نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

فاضل سالم - نصف الساعة الثاني..

  1. الساعة تجاوزت نصفها الاول... عقاربها الان في بداية نصفها الثاني
    أمر طبيعي.. هكذا هو الحال في كل يوم.
    اشعر بالرعب كلما نظرت الى الساعة و يتاعظم رعبي كلما وجدت عقاربها في النص الثاني
    ليس في ألامرغرابة أن قلت انا الان في نصف عمري الثاني تماما كالساعة !!في بداية عمري كانت المسافة التي تفصل بين رأسي وقدمي لاتتجاوزالاربعين سنتمتراً أو ربما اقل والان لما دخلت نصف عمري الثاني اشعر ان المسافة بينهما صارت شاسعة مترا وسبعين سنتمتراً (نعم) قد تزداد بمرور الايام أو ربما تتضائل أو تبقى على ماهو عليه الان
    اشعر وكأنني دمية !! مثل تلك الدمى التي اشاهدها في المسارح يحركها كف انسان.. ابتسامة عريضة أو حزن عميق لم تتغير اطلاقا فوجه الدمية واحد لايمكنه الضحك ان كان حزينا كذلك لو حصل العكس.
    ماذا تشعر الان ؟
    دمية !!
    الدمى لاتبتسم !!
    الدمى لاتحزن !!
    الساعة مازالت في نصفها الثاني كلما تقدمت خطوة كانت أشعة الشمس تضيف عرقا جديدا على عرق ملابسي القديم الاسفلت يذوب تحت قدميّ وما لرجل في نصف عمره الثاني غير التجوال في الشوارع الملتهبة. لاادري لماذا ينتابني شعور غريب عندما تدخل الساعة نصفها الثاني اشعر وكأن الشوارع قد سأمت الانسان ليس الان بل منذ زمن بعيد قد تلقي به في المزابل
    ها!! من جديد إنه الصبي بقدميه العاريتين يقتلع الشارع من تحتهما وهو يدخل الفرع المجاور للمقهى حيث وقفت نسوة عند عتبة دار احد البيوت لأاسمع غير الصراخ الذي اعتدت سماعة منذأن كانت المسافة التي تفصل راسي عن قدمي اربعين سنتمتراً
    حرارة الشمس اجبرت الصبي على أن يلوذ بظل والدته أما انا فقد دخلت المقهى
    الذي إعتدت على إتخاذه محطة استراحة حتى وان كنت فارغا
    كان جدارا بشريا يسد علي الطريق، اصوات تتعالى، كلما نفث احد دخان سيجارته تبعه آخر بزفير من دخان، ايقاع صاخب لقرقرة(النارجيلات)
    من جديد وبعد ان وضع كتابه جانبا وهو ينظر الي من وراء نظارته قائلا:
    ((لأول مرة
    في حديقة الحيوانات
    ولدي يراقب الناس))
    حافظت على صمتي لأني لم اعرف مايقصده مكتفيا بايماءة لاتعني شيئا لعلها تعني له شيئا من الغباء، لم اتبين المسافة التي تفصل بين رأسه وقدميه الا ان كلامه يدل على انها متوقفة منذ زمن بعيد
    آ...هذا لايعني علمي بالهندسة لكنها التجربة فعندما جئت لهذه الدنيا كانت المسافة بين راسي وقدمي لاتتجاوز الاربعين سنتمترً صارت بمرور السنين تتسع وصلت حتى هذه الساعة الى 170 سنتمتراً قضيت منها 40 سنتمتراً في الجيش وهي نفس قياسات يوم ولادتي!! 40 سنتمتراً من الدمار والخوف
    بدأت الكتل البشرية بالذوبان مع ارتفاع درجات الحرارة تاركة ثغرة لمحت من خلالها صاحب المقهى وهو في فورة غضب تزداد كلما حاول احدهم تهدئته.
    رغم كل هذه الفوضى التي عمت المكان جلس جندي على اريكة غير مكترث بما يحدث اعلم كم تبلغ المسافة بين قبعته العسكرية وحذائه لاني كنت مثله يوماً ما
    الاريكة التي جلس عليها تحول لونها الى لون ترابي بفعل غبار الاتربة المتراكم ولعله المكان المفضل لجندي يمط شفتيه مرددا كلمات مبهمه أظن انها (طالعلك يعدوي طالع) وهو يمتع نظره بمشاهدة فيلم (لوليتا) من خلال شاشة التلفاز




    وسخ ! قذر! اهمال ! فوضى ! غير معقول !
    صاح صاحب المقهى باعلى صوته وهو يجر اذن الصانع بينما توسطهما أحد الزبائن محاولاً اعادة المقهى الى هدوئه المعهود
    بدأت القدور المملوءة بالماء بالفوران مثل صاحب المقهى وراحت تطلق العنان لبخارها الذي تصاعد مفرقا مستعمرات العناكب التي تنعم بالراحة وسط شباكها الرمادية عند سقف المقهى (القواري) بدأت ايضا بعويلها وهي تنفث بخارها على زجاج نافذة المقهى.
    فاجأ صاحب المقهى الجميع وراح يصفع الصانع صفعات عنيفة تردد صداها في فضاء المقهى
    هنالك عويل تناهى الى سمعي مصدره النسوة والاطفال
    دخل موكب الجنازة الى الفرع المجاور وكان الجميع من حوله يرسم الحزن عنوة على وجهه
    اما الصبي فقد تجاهل كل شئ وقد دفعه فضوله لمعرفة مايحدث داخل المقهى ضاغطا بوجهه وراحة يديه على زجاج احدى نوافذ المقهى.
    جلست على اريكة قريبة من باب المقهى والتي اطلقت صريرا عندما وطأتها
    الطاولة التي امامي استقطبت الذباب من كل مكان وهو يتراقص على اثار اقداح الشاي الدائرية اثارتني المسافة التي لمحتها على عجل المسافة الفاصلة بين راس الصبي وقدميه مسافة رائعة.. بريئة
    من السذاجة المقارنة بين المسافة التي تفصل بين رأس الذبابة وقدميها وبين المسافة بين قدم ورأس الانسان، لااعلم تماما كم يبلغ معدل حياة الذبابة وقد اصدر حكما خاطئا لكني لااخطئ ابدا عندما انظر الى أي انسان (ببساطة) لايفهم الانسان من حياته شئ وسط صراع الحضارات والصراعات الازلية بين البشر الحروب، الدمار صراع دائري يتعاظم بسرعة فائقة.
    اثناء قراءة والدة لوليتا لمذكرات زوجها الذي كان مغرما بلوليتا ذات المسافة (؟) امتدت يد صاحب المقهى مبددة احلام الجندي وهي تغلق التلفاز
    بأي طريقة اعاقبك.. مهزلة.. قذارة..كل شئ قذر. اخرج !!
    مع هذه الكلمات خرج الصانع وهو يقول
    انتهت المهزلة !!!!
    ايقنت ان شيئا ما سيحدث فكرت بالخروج انا ايضا بعد انتهاء المهزلة
    نظر اليّ من جديد وهو يمسح نظارته بمنديل واضعا كتابه على فخذه وقال
    ((استسلمت
    صف الاسنان هو.. هو
    الابتسامة لا))
    خرجت في الحال مع ايماءة من رأسي قد تعني شيئا هذه المرة بالنسبة له إلا انها لاتعني لي شيئا
    من جديد خرجت الى الشوارع الملتهبة حيث جلس الصانع عند عتبة المقهى يلعن حظه ودموعه تتساقط ممزوجة بعرق جبينه نظرت نحوه فخرجت من فمي كلمات لاارادية
    كم تبلغ المسافة بين رأسك وقدميك ؟
    نظر الي بوجه باكي وقال
    انها مهزلة !!!!!
    بدأت الشمس باعطاء الايعاز للعرق للخروج من مسامات جسمي بعد ان تمتع باستراحة قصيرة
    فكرت بطرح السؤال من جديد لكن الصانع ابتسم بوجهي وكأنها كانت جوابا مقنعا
    اول خطوة خطوتها بلغت اربعين سنتمتراً
    نظرت الى ساعتي
    آ... انها متوقفة عند نصفها الثاني.
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..