حاميد اليوسفي - القرية التي لم تتحول إلى مدينة...

لاشيء يبعث على أنك في مدينة غير المباني الاسمنتية والمقاهي الفاخرة.. السوق الأسبوعي يُقام كل يوم ثلاثاء.. ويأتيه التجار والباعة ثلاثة أيام قبل انعقاده..
لا حديث للسكان هذه الأيام الا عن الانتخابات الجماعية.. الحملة بدأت قبل أوانها.. الولائم تُقام هنا وهناك.. الذرائع كثيرة.. إقامة خطبة أو فرح أو استغلال حتى عشاء ميت.. ومن يُقسم ويأكل لا بد أن يخاف من أن يُصاب بطنه أو فمه بمكروه.. الناس تتذكر دائما ما وقع لغيرها.. العربي ولد العجل، أعطى وعدا، وأقسم على ذلك بالمصحف، ولما تراجع أصابه إسهال جعله ينزف من أسفل بشكل دائم، ولم ينفع معه فقيه أو طبيب.. لم يتناول أي طعام مسموم، فقط أخلف بوعد قدمه لمرشح، ولم يف به..
المهم عبد السلام ولد هنية قرر الترشح للانتخابات الجماعية المقبلة.. الرجل ينتمي إلى عشيرة كبيرة في المدينة، لو استطاع جمع أصواتها، لما استطاع أحد منافسته.. فهو يعيش معه تحت سقف واحدا أكثر من ستة عشرا نفرا مسجلين في اللوائح.. وليضمن نجاحه يحتاج فقط إلى صوتين أو ثلاثة من خارج البيت..
المدينة منقسمة على نفسها.. أعيان مشهورون قدّموا مرشحين موالين لهم للفوز بأغلبية أعضاء المجلس.. نساء بعضهم يركبن سيارات فاخرة، ويزرن البيوت، ويطلبن من أهلها التصويت لهذا المرشح أو ذاك.. استقبالهن يكون مصحوبا بالزغاريد.. زوجة الرئيس بشحمها ولحمها تزور نسوة هذا البيت أو ذاك، شرف ما بعده شرف، لا بد أن تتحدث عنه العائلة لشهور قادمة، وتتفاخر به على غيرها..
من لا يتوفر على سيد لا بد أن يتقرب من سيدة.. الناس لا تعرف ما سيحدث لها في المستقبل.. ولا بد أن تتكئ على عكاز قوي، حتى إذا احتاجت إليه وقت الأزمة طرقت بابه..
بعد إعلان النتائج أصاب عبد السلام ولد هنية صدمة كبيرة.. لم يحصل إلا على صوت واحد، هو صوته..
في المساء عندما جلس إلى المائدة رفقة العائلة، تهامسوا بينهم وضحكوا في صمت.. شتمهم واستغرب كيف يتناولون الطعام معه كل يوم، ويصوتون لخصومه.. لا بد أن زوجة الرئيس أو زوجة أحد الأعيان سحرتهم بكلام معسول امتزج بالجاه والمال والقوة، فحال دون إصابة بطونهم بأي مكروه..


مراكش في 05 ماي 2024

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى