حيدر عاشور - حليب مريم.. قصة قصيرة

الحياة حين تضع ممتلكاتها تحت هيمنة القضاء والقدر، ما هي إلا امتحان رباني يوجع القلوب الفقيرة، في كل الظروف وفي نفس الوقت هناك سبب أو مسبب للأحداث المؤلمة تجعل من قدرات الإنسان في أوج عظمتها وأحيانا تجعله هائما وسط قسوة الزمن الذي يعيشه... وضعه البائس وهو جالس على حافة نهر دجلة يفكر بحبيبته التي قاتل على أن يتزوجها لتكون أم أولاده وروحه الثانية... امتثل وتشبث بالقيم الإيمانية ودعوات وزيارة الأئمة وروحانيين ممن يقرؤون الطالع ويعملون الحجاب للشفاء والحسد والرزق وإنجاب الأولاد ،فلم يحصل على مراده ,وغايته الكبرى شفاء زوجته ... لماذا الفقير يطول امتحانه الرباني وسط هذه الزحمة من الطرق الشائكة التي يصنعها القدر على بلاد منذ ولادته لم يشعر بها بأمان أو تغير أو تطور... بلاد غارقة ببحور من الدم بصناعات خفية وعلنية للموت المجاني بلا مسببات أو مسببات واضحة هي القوة الإيمانية للفرد الغارق في الأمل,أمل الانتظار أن يظهر الحق ليزهق الباطل: يقولون أنت وسط هذا الماء الجاري تعيش بذراته أو لك منزل بين السماء وسط المياه لا يراه إلا الراسخون في العلم ومن يقل ذلك فليس من أتباعك أو مؤيديك، حتى الراسخون في علوم اللاهوت والبحث عنك جارٍ من شخصي الفقير الى اعلم علماء هذا العصر المتلون والمتغير بدون ثوابت فيه القاتل معروف والمقتول قاتله مجهول الهوية وشلة من المتلونين والخونة يحكمون بدستور إراداتهم وعبثيتهم بالمواطن والمواطنة ... إذا لا قيمة لحياتي بعد زوجتي وهي تحتضر ولا قدرة لي على توديعها ,عندي أمل ان تظهر القدرة الإلهية أن تنجيها مما تعاني من أزمات كالأمل لهذا الشعوب بانتظار مخلصها من الم الخوف من القادم من الأيام لهذه البلاد المقدسة.
وهو يصل الى قرار حتمي مع نفسه ،جلس الى جانبه شخص كبير بالسن وأشيب ذو رائحة طيبة سَحَرَهُ بمجرد الجلوس وإلقاء التحية وسأله ما قيمة الدموع المؤلمة التي تنساب على وجنتيك ؟ليس هناك من شيء في الكون إلا له سبب يولدُ الحلَّ .
_ كيف أجد الحل وسط هذه الجراثيم النتنة التي تحاول قتلي وقتل زوجتي المريضة التي لم أجد لها علاجا عند كبار الأطباء فلم يبق لي غير ربي وأوصيائه الأطهار.
_ إذن الحل موجود ,أذهب الى أي كنيسة واطلب منهم حليب مريم العذراء ففيه شفاء لزوجتك.
دون تفكير أو نظر الى الرجل الأشيب ترك المكان واخذ دلوا وذهب الى اقرب كنيسة وقف ببابها كالصنم، وهو يردد مع نفسه وأخر الأطباء القديسة مريم العذراء ومن ثم دخل بخطوات ثقيلة تملؤها الرهبة من المكان. جاءه صوت نسائي كأنه موسيقى حديثة على طبلة إذنيه لتقول له: أهلا بالأخ هل من خدمة..
رفع في وجهها الجميل الذي ينصع بياضا بملابسها الرهبانية ، الدلو _ محتاج حليب مريم لزوجتي المريضة، ولن يشفيها إلا حليب مريم العذراء.
تبسمت الراهبة ونظرت اليه بود وقالت تفضل سأعطيك حليب مريم ولكن لن تحتاج أبدا لهذا الدلو....
خجل من عفويته وسذاجته وهو يسير خلفها حتى وصلا قبو الكنيسة وأعطته ترابا بكيس صغير جدا قائلة : الشفاء لزوجتك يكون بنفس المكان الذي كنت جالسا به تذهب اليه زوجتك وتضع التراب على قطعة سمك وتبدأ بأكلها وإلقاء فضلاتها في الشط ومن ثم تعود ستشفى بإذن الله ... وما ان طبقت زوجته تعاليم القدرة الإلهية ، لتعود الى صحتها الاولى ، ليعلن من ذاته أن الله وأولياءه يحيطون بنا دون ان نشعر بهم ويسببون الاسباب في الشفاء والرزق ...

* حيدر عاشور
*قصة قصيرة من مجموعة (زَهَايْمَرات)



10859575_857136837670523_969327706_n.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى