خالد جهاد - ريشة لأحلام العمر

على جدران الحياة يرسم المتعبون أحلامهم، وجوههم التي اخترعوها، ضحكاتهم التي صنعوها، بيوتهم التي تمنوا أن يعيشوا فيها، يكتبون لأحبائهم الذين افتقدوهم، عن صرخاتهم التي كتموها، خيبتهم التي أخفوها، وكلماتهم التي لم يستمع إليها أحد بالحبر السري، الصوت الصامت، والنظرة المثقلة بالأحزان مثل سحابة ٍحائرةٍ في سماء الروح تجوب الأرض ولا تعرف أين ستهطل دمعتها كأنها ظاهرةٌ كونيةٌ تحدث مرةً كل ألف عام..

وبينما كنت أقرأ ما كتبته على جداري تذكرت دمعةً على ضفاف غربتي تفوح منها رائحة أمسي، سالت على قلبي المتشقق كصحراءٍ فابتلع ملحها وفاض بها كأسي، كطيفٍ قادمٍ من بعيد لطفلٍ عائدٍ من مدرسته.. يتمشى بين الأزقة تحت شمس الظهيرة، الظهيرة التي (كانت) في الصغر تعني بحلولها.. نقطةً على سطر (المتاعب) في كل يوم، وبصيص أمل يداعب القلب بحنانٍ خفي يبتسم من خلف النوافذ و يدندن بصوتٍ شجي على الشرفات..

في طريقٍ يسحر طفلاً تلفته اللوحات الضخمة والقطط العابرة والزجاج الملون، تبهره الألعاب والرسوم المبهجة والثمار المتدلية من أشجار الصمت كلوحةٍ شاردةٍ من متحف الأيام، اختارت أن تعيش حرةً بمنطق قصيدةٍ لا تهوى الأوزان ولا تغريها القوافي، لا تشبه حاضرنا الذي أبحث فيه عن شيءٍ مفقود، بعينين تستنطق ذاكرة الدكاكين القديمة، تجوب في كل الإتجاهات بحثاً عن إجابة، عن نظرة، عن صوت، عن ذكرى أو صورةٍ تشبه واحدةً من صور الطفولة المتأصلة في أرواحنا لأترجم لغتها إلى ما يفهمه قلبي من مشاعر لا حروف لها، تخرج من بئره العميق والمزدحم كعليةٍ وضعت فيها أسراري، عاطفتي، ايماءاتي، وجعي وابتسامتي، أغنياتي التي تذكرني بأحبائي، أمنياتي التي لم أخبر بها أحداً وعطر الأماكن التي مررت بها، جمعتها مثل أعداد الصحف اليومية التي زينت صباحاتنا على طول الأيام، وكبرت بيننا وفي أحضاننا دون أن نتركها تنام وحيدةً في غياهب النسيان..

أفتش بينها جميعاً، أتسائل عن ما نسيته، فتتشابك الأحاسيس بين الماضي والحاضر، وتمر اللحظات أمام العين كقطارٍ مسرعٍ لا ينوي التوقف.. لجسدٍ يكبر بعيداً عن الروح التي تسكنه والقلب الذي ينبض بين جنباته، بعيداً عن النفس التي لا زالت تحلم بالركض واللهو ومعانقة الصباح، تحلم بأرضٍ لم يطأها بشر وبإنسانٍ لا يشبه ذلك الذي نراه في كل مكان، تحلم بتذوق طعم النهار والمشي في دروب ليلٍ لا نهاية له، تحلم بزنزانةٍ تتسع لشخصين بماضيهما وذكرياتهما وخطاياهما دون أن يرفض أحدهما الآخر، تحلم ببيوتٍ لا يهجرها أهلها ولا يبيعونها لمن يملك ثمنها، تعلق لحظاتها الدافئة كقلادةٍ على صدرها، تزرع بذرة فرحٍ تحت وسادتها، وتتمنى أن تصحو على صوت غدها في سلامٍ وسكينة، وترتاح من البحث عن الحياة في الحياة، لتجد العيد في كل يوم في كل لحظة.. مع كل فجرٍ يحمل من ليل البارحة بعض أنفاسه، مع كل غسقٍ يرحل بالشمس ويأتي بالنجوم على جناح طائرٍ يخلد للنوم، يرمي لنا ريشته لنرسم بها على جدارٍ آخر أحلاماً وأعياداً قد يكون له منها نصيب..

خالد جهاد..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى