السي حاميد اليوسفي - الماء المقدس...

منذ سنوات وهذه القرية الصغيرة المنسية بين الجبال تنام هادئة.. استيقظ حمو كعادته باكرا.. توضأ وصلى.. اتجه إلى الحظيرة لتفقد قطيع صغير من الماعز.. انتظر أن تستيقظ زوجته، وتحلب العنزة.. خرج بعد ذلك إلى العمل في الحقل القريب من مدخل القرية..
فكر في إزالة بعض الأحجار المسنة التي اعتقد أنها ستضايق بذور الذرة عندما تنمو.. ضرب بالفأس ثلاث أو أربع ضربات بقوة.. أزال القطعة الأولى والثانية ثم الثالثة، فجأة تدفق نبع من الماء.. نادى بأعلى صوته على زوجته فطومة.. كاد يُغمى عليه من شدة الفرح..
خرج سكان القرية عن بكرة أبيهم.. أحاطوا بحمو يسألونه كل مرة كيف انبجس الماء من الأرض!؟.. البعض اقترح بناء صهريج صغير حتى يتمكن الناس من استغلال الماء أحسن استغلال، بعد أن شحّ بئر القرية..
لاحظ السكان أن مذاق الماء له طعم مختلف عما ألفوه، لا بد أنه ماء معدني.. وهذا يحتاج من الشباب إلى فحصه بعد أخذ عينة منه إلى أحد مختبرات المدينة..
بعد أسبوع تأكد بالفعل بأنه ماء معدني، فذاع الخبر في الراديو.. بدأت تتناسل الإشاعات حول قدرته على الشفاء من أمراض لم يجد لها الطب دواء.. وشرع الناس يتوافدون من مدن بعيدة على القرية.. بُنيت الخيام، وأنشئت مطاعم شعبية، وافتتحت الدكاكين لبيع المواد الغذائية.. تحولت القرية بسرعة إلى موسم يكتظ بالزوار..
سيارات فخمة تقل أسرا من أعلى الهرم الاجتماعي، تأتي للتبرك بالماء الذي أصبح مقدسا، تُقيم يومين أو ثلاثة بالقرية، وتشتري برميلا أو اثنين من حجم عشرين لترا لتأخذه معها..
اعتقد كبار السن بأن هذا الماء يفتح شهية الأكل، ويشفي من أمراض الكلي، ويخفف من آلام المفاصل والركبتين والظهر..
في المساء دخل جزار بدين خيمة مومس، وقضى اللية معها.. في الصباح قدم لها مائة درهم.. ابتسمت بمكر، وتمنت عليه لو أقرضها مؤخرته أسبوعين أو شهرا قبل أن يجف النبع، لكسبت الكثير من النقود، وأعادت له أمانته، وفوقها مبلغا مهما من المال..


مراكش في 05 ماي 2024

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى