نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

الجنس في الثقافة العربية : حسن عباس - الخطاب الشبقي عند العرب.. رفعة مكانة الجسد في التراث

نشر: نقوس المهدي · ‏15/5/18 ·
  1. عرف العرب في تاريخهم منذ ما قبل الرسالة الاسلامية، وفي فترة ظهورها، وحتى بعدها بقرون عديدة، أساليب مختلفة حول ممارسة الشبق والتعبير عنه. كغيرهم من الشعوب، لم يكن الجنس عندهم مرتبطاً بما نعبّر عنه الآن من خلال مفهوم الجنسانية وما تتميز به من تصنيفات وتنميط للإنسان في ما يخص رغبته الجنسية. فالمسألة كانت اقرب الى تعبير عن شهوة، عن شبق، على رغم الحدود الاخلاقية التي كانت تهدف الى حصرها في اطر محددة، وخصوصاً تلك التي حاولت الديانة الإسلامية رسمها. فللعرب باع طويل في فنون الشبق، لكن الخطاب الراهن يمارس التورية عليه. تعاطى العرب فنوناً شبقية متعددة، كانت مخالفة لأحكام الإسلام في كثير منها. تصوّر لنا القراءات السلفية للتاريخ الاسلامي والتي اصبحت دعوات سياسية يتهيأ لها انها تطرح خطاباً يتحلى بسمة العصرية، ويستطيع التصدي لعملية التغريب الثقافي التي تتعرض لها المجتمعات العربية، وذلك بما تعتقد انها تختزنه من مقومات للنهضة. هذه القراءات – الدعوات ترسم صورة مجتمع منسجم مع الشريعة، لا حياة فيه الا في حدود أحكام القرآن، وهذا يطرح إشكالية مستعصية على الفهم: كيف تحولت فجائياً عادات الجاهلية المنافية للحشمة، كما تصورها هذه القراءات نفسها، الى هذا النموذج المستلهم أحكام القرآن في كل سلوكياته؟ كيف يمكن ان تحصل تحولات إجتماعية أخلاقية من دون تدرّج، وخصوصاً ان التدرّج في حالات كهذه يسير ببطء؟ كذلك كيف سوّغت دعوتها الى نبذ الجسد وإبعاده عن الحياة العامة وحصره داخل جدران المنزل او تحت الخمار استناداً إلى السلف؟ الجواب عن هذه الإشكاليات بسيط: يتطلب فقط الإبتعاد عن اوهام هذه القراءات والإلتفات الى وقائع عاشتها المجتمعات العربية في ماضيها.
    كوّن العرب حول الشبق خطابات عديدة تعايشت معاً، وهي بين حدّي الزهد باللذات الحسية والتعبير الحرّ عنها. والشكل الأخير هو المستور في معظم الكتابات حول التاريخ العربي الاسلامي، ولذلك سيكون هو مدار الحديث. هذا الشكل وإن كانت أبرز ملامحه عبّاسية، فإنه كان موجوداً منذ زمن الرسالة والخلفاء الراشدين وبدأ يشكل اهمية اجتماعية في العصر الاموي.
    حرية نسبية وعدم استنكار
    يعدّ الحديث راهنا عن الجنس والشبق وما يتعلق بهما خطاباً من الأجدر السكوت عنه لدى الكثيرين إن لم يكن مستطاعاً الإنصراف عنه كلياً. ولكن هذه الحالة لم تكن هي الحالة السائدة عند العرب قديماً. فحتى في أوساط الفقهاء الكبار كان هناك إمكان لإستساغة الحديث عن الجنس بشكل يثير الدهشة. روى ابو الفرج الاصفهاني في كتبه “الاغاني” عن إبن عباس انه كان مرّةً في المسجد الحرام وبحضرته فقيه الخوارج الشهير نافع بن الأزرق. فأتى الى جلستهما عمر بن ابي ربيعة، فأنشد الأخير لإبن عباس قصيدة جنسية جريئة. هذا الإنشاد جعل نافع يعاتب ابن عباس على مضيعة الوقت في سماعها، وهو الذي يتثاقل على السائلين عن الحلال والحرام. لكن ابن عباس دافع عن شعر ابن ابي ربيعة وبيّن انسجامه معه بإنشاده القصيدة كاملة على رغم سماعها لمرة واحدة لا بل أخذ يتفنّن في إنشادها بالمقلوب بدءاً من البيت الأخير.
    المرأة اللغز
    لم تكن المرأة في نظر العرب مخلوقاً ثانوياً مسيطراً عليه بالتمام كما يعتقد الكثيرون بل كانت لغزاً يتطلّب البحث لسبر عمقه. طبعاً لم يخرج هذا اللغز عن تصوّرات مجتمع بطريركي في طبيعته، لكنه مجتمع يبدو شديد الخوف من الأصل الأمومي للمجتمعات، وهذا ما تعبّر عنه الخشية الدائمة من المرأة. فالأنثى لغز يجد حلّه الدائم في إطار التصوّرات الشبقية.
    يروى أنه كان على عهد هارون الرشيد رجل اسمه الجعيد كان مولعاً بامرأة، وكان كلما حاول التقرب منها سمعها تنشد:
    بين الجبال رأيت خيمة شيّدت/ في الجو يظهر طولها بين الورى
    وخلت من الوتد الذي في وسطها/ فبقت كمثل الدلو ليس له عرى
    مرخيّة الأطناب حتى وسطها/ وقعتها فعل النحاس مقزدرا
    عصي فهم هذه الأبيات على الجعيد وعلى كثير من الحكماء الذين حاول استفسارهم حول معناها، حتى التقى في بغداد بأبي نواس، الذي استطاع تحليل مضامين هذه الابيات وشرحها للجعيد: بين الجبال تعني الافخاذ، الخيمة هي كناية عن الفرج، خلت من الوتد أي ليس لها زوج، مثل الدلو هو تشبيه، إذ ان الدلو لا فائدة فيه دون معلاق، وقاعتها مثل النحاس مقزدراً أي أنها شبّهت نفسها بالنحاسة المقزدرة: إذا صنع فيها ثريد فلا يستقيم إلا بمدلك كامل ومشابعة ويدين ورجلين، فبذلك يطيب بخلاف المغرفة فانها لا تطيّبه.
    إذاً نحن أمام تصور عن المرأة يندمج فيه مفهوم الإلغاز مع مفهوم حل الألغاز بواسطة الشبقيات. هذا الإلغاز يستدرج خوفاً ذكورياً من المرأة. الخوف من المرأة
    نظرة العرب الى المرأة يعتريها الخوف الذي يجد مصدره في قيم ذكورية قبلية تطلب السيطرة وتخشى السيطرة السلبية، هذه القيم إذا اجتمعت مع الإلغاز الذي يكتنف النساء عموماً تنتج خوفاً يحاول التحذير الدائم من النساء وخلق منظومة تخمينات حول المرأة تساعد في فهمهنّ لإستدراك الوضع.
    قال أبو نواس عن النساء:
    إن النساء شياطين خلقن فلا/ تركن لهنّ فهذا القول معروف
    إذا أحبوا امرءا أحبّوه عن غرض/ وإن جفوه غدا يا قوم مشغوف
    ويروى عن أحد الحكماء المتنسّكين الذين يعتكفون في الجبال بعيداً عن الإجتماع، أنه نزل مرةً المدينة وشاهد العلاقات السائدة فيها، فامتعض مما رآه وقال لبعض الحكماء بعد هربه من المدينة: “رأيت جميع من فيها عبيدا للنساء”.
    نظرة العربي الى المرأة كان يكتنفها دائماً خوف من أن تقلب علاقات السيطرة الذكورية، فهي تحتضن مقوّمات تسهّل لها قلب العلاقات الذكورية. يقول الفقيه العربي المتزمّت إبن قيّم الجوزية في كتابه “الطبّ النبوي” عن الجماع بحسب وضعية المرأة الفيزيولوجية: “وفي جماع البكر من الخاصية وكمال التعلّق بينها وبين مجامعها، وامتلاء قلبها من محبته، وعدم تقسيم هواها بينه وبين غيره ما ليث للثيب”. وفي مكان آخر يصرّح بأنه “قد أخبرنا بعض الحكماء أن المرأة لا يطيب عيشها الا إذا جومعت”.
    يعكس نص إبن قيّم الجوزية صراحة مكمن الخشية الذكورية. إنها خشية تجد موقعها في الطبيعة الجبلّية للمرأة ككائن شديد الشبقية ليس في امكان الرجال السيطرة عليه. ربما في هذا تعليل لإصرار مجتمعاتنا على “التقديس الدنيوي” للبكارة، وعلى الحدّ من شبقية المرأة بختانها.
    المرأة ككائن شديد الشبقية
    تصوّر الأدبيات العربية المرأة كشبق لا محدود. في زمن الخليفة المأمون جرت حادثة بين رجل يعتبر مسخرة إسمه بهلول ورائعة الجمال حمدونة بنت المأمون وزوجة الوزير الأعظم. ليست الحادثة هي المهمة، بل المهم حديث حمدونة لبهلول بعد مجامعتها. فقد سألها الأخير لأي سبب هي تحيل وزوجها معها. فأجابته بأن “المرأة تحيل على الرجل كما تحيل الفرسة على الفرس سواء عندها زواج ام لا خلافاً للخيل فانها تحيل لطول المكث إذا لم يرتم عليها فحل، والمرأة تحيل بالكلام وبطول المدة”.
    فالمرأة تصوَّر كنبع للشبق، وتحصر في تحديد مفهومي يتمحور حول الجنس. فهي المرأة – الفرج. استشار بعض الرجال امرأة كان يقال لها “المعربدة” وقد كانت أعلم اهل زمانها كما توصف، فقيل لها أين تجدن العقل يا معشر النسوان فقالت بين الأفخاذ، قيل لها والشهوة قالت في ذلك الموضع، قيل لها أين تجدن محبة الرجال وكرههم قالت في ذلك الموضع. وسأل ملكٌ برجان وحباحب وهما من أهم جواريه أيّهما أزيد شهوة النساء ام الرجال؟ قالتا: أضعف شهوة النساء أقوى من شهوة الرجال. وتتجسد شبقية المرأة اللامحدودة برواية تروى عن “عائشة المغنّية”، فعنها أنها قالت عن إحدى ممارساتها للجنس: “لقد نخرت بعلي نخرة نفر منها الف بعير من إبل الصدقة فرّت على وجهها، فما تلاقت الى الآن”. إذاً فوسيلة الرجل للتقرب إلى المرأة لا يمكن ان تكون الا الجنس، والجنس الشديد ايضاً. في هذا انشدت جارية:
    لا ينفع الجارية الخضاب/ ولا الوشاحات ولا الجلباب
    ولا الدنانير ولا الثياب/ من دون ما تصفق الركاب
    ويروى ان رجلاً يدعى العباس كان متزوجاً وكانت زوجته تأبى التقرب منه لأنه لا يعجبها في الجمال. فشكى حاله الى أحد الحكماء فقال له الأخير “ان النساء دينهنّ في فروجهنّ”، ثم وصف له دواء يعظّم العضو، وكانت وصفته نافعة. فبعدما استعجبت زوجة الرجل مما آل اليه زوجها، أحبته و”أعطته مالها وملّكته نفسها وجميع اثاثها”. هذه الرواية توضح فهم العرب لطرق التقرّب إلى المرأة والتي اعتبروها حصرية، كامنة في قدرة الرجل على النكاح الشديد. وفي هذا الصدد أيضاً يروى ان رجلاً اختلف مع زوجته، ولمصالحتها تقارب منها لغرض الجماع فقالت له: “جئتني بشفيع لا استطيع ردّه”.
    كان الرجال العرب يعتقدون أن لا قدرة للرجل على مجاراة شبقية المرأة، وتسرّبت هذه النظرة الى دائرة المفتين ايضاً. فقد قال رجل للشعبي: ما تقول في امرأة تقول لزوجها إذا وطئها قتلتني أوجعتني؟ فقال يقتلها بذلك وديّتها في عنقي. وفي هذا الجواب يظهر تصور المرأة التي لا يستطيع الرجل مجاراتها في “مجالها الحيوي” اي الجنس. ومبتغى الرجل “ملء جراب المرأة” وخوفه يكمن في قيامها فارغة الجراب، على ما أنشد ابو حكيمة في التي لا تصل الى مرادها من مجامعة الرجل:
    أتت بجرابها تكتال فيه/ فقامت وهي فارغة الجراب.
    فالمرأة المتصوّرة شديدة الشبق والباعثة لخوف الرجال، كانت تحتلّ وظيفة ملجأ الرجال الى فهم النساء. فقد كانت المرأة هي الرسول الأفضل بين الرجال والنساء لأنها أدرى بأسرار النساء، ومن هنا يظهر فضلها. اي ان علاقة الرجل بامرأة تمر عبر امرأة. فقد كانت مهنة القيادة من فنون النساء وبخاصة العجائز منهنّ، وهذا يدلل على أن العرب شعروا بأنه لا يفهم المرأة إلا امرأة اخرى تفوقها خبرة. من هنا أطلقوا على القوادة لقب “ام الحكيم”، لأنها تسهّل الصعاب وتقرّب البعيد. وفي هذا قال الشاعر:
    إذا أردت يا أخي عتادة/ من الغواني صعبة المقادة
    فأرسل لها عجوزة قوّادة/ أدبّ في الظلماء من جرادة
    قد انحلّت من شدة العبادة/ تولج في جبهتها سجّادة
    كالحسن البصري او قتادة/ في يدها سبحتها الصيادة
    إذاً كانت النظرة الى المرأة نظرة رسول قادر على تحقيق الصعاب بما تمتلكه من حكمة وأساليب خاصة، وقد امتدحها عمر بن ابي ربيعة في قصيدة جاء فيها:
    فأتتها طيّة عالمة/ تخلط الجد مراراً باللعب
    ترفع الصورة إذا لانت لها/ وتراخي عند سورات الغضب
    وروي أن ابي عتيق قال عند سماعه هذه الابيات: الناس في طلب خليفة مثل هذه القوادة منذ قتل عثمان لم يقدروا عليه. وفي هذا التعليق دلالة على حكمة اختصّت بها امرأة وعجز الرجال عن الوصول اليها.
    على رغم هذا الخوف الواضح، لم يعتكف الرجل العربي عن حب الجنس، فقد اقام في مديح شبقه اشعاراً وتسابيح وحمدلات لما يثير شبقه.
    الحمدلة الشبقية
    في شبقية الرجل العربي ومواضع اثارته ما يدفعه الى حمد الله على حكمته وحسن تصويره لخلقه ورغباتهم. هذا الحمد الجريء لم نعد نجده راهناً في الكتب المؤلفة من علماء دين، وقد كانت تأتي في السياق ذاته مع ذكر الخوف من الله وطاعة رسوله.
    يبدأ الشيخ النفزاوي كتابه “الروض العاطر في نزهة الخاطر” بالصيغة الآتية: “الحمد لله الذي جعل اللذة الكبرى للرجال في فروج النساء وجعلها للنساء في (…) الرجال فإذا اتصل هذا بهذا وقع الكفاح والنطاح وشديد القتال وقربت الشهوتان بالتقاء العانتين وأخذ الرجل في الدكّ والمرأة في الهزّ وجعل لذة التقبيل في الفم والوجنتين والرقبة والضم إلى الصدر ومص الشفة الطرية… الحكيم الذي زيّن بحكمته صدور النساء بالنهود والرقبة بالقبلة والوجنتين بالخرص والدلال… وأمد الافخاذ من تحت ذلك وجعل بينهن خلقة هائلة شبيهة برأس الأسد في العرض إذا كان ملحماً… واشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله سيد الإرسال”.
    وبشكل مشابه يبدأ كتاب “الايضاح في علم النكاح” المنسوب الى السيوطي وعبد الرحمن بن نصر الشيرازي بالصيغة الآتية: “الحمد لله الذي زيّن الأبكار بالنهود في الصدور وجعل سيقان النساء مساطباً لأعياد الذكور… الذي أجاز… جمع الأكتاف بين يديه ومص الشفة بشفتيه وجعل نهد المرأة تحت نهديه وفخذ المرأة على فخذيه… وهزّها هزاً ظريفاً وعانقها عناقاً عنيفاً، فاستفيقوا رحمكم الله لهذه اللذة اللطيفة، وطوبى لمن لطم خداً أسيلاً وضمّ خصراً نحيلاً… واوصيكم عباد الله أنا وإياكم بتقوى الله وطاعته وأحذركم من عصيانه ومخالفة أوامره وامركم بالصلاة والسلام على نبيكم… إنكحوا من البيض الطوال ومن السمر القصار ومن عندها غنج وشهيق.. وإياكم والرضيعة، ومن تكن من المنظر شنيعة ومن يكن في يديها او رجليها عروق فهي كالكلبة التي تنبح في السوق… فأي امرأة… إذا فحّت بالشهيق والغنج الرقيق فإنه يحبها العدو والصديق”.
    يعكس هذان النصّان تصوّرات الرجل العربي الشبقية، ويظهر فيهما أن الرجل هو دائماً في حالة الفاعل التي تتوافق مع السيطرة الاجتماعية الذكورية. وتظهر فيهما جرأة بتنا نفتقدها راهناً، وخصوصاً أن المحذوفات المعبّر عنها بنقاط ثلاث والواردة بكثرة في هذين المقطعين تختزن جملاً وتعابير شديدة الفحش. والمهم فيهما هو اقتران الحمدلة الشبقية بباقي صيغ الطاعة الدينية، فمديح تزيين الصدور بالنهود وغيره، وحمد الله عليها يأتي في سياق الإيصاء بطاعة الله وبالصلاة على رسوله. وهذا الذكر في سياق موحد لا يمكن أن نجده في الكتابات الدينية المعاصرة التي تحاول ستر كل ما يتعلق بالجنس وبالشهوة فيصبح مسكوتاً عنه.
    تحاول الاخلاقيات المعاصرة في جانبها الديني ستر الخطاب الشبقي وتحيل الجنس على مسألة واجب هادف إلى الحد من الشبق المحرّم، فدائرة الشبق التي ترسمها راهناً هي دائرة المحرم نفسه. لا يمكن أن نقع في الكتابات الدينية المعاصرة على صيغ تحذر من المرأة التي تبرز فيها العروق ومن نكاحها لأنها “كالكلبة التي تنبح في السوق”. إذ هناك محاولات لفصل الفعل الجنسي عن الدائرة الشبقية المستبعدة. ليس المهم هو المثال المضروب هذا، اي المرأة ذات العروق، لكن المهم هو ما يختزنه هذا المثال من ربط بين المثير جنسياً والنكاح. إنه خطاب صريح لا يهدف الى التعمية وإدعاء ربط الجنس بأخلاق المرأة الفاضلة على رغم أن الجنس المقصود في هذين النصين يقصد منه الذي يحصل في إطار العلاقات الزوجية الشرعية طالما أن هذين النصين لعالمَي دين.
    هناك روايات كثيرة في الكتب التراثية تدلل على تفضيل عدم تعقيد مسألة الجنس. وأخرى كثيرة تربط بين الجنس والشبق لا بين الجنس والاخلاق الفاضلة.
    المرأة الكاملة
    تربط الخطب الشبقية العربية بين الشبق وأجزاء جسد المرأة. فهناك تحديدات دقيقة لما على المرأة أن تتمتع به من أجزاء تشكل “المرأة الكاملة” أي المرأة المتخيلة كمحرّكة للشبق الأقصى. وهناك كثير من المشتركات في خطب كهذه يمكن أن نستخلص منها ما يثير الرجل العربي في المرأة.
    وصف الحارث طبيب العرب لكسرى انوشران أحسن النساء بأنها تلك “مديدة القامة عظيمة الهامة واسعة الجبين ثابتة العينين بيضاء صافية الخد مثبوتة القد مليحة النحر طيبة المبسم عظيمة الأرداف واسعة الأكتاف صغيرة الفم والقدمين ذات إنعطاف ولين كأنها من الحور العين”. يلخّص هذا الوصف الجماليات العربية ويمكن أن نضيف عليه عدم بروز السرة فالممدوح منها هي ما تشبه الكأس وعظم النهدين فالحد الأدنى يجب أن يكون كرمانة وإمتلاء البطن فالبطن الممدوحة هي ذات الطيّات.
    استخلص العرب ميزات انتروبولوجية للمرأة المحركة للشبق، فالروميات أظهر ارحاماً والأندلسيات أطيب ريحاً والزنجيات والحبشيات أطيب نكهة والبغداديات أجلب شهوة للرجال والشاميات اودّ للرجال والفارسيات والعربيات أحسن عشرة والنوبيات اسخن والمغربيات أشد محبة والحلبيات أصلب ارحاماً والمصريات أرق طبعاً. وثمة ميزات بحسب الأجناس ترتبط مباشرة بالفعل الجنسي، فهناك إطناب للغنجة اليمانية والشهقة الحبشية والسخونة السودانية ولعنق الشركسية والحذاقة المصرية وشخير الصعيدية.
    والمرأة الممتنعة مذمومة، فقد روي عن ابليس أنه قال: “الجيدة تأتي يوم القيامة راكبة على ظهر دب والعرق منها يصب ومنادٍ ينادي لها هذا جزاك يا من اعتكفت… أما ال فانها تأتي يوم القيامة راكبة على ظهر مهرة وعليها حلة خضراء ومنادٍ ينادي لها ادخلي الجنة لكثرة ما عندك من الشفقة والحنان يا من لا خليتي ولا بقيتي في قلب من قصدك حسرة”.
    وفي علاقة الجنس والمرأة والعمر، روى ابو الفرج في كتابه “النساء” عن عمر بن الخطاب أنه قال: بنت عشر سنين تشمس وتلين، وبنت عشرين تسر الناظرين، وبنت ثلاثين لذة للمعانقين، وبنت أربعين ذات رخاوة ولين، وبنت خمسين ذات بنات وبنين، وبنت ستين عجوز من الغابرين.
    حاول العرب فهم النساء وطبائعهن باختلاف المعايير واهتموا بشكل خاص بما يثير المرأة وبما يقرّب لذتها من لذة الرجل، كما اهتموا أيضاً بالوسائل التي تمكن المرأة من إعطاء السعادة الحسية للرجل. ولكن الشبق العربي لم يقتصر موضوعه على العلاقات “الطبيعية” بين الرجال والنساء. فهناك أحاديث مطوّلة تدخل في دائرة المثلية الجنسية وإن كان هذا المفهوم لا يرد طبعاً عند العرب نظراً الى حداثته.
    أعطى العرب أهمية كبرى للتصرفات الممهدة للفعل الجنسي، إذ اعتبروا أن مباشرته دون مقدمات هي من قبيل تصرفات الحيوانات. لذلك نجد أن هناك أدباً خاصاً بالملاعبة لا يبدأ بالتقبيل ولا ينتهي بالعضّ.
    أدب الملاعبة
    يهدف الحديث عن الملاعبة قبل إتيان الفعل الجنسي إلى التهيئة للفعل نفسه، فقد أولى العرب الإنسجام الجنسي أهمية فائقة ولذلك امتدحوا كثيراً العلاقات الجنسية التي تكون نتيجتها تزامن وصول الرجل والمرأة الى قمة اللذة. وقد روي عن رسول الله أنه كان يلاعب أهله ويقبلها. وقد روي عن ابي داوود في سننه “أنه صلعم كان يقبل عائشة ويمص لسانها”. ويذكر عن جابر بن عبد الله أنه قال: “نهى رسول الله صلعم عن المواقعة قبل الملاعبة”.
    وحث صاحب كتاب “الإيضاح في علم النكاح” الرجل على ملاعبة المرأة قبل وطئها وأوصاه بأن “يبس مرفقيها قبل أن يعانقها ويقرض على مفاصلها قبل أن يواصلها ويكثر من مهارشتها” كما أعطى نصائح أخرى للمرأة قائلاً انه “يجب على المرأة الترفّق والتذلل وتغميض الجفون وإرخاء المفاصل من غير جمود ولا حركة وترقيق الكلام عند المخاطبة للرجل بما يحب وتارة تزيده وتارة تشجعه برفق صوتها وترقيق غنجها”. وهناك أدب زاخر بوصف المواضع التي يجب تقبيل المرأة بها وتلك التي يستحسن عضها بها. بالإضافة الى حث الرجل على ملاعبة المرأة قبل مجامعتها، هناك ايضاً وصايا للمرأة نفسها تهدف الى زيادة شهوة الرجل. فقد أوصت إحدى النساء ابنتها التي تتهيأ للزواج بالغنج قائلة لها:
    وإن أتاك عاشقاً ومتيماً/ فتلطفي فالقلب لا يسلاك
    واشهقي واغنجي بلطافة/ فإنهم لا يعشقون سواك
    وإذا تسامعت الرجال بغنجك/ يترحمون على الذي ربّاك
    هناك إذاً اهمية فائقة خصّها العرب للتهيئة للجماع ولإيصال الفعل الجنسي الى ذروة هدفه وكانوا يوصون بعدم طلب الجنس من المرأة في اللقاء الاول بها. واهتم العرب بعنصر القابلية على الجماع، فكانت من عادة نسائهم في اول ليلة عرس أن تمنع زوجها من افتضاضها أشد المنع. وربما في هذا حكمة تهدف الى التعوّد الحسي بين الزوجين وتقبلهما احدهما للآخر. وكان إذا تم لها ذلك قالوا باتت بليلة حرّة. وفي هذا انشد النابغة الذبياني:
    شمس، موانع كل ليلة حرّة/ يخلفن ظنّ الفاحش المغيار
    اما إذا غلبها الرجل فيقولون: باتت بليلة شيباء او شئباء. وفي هذا أنشد عروة بن الورد:
    كليلة شيباء التي لست ناسياً/ وليلتنا إذ منّ ما منّ قرمل
    وفي فن الملاعبة هذا دلالة على مكانة الجسد المهمة عند العرب، على خلاف بعض المحدثين الذين يوصون بالجماع في العتمة وتحت الأغطية، وهذه المكانة أبرزها مالك في إحدى فتاويه إذ اعتبر أنه لا بأس أن ينظر الرجل الى الفرج في الجماع وكذلك أن يلحسه بلسانه.
    وضعيات
    الى الملاعبة، فقد كان للعرب ايضاً فنونهم في ما يخص الوضعيات الجنسية. نجد في التراث العربي ما يمكن ان نسمّيه كاماسوترا عربية، والكاماسوترا هي فنّ الحب الذي يصف وضعيات متعددة للفعل الجنسي. وعلى رغم ذلك فإن هناك وضعية مفضلة عند الرجال العرب لأنها تتلاءم أكثر من غيرها مع ثقافتهم الذكورية، وهي في استلقاء المرأة على الفراش الوطيئة وعلو الرجل عليها ففي هذه الوضعية تكون اللذة القصوى للفاعل. يقول ابن قيّم الجوزية في كتابه “الطب النبوي” إن احسن أشكال الجماع: أن يعلو الرجل المرأة مستفرشاً لها بعد الملاعبة والقبلة وبهذا سميت المرأة فراشاً… وهذا من تمام قوامية الرجل على المرأة… وأردأ أشكاله: أن تعلوه المرأة ويجامعها على ظهره. وهو خلاف الشكل الطبيعي”. وفي هذا الشكل بروز واضح للذكورية التي تأبى الا ان تمتد الى الفعل الجنسي نفسه بما يعطي الرجل صفة الفاعلية. ويعبر ابن قيّم الجوزية عن هذا التصور بشكل واضح عندما يقول “ان المرأة مفعول بها طبعاً وشرعاً، وإذا كانت فاعلة خالفت مقتضى الطبع والشرع”. وقد انشأ العرب تصورات طبية لتبرير تفضيلهم وضعية الرجل الذي يجب ان يعلو المرأة حين نكاحها. وفي هذا الصدد يقول الشيخ النفزاوي للرجل في كتابه “الروض العاطر في نزهة الخاطر”: “وإياك أن تطلعها عليك فإني أخاف عليك من مائها ودخوله في احليلك فإن ذلك يورث الفتق والحصى”.
    على رغم هذا التفضيل، عرف العرب وضعيات عديدة للممارسة الجنسية. وقد احصى إبن كمال باشا في كتابه “رجوع الشيخ الى صباه في القوة على الباه” ستين وضعية مماثلة بالاضافة الى ستة عشر باباً مخصصة لوطء المرأة من الخلف أي “في غير موضعه”. واللافت في احصائه هذا ان وصف هذه الوضعيات أوصلته اليه احدى النساء الخبيرات في فنون الجماع. وهذه الحال، اي الخبرة النسائية في الوضعيات، تدلل على أن هناك كاماسوترا عربية. والكاماسوترا تنشأ في المجتمعات التي تعرف تعددية الزوجات بحيث يجب على المرأة أن تتعلم فنوناً في الحب لإرضاء زوجها وحصر علاقته بها.
    هذا عن النساء، ولكن الشبق العربي لم يكن منغلقاً في الاطار “الطبيعي” أي في حصرية العلاقة بين نساء ورجال. اللواطة عند العرب
    كانت اللواطة منتشرة عند العرب ولم تكن صورتها كما هي في ذهننا اليوم، فلم تكن اطاراً لتصنيف بعض الرجال في فئات ذات رغبة متمحورة حول المثيل، بل ممارسة غالباً ما كانت تجتمع مع ممارسات أخرى بين المتغايرين.
    تكثر الروايات التراثية حول ممارسة اللواطة عند العرب، فقد نظم كبار الشعراء قصائد في هذا الباب. روي عن يحيى بن أكثم انه رأى جماعة من صباح الغلمان في دار المأمون فقال: لولا انتم لكنا مؤمنين. يحيى بن اكثم شخصية محورية في هذا الصدد وقد انشد فيه ابو نواس:
    أنا الماجن اللوطي ديني واحد/ وإني في كسب المعاصي لراغب
    أدين بدين الشيخ يحي بن اكثم/ واني لمن يهوى الزنى لمجانب.
    كان الغلمان جزءاً اساسياً من ثقافة اللذة عند العرب. فقد قيل لأبي مسلم صاحب الدولة: ما ألذ العيش؟ قال طعام اهبر، ومدام اصفر، وغلام احور. وفي هذا أنشد الشاعر:
    إنما الدنيا طعام/ ومدام وغلام
    فإذا فاتك هذا/ فعلى الدنيا السلام.
    وكان اللواط منتشراً بكثرة في العصر العباسي حيث كان له اسواق. وقد روي أن غلاماً من حمص فرّ إلى بغداد، وفيها رأى كثرة الإجارة فمارس البغاء. وعندما راسلته امه لاسترداده بهدف عمارة طاحونة له بحمص، كتب اليها: يا اماه إن استاً بالعراق خير من طاحونة بحمص. فطلب الغلمان كان سبيلاً لكثير من اركان الثقافة العربية. واشتهر ابو نواس بحبه للغلمان، وعندما قيل له مرة زوّجك الله الحور العين أجاب بأنه ليس بصاحب نساء بل الولدان المخلدين. وقد امتدح في شعره قوم لوط إذ انشد لأبي عبيدة النحوي وهو محب آخر للغلمان:
    صلى الله على لوط وشيعته/ أبا عبيدة قل بالله: آمينا
    لأنت عندي بلا شك زعيمهم/ منذ احتلمت ومذ جاوزت ستينا
    وضع بعض العرب امثالاً في اهمية الغلمان، فقد قال بعضهم: الغلام استطاعة المعتزلة لانه يصلح للضدين، يفعل ويُفعل به، والمرأة استطاعة المجبرة لا تصلح الا لأحد الضدين. وهنا نقل للمناقشات الكلامية الى ميدان اللواطة! وكانت التشبيهات بين اللواطة والقيم العربية الممدوحة سبيلاً دفاعياً امام ممارسي هذا النوع من الجنس، ومنها الكرم، فقد انشد البحتري إلى صديق عاتبه لأنه تعرّض لغلامه قصيدة جاء فيها:
    إذا اردت ان تمنع النا/ س ورود الفرات كنت بغيضا
    والغلام المستحب لإقامة علاقة جنسية معه كان الغلام الأمرد اي الذي لم تنبت لحيته بعد. ولكن البعض كان لا يمانع في الغلمان الملتحين. فقد دافع ابو تمام مثلاً عن لوط الملتحي قائلاً:
    قال الوشاة: بدت في الخد لحيته/ فقلت: لا تكثروا ما ذاك عائبه
    الحسن منه على ما كنت اعهده/ والشعر حرز له ممن يطالبه
    ولكن الحالة العامة كانت في التوجه الى المردان، فكما قال ابن ابي البغل:
    وإلا فالصغار ألذّ طعماً/ وأحلى إن اردت بهم فعالا
    إضافة الى حديث التفضيلات، هناك قصائد كثيرة في مراودة الغلمان عن انفسهم ومنها لأبن الرومي الذي انشد قصيدة طويلة جاء فيها:
    يا طيب الثغر والمجاجة/ إقض لنا حاجة بحاجة…
    فإنما حاجتي اليكم/ حاجة ديك إلى دجاجة
    وكانت هناك ممارسات اخرى تحاول الجمع بين مجامعة الأنثى والذكر في فعل جنسي واحد، وذلك بالتوسط بين امرأة من تحت ورجل من فوق. وفي باب الإشتراك الذي كان يسمّى “العيارة” أنشد اليعقوبي:
    وأعير من يدنو إلي صبابة/ وأبيت بين غلامة وغلام
    وفيه أنشد الخبزارزي:
    اتنشط للوصل يا سيدي/ فإن الحبيب له قد نشط
    احب اجتماعكم في الهوى/ عسى الله يصنع لي في الوسط
    الممارسات الجنسية التي تأتي “في غير موضعها” كثيرة عند العرب، وإلى جانب اللواطة كانت هناك “اللوطية الصغرى”، وهي كناية عن وطء الرجل للمرأة في دبرها. وهذا من المحرمات عند معظم المسلمين. فقد روي عن رسول الله في سنن ابي داوود انه قال: “ملعون من اتى المرأة في دبرها” وفي مسند احمد: “لا ينظر الله الى رجل جامع امرأته في دبرها”. وقد قال النبي عن هذا النوع من الممارسة الجنسية أنها “تللك اللوطية الصغرى”. على رغم هذا فإن بعض الفقهاء ومنهم مالك، حللها مستنداً الى الآية القرآنية التي تقول “نساؤكم حرث لكم، فأتوا حرثكم أنّى شئتم”. أما مخالفو مالك فإنهم يعطون تفسيراً آخر لهذه الآية، ففي رأيهم أنها نزلت لدحض انتقاد يهود شبه الجزيرة العربية لممارسة كانت سائدة عند العرب الذين يأتون نساءهم من دبرهن في قبلهن، أي ان الآية تحلل وطء المرأة وهي منبسطة على بطنها، ويؤكدون هذا التفسير يإيراد آية “فأتوهن من حيث امركم الله”.
    عليه كان المالكيون يمارسون هذا النوع من الجنس الذي أجازه مالك، وقد بات تعبير “المالكية” نعتاً. فقد كان يقال “هي مالكية” كناية عن المرأة المشتهية لوطئها في دبرها. وكان فهم الدين على طريقة مالك حجة لممارسي هذا الجنس. وفي هذا انشد همام القاضي في امرأة لقيها على “غير موعد” ثم “تقنّصها”، جاء فيها:
    قلت لها لمّا استمر حديثها/ ونفسي إلى أشياء منها تطلّع
    أبيني لنا هل تؤمنين بمالك؟/ فإني بحب المالكية مولع
    فقالت: نعم إني أدين بدينه/ ومذهبه عدل لديّ ومقنع
    فبتنا إلى الإصباح ندعو لمالك/ ونؤثر فتياه إحتساباً ونتبع
    السحاق عند العرب
    عرفت المجتمعات العربية السحاق، وقيل ان هذه الممارسة قديمة وتعود الى العصر الجاهلي وإن اول من قام بها هي ابنة الحسن اليماني التي شغفت بهند امرأة النعمان بن المنذر، كما شغفت الثانية بالاولى فأصبحتا سحاقيتين. وعظمت العلاقة الى درجة انه لما ماتت ابنة الحسن اليماني اعتكفت هند على قبرها. وينشد الفرزدق شعراً يذكر هذه الحادثة معتبراً اياها رمزاً للوفاء:
    للوفاء:
    وفيت بعهد كان منك تكرماً/ كما لإبنة الحسن اليماني وفت لهند
    وهناك أشعار عديدة لنساء تمدح السحاق وأهميته. فقالت إحداهن لأختها التي ترغب في الرجال:
    فما تهتك الاسرار منا قوابل/ يرين مصوناً ليس كشفة بالسهل
    ولا نحن مثل الشاة نرضع اعنقاً/ ولا مسّنا بؤس بتربية الطفل
    وكانت بعض سحاقيات البصرة يرددن قصيدة فيها:
    ضعي الهنّ على الهنّ/ ولا تستعملي المردي
    فذا احلى وذا اشهى/ من القائم كالوتد
    ولكن كما اللواطة، لم يكن السحاق معتبراً كرغبة حصرية بالمماثل، فكانت ممارسة لنساء تجمعن معها الجماع مع الرجال. وقد روي انه قيل لامرأة: ما تقولين في السحق؟ فقالت انه التيمم لا يجوز الا عند عدم الماء. وروي ان رجلاً نظر الى جارية على سطح تساحق، فرمى نفسه فوقها فقالت: جاء الحق وزهق الباطل. بالطبع تعبق رائحة ذكورية في هذه الروايات.
    بين الشبق والدين
    استخدم العرب بكثرة في خطبهم الشبقية صيغاً فيها تهكم على الاخلاقيات الدينية وعلى بعض رجال الدين البارزين، واخرى تشبّه العلاقات المحرّمة بإحدى الفضائل التي يدعو اليها القرآن. فقال أحد الشعراء :
    افيضوا على عزابكم بنسائكم/ فما في كتاب الله ان يحرم الفضل
    إن للحرام لذة لا يمنحها الحلال عند بعض العرب. قيل لمحمد بن زياد: انفقت على جارية فلان خمسة آلاف دينار وكان يمكنك ان تحصلها شراءً بألف دينار! فقال يا احمق وأين شهوة الدبيب ولذة المسارقة والانتظار الخفي؟ واين برد الحلال وفتوره من حرارة الحرام؟
    اما بعض الشعراء فذهبوا بعيداً في هذا المذهب ومنهم المتنبي الذي فضل في أحد اشعاره القبلات على التوحيد بقوله.
    يترشفن من فمي رشفات/ هن فيه احلى من التوحيد
    وكذلك فعل ابو نواس بتفضيله الجنس على “خرافات الدين”:
    أأترك لذة الصهباء نقداً/ لما وعدوه من لبن وخمر
    حياة ثم موت ثم بعث/ حديث خرافة ام عمرو
    هذا الشطط لم يكن شرطاً لمن اراد ايلاء الجسد اهمية كبرى كمادة شبقية فهناك محاولات عديدة لربط الجسد والشبق بالدين. وهذا الربط ذو دلالات مهمة كون الجسد والشبق يحتلان في مقاربة كهذه حيزاً اجتماعياً ضرورياً إلى جانب الدين. وفي هذا المجال ذكر الشيخ النفزاوي أن تلاوة القرآن تحفز على الجماع. وكذلك فعل صاحب كتاب “جوامع اللذة” إذ أورد انه “حدث ابو طالب البهلول بإسناد له طويل يرفعه الى خالد بن معدان قال: من اكثر من تلاوة القرآن كثر جماعه”. ويرى الامام الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين” أن في اللذة الجنسية حكمة الهية تهدف إلى تمكين الانسان من الاقتراب الحسي من لذة الجنة.
    استعادة الجسد؟
    ارتكز خطاب العرب الشبقي على مجموعة مفاهيم وتصورات ترتبط بالجسد ارتباطاً وثيقاً. فالجسد لم يكن موضوعاً مسكوتاً عنه بل كان ركناً اساسياً في الثقافة العربية، اعطاه الغزالي بعداً لا نهائياً من خلال ربطه اللذة الجنسية بلذة جنات النعيم، على عكس المحاولات الراهنة لستر الجسد وحجبه داخل نقاب من الألبسة والمفاهيم، التي يتجرأ بعضها على التوصية بعدم ملامسة جسد المرأة اذا امكن النظر الى بعض اجزائه!
    امام هذا الظلام الذي يحاول حجب الجسد هناك مبادرات لفضح ثقافة ذمّ الجسد، والحط من قدرها، وآخرها مشروع “مجلة جسد” التي تهدف كما تعلن الى “كسر اغلال التابو”، انطلاقاً من أن “هناك معبداً وحيداً حقيقياً على هذه الارض هو جسد الانسان، على ما كتب يوماً الشاعر الالماني نوفاليس، لتقول طقوس هذا المعبد وفلسفته وصلواته، ارضه وكواليسه واسراره، جنونه وفجوره وهلوساته، حقائقه وأقنعته وأكاذيبه، صوره وظلاله وتجلياته، الجميلة منها والبشعة، الملموسة والمجردة،الحسية والروحانية على السواء”. وفي هذه المبادرات حديث آخر
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..