د. يوسف حطّيني - أعداء!!

أخيراً..

سيعود “شاهد” إلى مدينة العين..

سيعود ليسبب لي المتاعب من جديد.

شهر كامل مرّ على غيابه في إسلام أباد، ارتاح وأراحني..

ارتاح إذ احتضن أمه بساعديه القويتين، وتوسّد ذراعها الهزيلة النحيلة.

وأراحني إذ خلّصني من سطوه الذي لا يتوقف على زبائن الصالون..

“شاهد” صياد ماهر، كان إذا دخل أيّ زبون جديد الصالون خفّ إليه بنشاط هرّ، وقال له كلمتين ناعمتين، واستلّه، ثم أجلسه على كرسي الحلاقة، وراح يحدثه باللغة العربية التي يتقنها عن غلاء الأسعار والدوري الإسباني لكرة القدم، وأنواع السيارات والهواتف الجوالة بينما يتجول مقصه في شعر الزبون الجديد الذي يستسلم لسطوة المقص وحلاوة اللسان، وسرعان ما يتبادلان العطاء.. الزبون يعطيه أجرة الحلاقة، بينما يعطيه “شاهد” رقم هاتفه الجوّال من أجل حجز موعد مريح في المرات القادمة..

شهر كامل مرّ على قلبي برداً وسلاماً، يدخل الزبون الصالون، يسأل عن “شاهد”، فأخبره أنه ذهب إلى باكستان في إجازة، فيعرب عن أسفه، ثم يقول: اتصلت به منذ أمس عدة مرات، وكان هاتفه مغلقاً، ثم يضيف بأسف: إذاً لقد سافر..

يتردد الزبون قليلاً ثم يطلب مني أن أحلق له شعره، فأبدأ بالعمل محاولاً ما استطعتُ أن أقنعه بأنني حلاق ماهر، إذ أبالغ في كل شيء، في تحريك المقص حركات بهلوانية لا جدوى منها، وفي دلق كمية كبيرة من الشامبو على رأسه، وفي صبّ الماء، وفي تسريح شعره، وفي رش العطر، ثم أحدّثه عن سهول البنجاب، وعن رحيم يار خان حيث ولدتُ، وحيث كان القمر وما زال يسهر عند شبابيك البيوت، فإذا أصابه الملل أحدّثه عن الفواكه التي تملأ البنجاب.

في حرّ الظهيرة اللاهب دخل زبون طالما رأيته جالساً على كرسي “شاهد”، سأل مثل غيره عنه، ثم طلب مني، بعد تردّد، أن أحلق له، وأن أصبغه أيضاً، من أجل أن يمسح آثار الزمن عن شعره الذي غزاه الشيب.

طلب مني الزبون حالما بدأت قص شعره أن أحدثه عن باكستان، وعن مدينتي التي ولدتُ فيها، عن طبيعتها وفواكهها وأشجارها..

سرّني ذلك لدرجة أنني لم أشعر بمضي الوقت، حدثته عن السند والبنجاب، عن رحيم يار خان، حدثته عن السانترا[1]، والآنغور[2]، والمالتا[3]، والسيب[4]، حدثته عن أشجار الكوجور[5] التي تملأ السند..

ولكنني، دون إرادة مني، وجدتُ نفسي أحدثه عن “شاهد”، قلت له: إنه إنسانٌ حقير، يستغل حلاوة لسانه لاصطياد الزبائن، على الرغم من أنه لم يتزوج بعد، أكّدتُ له أن “شاهد” بلا همّ ولا غم، ولا أولاد يكسرون ظهره، أما أنا فقد كسر ظهري خمسة أولاد لم أرهم منذ ثلاث سنوات، قلت له أيضاً: إن “شاهد” إنسان مغرور يرى نفسه أفضل مني، لأنه من العاصمة، وأنا من الريف.

خلال تغلغل الصبغة في شعر الزبون، بدأت علامات السأم تصبغ وجهه، فطلب مني، أن أعود إلى الموضوع الأساسي، قال إنه يعدّ تقريراً صحفياً، ووجه لي أسئلة محددة عن طعامنا الذي يقتصر على القليل من العيش[6] والكثير من الخبز، وعن ساعات عملنا التي تمتد إلى اثنتي عشرة ساعة، فأخبرته عن كلّ ذلك، وقلت له: إننا نجلب الخبز ونطبخ العيش في الليل، ونضع الطعام في الثلاجة، وفي استراحة الظهيرة نسخّن الطعام والخبز، ونعود بسرعة لننام على كرسي الحلاقة، هذا إذا لم يحضر زبون ليسرق منّا لذة النوم التي نسرقها من زمن لا يرحم.

أعطاني أربعين درهماً، فتجرّأتُ وأعطيته رقم هاتفي الجوال، واتكلت على الله.. ولكنني شعرت بالخوف، لأنّ “شاهد” سيأتي من البلاد.. لا لست خائفاً، لأن هذا الزبون بالذات كان لي في البداية، ولكنني حين سافرت قبل ثلاث سنوات إلى البلاد طار إلى كرسي شاهد، وفشلت في استرداده، وها هو ذا اليوم يأتيني على طبق من ذهب، فهل أفرّط فيه؟

* * *

ها قد مرّت ثلاثة أسابيع على عودة “شاهد”، وسرعان ما نجح في استرداد معظم زبائنه، ولكنني لن أسمح له أن يستردّ الزبون الذي دخل لتوّه بعد أن اتّصل بي، وأخذ مني موعداً.

عندما رآه “شاهد” ترك الزبون الذي بين يديه، واتجه نحو زبوني وقبّله، وسأله عن صحته، وصحة أولاده، وطلب منه الانتظار، فارتبك الزبون المسكين، ولم يدر ما يفعل، غير أنني تدخّلتُ قائلاً:

– إنه زبوني.. وأنا سأحلق له.

– لا .. إنه زبوني.. وقد خطفته في غيابي.

– بل أنتَ خطفته أولاً..

– أنا أحذّرك..

– وهل ستضربني يا “شاهد”..

عاجلته قبل أن يجيب بلطمة قوية على وجهه، فانبطح على الأرض، وقد بدأ الدم يسيل من أنفه.. خرج زبوننا من الصالون غاضباً، وهو يقسم ألا يعود إليه، وخرجت بعده، قبل أن أعرف كيف سيتصرف “شاهد” مع زبون الكرسي..

في الطريق إلى البيت وخزني الندم، إبراً موجعة امتدت إلى عشر سنوات من الغربة، جمعتني فيها مع “شاهد” غرفة صغيرة واحدة، كان في كل ظهيرة يسخّن الخبز والعيش لنأكل معاً، لم يسمح لي طول تلك الفترة أن أطبخ العيش أو أسخّنه، كان يقول لي، أنت مثل أبي، كان يحدثني كل ليلة عن أمه التي يعولها بعد موت أبيه، عن حبيبته التي يجمع النقود من أجل أن يتزوجها، ندمتُ لأني ضربته، ربما يذهب إلى الشرطة، وندخل في مشاكل ليس لها آخر، لعن الله الشيطان، الحقّ عليّ، كان يجب أن أفكر في أمه وحبيبته..

مشيت في شمس الشوارع الحارقة على غير هدى، وحين انتبهت إلى ضياعي عدت إلى الغرفة، لأجد “شاهد”، وقدّ وضع طعام الغداء أمامه دون أن يمس لقمة واحدة، فقد كان في انتظاري.. وكان في انتظاره أسى واعتذار، وكان في انتظارنا عناقٌ وقُبَل ودموع.

العين 26/6/2008



[1] المندلين.
[2] العنب.
[3] البرتقال.
[4] التفاح
[5] النخيل، التمر.
[6] الرزّ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى