نقوس المهدي - المكتبة علم بلا حدود.. على سبيل التقديم

على سبيل التقديم

عرفت الكتاب خارج حدود كراس المقرر المدرسي في حدود سن العاشرة حين اشترى والدي كناشا صغيرا يتضمن قصيدة عامية، كي أقراها له لشدة اعجابه بمأثور القول الشعبي ..
في البيت كانت الحكايات زادنا من الأنس، وفي المدرسة كان الكتاب أثمن الاشياء التي ملأت فراغ ايامنا الطويلة، وكانت المكتبة أحلى اكتشاف في طفولتنا، حين أقام أستاذ اللغة العربية طاولة في ركن من الفصل أسماها المكتبة المدرسية، وضع فوقها مجموعة من القصص المدرسية لمحمد عطية الإبراشي وأحمد سعيد العريان وكامل كيلاني، اقتناها من ماله الخاص ليزرع في نفوسنا حب القراءة والكتاب، توزع علينا مساء كل يوم سبت، لنعيدها في متم الأسبوع الموالي ملخصة في ورقة ونأخذ غيرها، كانت تلك القصص العجيبة اول صلة لنا بحكايات الجنيات وعالم الخوارق والملاحم العجيبة والخيال، لم نكن قد وصلتنا بعد قولة الحكيم الفرعوني التي تقول: ( الكتاب أفضل من لوحة رائعة النحت، أقوى من حائط متين البنيان، انه بديل الهرم والمعبد في اعلاء اسمك)، او تلك القائلة " ليتني أجعلك تحب الكتب أكثر مما تحب أمك"، ولا تلك التي جعلت احب كاتب الى نفسي يقول بتواضع زائد في مديح القراءة: "فليفخر الآخرون بالصفحات التي كتبوا، أما أنا فأفتخر بتلك التي قرأت" [ بورخيس: أسطورة الأدب/ ص 108]. كنا فقط نفترس تلك القصص افتراسا لما توفره لنا من متع زائدة تغنينا عن دروس النحو والصرف والتربية الوطنية والحساب والعقاب، ومن لعب نهاية الأسبوع، لما تحملنا إليه من عوالم غريبة وفضاءات ساحرة لم نكن نألفها في قريتنا الفوسفاطية الصغيرة المغمورة المنسية، المنقطعة عن العالم المبتوتة في تجاويف هضبات الكنتور، وبديلا عن حكايات آبائنا التي يحشون بها اذهاننا - وكانهم يرهبوننا نفسيا من الشغل الشاق المنتظر - عن أهوال وأخطار العمل بالمنجم والجنازير وهدير المحركات الجبارة ، وعن امراض الحساسية والمفاصل والربو والشيخوخة المبكرة، وحوادث الشغل المميتة، وفظاظة المهندس وتقارير اعوانه، والماء البارد الذي يقطر من السقف، والمياه الجوفية العائمة التي تغمر لحد الحزام، والحزام الآلي النقال الذي يلتهم في غفلة أعضاء العمال او يعجن اجسادهم المنهكة كالطحين وأشياء أخرى اكثر رهبة تقع في جوف الجبل، تحت الأغوار السحيقة لباطن الأرض، تذكرني بالقرابين التي كان يتزلف بها قدماء المصريين للنيل خلال سخائه السنوي على الحقول . والتي تشكل بدورها مادة مروية تستحق بدورها ان تدون في كتاب
الان وبعد مضي حوالي نصف قرن أسررت لأستاذي السي محمد أغزاف خلال حفل التكريم الذي أقمناه لثلة من أساتذتنا القدامى الكرام بجود كرمه وبفضل تلك المكتبة العظيمة علينا، والتي نمت في نفوسنا منذ تلك الفترة القصية عشقي للقراءة، ورسخت علاقتي الوطيدة بعالم الكتب.. انبجست من عينيه وهو على تلك الهيئة المهيبة من الوقار والشيخوخة دمعتان، لا ادري إن كانتا من فرط التأثر أو من شدة الفرح والحنين لتلك الايام ..
الآن واينما وليت وجهك في المدن الكبيرة لا تجد اثرا للمكتبات الشهيرة، فقد اغلقت واختفت واجهاتها المزينة بالمطبوعات وحلت محلها المقاهي والمطاعم التي تعرض شطائر اللحم الفاسد واصابع المقانق المغشوشة التي تحبس لعاب العابرين.. انه زمن آخر يفرض نفسه بكثير من الجسارة، ذلك ان «الأمم المتحضّرة تبني المكتبات، أمّا الدول التي فقدت روحها، فتغلقها» .
في هذا المتصفح أشياء عديدة وشهادات عن عالم المكتبات والكتب ..

متابعة ممتعة

نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى