
    ـ هل تجيدين الأرمنية ؟
    ـ طبعاً ..
    ـ لكنك من مواليد الإسكندرية ..
    أمنت بهزة من رأسها :
    ـ وتخرجت فى مدرسة راهبات الأرمن الكاثوليك قبل أن أدخل الجامعة ..
    وعلا صوتها فى تذكر :
    ـ كيف أقرأ وثائق الرسالة لو لم أتقن اللغة التى كتبت بها ؟
    وبدأت فى القراءة ..
    استعارت صوتاً أضاف عمقاً إلى رقة صوتها :
    ترى إلى أين تحملين يا روحى المعذبة
    صليبك الخشبى الأسود ؟
    أثمة جمجمة جديدة لكى تصعدى فخورة
    حيث ينظر الجميع إلى إكليلك المضىء
    بحب جارف ؟
    هل أنت مثل يسوع تصعد الجبل ؟
    أم أنت مجرد لص حكم عليه بالموت ؟
    وهل كل إنسان هو بيلاطس
    الذى يغسل أمامك يديه ؟
    أى إكليل مضى ؟
    وكيف تصعدين يا روحى
    طوعاً فى طريق الآلام ؟
    وأنت لا تعرفين حتى نفسك
    إن كنت يسوع أم يهوذا ؟
    هل لديك يا روحى ميزان دقيق حاسم
    كى تزنى هذا الفكر الطليق
    فى انتصاف الليل الحالك لعذابك الأليم ؟ ( * )
    لم ألحظ انقضاء الوقت حتى بدت الشمس قرصاً أحمر فى نهاية الأفق . شدنا الحوار . أسأل وتجيب ، تسأل وأجيب . نتأمل ، ونبدى الملاحظات ، من شرفة غرفتها ـ حركة الحياة فى طريق الكورنيش .


    ــــــــــــــــــ
    ( * ) قصيدة للشاعر الأرمنى يغيشى تشارنتس (1897 ـ 1937 ) ت : د . فاروجيان كازانجيان . صياغة شعرية : محمد إبراهيم أبو سنة
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..