محمد بن مانع - علامات نبوءة.. قصة قصيرة

رفعت كفيّ تلك الليلة، وانحنيت ناحيتهما، اقتربتا من وجهي، ثم التصقتا به....
ـ اللهم شُله .. اللهم شُله ..
كان من أقبح المعلمين عندي، فمه القذر لا يتوقف عن قذفنا بأرذل الكلمات والمأكولات النتنة المخزنة بين أسنانه، صوته الجهوري المخيف، وضربه الذي لم يرحم طفولتنا، نمت تلك الليلة، وعلى خشبة قلبي تتجهز التراجيديا لعرض مشاهد صباح اليوم التالي.
لم تدعني الكوابيس وشأني تلك الليلة، أتيت إلى الصباح ركضاً بقلبي، أما أطرافي فتركت لها حرية الارتجاف إلى أن تكل، وصلت إلى المدرسة، وما إن بدأ الطابور الصباحي حتى تناول مدير المدرسة مكبر الصوت، قال كلاما كثيراً، ولكن كلمته تلك استخرجتني من مكاني، جعلتني أطير بين السحب، أعادتني إلى الليلة السابقة، ليلة الدعاء … لقد تحقق دعائي،
لقد شُل معلمنا بسبب حادث مروري .
ما إن بدأت الحصة الأولى حتى غرقت في الندم،
لماذا تسببت في شلله؟ إنه يستحق ولكني لا أريد أن أكون سببا في ذلك.
ناداني أحد المعلمين عدة مرات حسب ما قال لي الطلبة، ولكني كنت أختنق غرقا في قصة معلمنا، لقد بدا على وجهي الشحوب، ولذلك لم يعاقبني، ولكنه أرسلني إلى مدير المدرسة ليتصرف بما شاء.
بعد شد وجذب نهرني المدير بصراخ بغيض، فامتقع وجهي أكثر مما كان، نويت أن أدعو عليه ليلتي تلك، ولكني رأيت أن أتريث لكيلا أندم كما ندمت على معلمنا البغيض.
سنون طويلة ولم يعرف بتلك الحادثة سواي وعمر، لقد انبهر مني عندما غلظت له الأيمان أني من تسبب بشلل المعلم، كان يخافني كثيرا ويحبني أقل، وكانت هذه القاضية، لأنني خفت أن يعرف الجميع بوشاية منه فأعرض للعقاب أضعافا، ولن يرحمني أحد حتى والدي، كنت أبادله ذات الشعور، أخافه كثيرا وأحبه أقل...
يذكرني بتلك القصة بعد أن تجاوزنا المرحلة الجامعية وبتخصص طبيّ، يضحك بشكل جنوني، ويوزع الفكاهات عن تلك القصة، يسخر مني كثيرا، لم يعد يخافني ولكنه أصبح يحبني أكثر من السابق بكثير، وهذا ما يجعلني أصبر على سخافاته، لا أنكر أنني كفرت بتلك القصة، بل لم أعد أحاول تذكرها، ولا أنكر أن لتخصصنا الطبي السبب الأكبر في التقليل من شأنها، إلا أن كفري بها شابه شيء من الشك، ولم تعد محاولات نسياني لتلك القصة مجدية وخاصة بعد أن استقبلت معلمي البغيض كأول مريض لي في حياتي، لقد قالها بملء فمه:
قد تكون دعوة مظلوم.


* نقلا عن نادي القصة السعودي

هذا النص

ملف
محمد بن مانع
المشاهدات
212
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى